في أوائل يناير/ كانون الثاني، أُجبرَت جميلة رشيد على ترك قريتها، رأس عين العوجا التي تقع في الضفة الغربية المحتلة في جنوب وادي الأردن، والتي كانت موطناً لها ولعائلتها لعقود. قالت رشيد، وهي أم شابة لـ DW : "مضايقات المستوطنين الإسرائيليين أصبحت لا تُطاق".
وتحدثت رشيد عن كيفية اقتحام المستوطنين لمنزلهم قائلة: "لم يعد هناك أمان. لقد عانينا لثلاث سنوات، لكن الاستفزازات ازدادت الآن. بالأمس، بصراحة، دخلوا مطبخنا، وشعر الأطفال بخوف شديد"، واليوم تحزم رشيد وعائلتها حقائبهم لمغادرة منزلهم وقريتهم.
شهدَ العام الماضي تصاعداً في عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، وهجمات المستوطنين ازدادت منذ هجوم حماس غير المسبوق على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب التي تلتها في غزة .
يذكر أن حركة حماس، وهي مجموعة مسلحة فلسطينية إسلاموية، تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى على أنها منظمة إرهابية.
أفاد الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) أن عدد هجمات المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين ضد الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية ارتفع بنسبة 27 بالمئة عام 2025 مقارنة مع العام السابق.
عنف المستوطنين الإسرائيليين أدى إلى نزوح أكثر من 700 عائلة فلسطينية منذ يناير/كانون الثاني 2023، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، غالبيتهم من البدو ورعاة الماشية في المنطقة (ج)، التي تشكل 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة إدارياً وأمنياً.
وبحسب منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان، أُجبر سكان 44 قرية فلسطينية على الأقل على مغادرة أراضيهم بالكامل منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2023.
تدهور الوضع في رأس عين العوجا في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما أنشأ مستوطنون إسرائيليون مستوطنات غير قانونية داخل القرية، حيث قاموا بحرث الأرض بالجرارات وسدّوا الطريق المؤدي إلى أحد جوانب القرية.
شهد سلامة كعابنة، أحد سكان القرية، عدة هجمات من قبل المستوطنين ومحاولاتهم للتضييق على القرية في السنوات الأخيرة. لكن إنشاء المستوطنين لمستوطنات غير قانونية على بعد بضعة أمتار فقط من منزله وعائلته بدّدَ لديه الشعور بالأمان.
قال كعابنة وهو ينظر إلى المستوطنة القريبة، حيث كان يقف مستوطنان مع حمارهما: "منعونا من استخدام الطريق وسدّوا خزانات المياه. في الليل، اقترب عدد منهم من مساكننا. كان الأطفال خائفين".
في وقت سابق من هذا الشهر، وبسبب هجمات المستوطنين المستمرة، أُجبرَ نحو 130 شخصاً على هدم منازلهم بأيديهم ومغادرة القرية. من بينهم جميلة رشيد وعائلتها. رشيد تقول: "هذا مُهين، إنه مؤلم. هل هناك ما هو أصعب من هدم منزلك بيديك؟ ولا نعرف حتى إلى أين سنذهب".
يغادر سكان القرية منازلهم برفقة مواشيهم، فالماعز والأغنام والحمير هي مصدر الرزق الرئيسي لهم، لكن معظمها كان محصوراً في حظائره لأسابيع، إذ أصبح من غير الآمن إخراجها إلى المراعي.
واليوم يتم تحميل بعضها على شاحنات صغيرة ونقلها بعيداً مع بعض الأمتعة، بينما يُساعد شبان من مدينة رام الله المجاورة القرويين في هدم الحظائر والمنازل.
محمد أبو فادي، رجل آخر يسكن في القرية، ما زال غير متأكد بعد من أنه سيغادر القرية أم سيبقى فيها، قال لـ DW : "يأتون كل يوم وليلة مع خيولهم، ويضايقون الناس. كل هذا يؤثر على الأطفال، الصغار، والحيوانات، وحتى على الطيور، هذا سلوك غير إنساني".
مضايقات المستوطنين الإسرائيليين لا تقتصر على قرية رأس عين العوجا المحاطة بالعديد من المستوطنات غير القانونية، إذ ظهر نمط مشابه من المضايقات في العديد من التجمعات الفلسطينية الأخرى مثل المعرجات ومغير الدير المجاورتين.
هناك أيضاً، أنشأ المستوطنون مستوطنات غير قانونية في وسط القرى، وصعّدوا هجماتهم، وأجبروا السكان على النزوح في فترة وجيزة .
ووفقاً لمنظمة "السلام الآن" المناهضة للاستيطان، يوجد أكثر من 149 مستوطنة متناثرة في أنحاء الضفة الغربية، بالإضافة إلى 224 مستوطنة غير قانونية ومزرعة صغيرة غير مرخصة.
ومع أن هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي ، تُنكر إسرائيل ذلك، وقد شجعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التوسع الاستيطاني منذ احتلالها للضفة الغربية في حرب 1967.
وفي ظل الحكومة المتشددة الحالية، عُيّن مستوطنون في مناصب حكومية عليا، وأعلنت الحكومة مؤخراً عن إنشاء أو تقنين 19 مستوطنة جديدة، فضلاً عن تنفيذ خطة مثيرة للجدل تُعرف باسم "E1" ، والتي ستقسم الضفة الغربية إلى قسمين. ويرى معظم المجتمع الدولي، بما في ذلك ألمانيا، أن تزايد عدد المستوطنات يشكل عائقاً رئيسياً أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
يقيم نشطاء دوليون وإسرائيليون يُعرفون باسم "جماعات التواجد الوقائي" في قرية رأس عين العوجا على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع، لحماية المجتمع من هجمات المستوطنين، ويقيم بعضهم مع العائلات بالقرب من منازلهم. من قاعدتهم على تلة صغيرة في القرية، يراقب النشطاء تحركات المستوطنين، لكنهم يعترفون بأن ما بوسعهم فعله قليل.
قالت نيتا بن بورات، الناشطة في منظمة "مواجهة الاحتلال" المناهضة للاستيطان لـ DW : "في الوقت الراهن، لا يسعنا إلا حمايتهم ( الفلسطينيين ) أثناء حزم أمتعتهم، ومساعدتهم على مغادرة هذا المكان بأمان".
وأضافت: "هناك عشرات المستوطنين في كل دقيقة داخل القرية، يضايقون الناس، يسرقون، يعتدون بالضرب، يروّعون السكان، يصورون داخل المنازل، ويركبون الخيول في الساحات الخلفية. السكان لا يستطيعون النوم ولا الراحة، ويجب عليهم أن يكونوا في حالة تأهب مستمرة. كثيرون قرروا أنهم لا يستطيعون العيش بهذه الطريقة وقرروا الرحيل".
يقول الفلسطينيون والناشطون المناهضون للاستيطان إن الحكومة الإسرائيلية تتغاضى عن هذه الاعتداءات، ولا تحاسب مرتكبيها. كما وصف الناشط الإسرائيلي أمير بانسكي الوضع في رأس عين العوجا بأنه "مفجع"؛ نظراً لأنه يعرف عائلات القرية منذ سنوات .
وأشار بانسكي إلى أن "دولة إسرائيل والبلدية الإقليمية تقوم بذلك (الاحتلال) بوكلاء، بهؤلاء الأطفال، الرعاة، الذين يضايقون ويهاجمون المجتمع هنا ليلاً ونهاراً. وهم مدعومون من الجيش والشرطة والدولة والسلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية ".
في مارس/آذار 2025، سرق مستوطنون إسرائيليون قطعاناً من الأغنام والماعز ليلاً من عدة مزارعين في القرية، وأصابوا بعضها بجروح بالغة وقتلوها قبل نقلها إلى مستوطنة غير قانونية، وعلى الرغم من تقديم أدلة على مكان وجود الحيوانات، لم تُتابع الطلبات المُقدمة إلى الشرطة والجيش، ولم تُسفر عن إعادة الحيوانات إلى أصحابها .
عندما سألت DW الجيش الإسرائيلي عن الإجراءات التي يتخذها لحماية القرويين، صرّح في بيان له بأنه قد زاد مؤخراً من وجود جنوده، وأنه على علم بالحوادث. وقال الجيش الإسرائيلي: "يدخل جنود الجيش الإسرائيلي المنطقة وفقاً للبلاغات والاحتياجات العملياتية، بهدف منع الاحتكاك بين السكان والحفاظ على النظام والأمن في المنطقة".
وأضاف: "يُطلب من الجنود الذين يصادفون حوادث انتهاك للقانون من قِبل مواطنين إسرائيليين، أو أعمالاً موجهة ضد الفلسطينيين أو ممتلكاتهم، التدخل، وإذا لزم الأمر، احتجاز المشتبه بهم أو اعتقالهم إلى حين وصول الشرطة إلى الموقع".
أعدته للعربية: ميراي الجراح
المصدر:
DW