آخر الأخبار

الحكومة الفرنسية أمام لحظة حساسة بعد استخدام استثناء دستوري

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باريس- تدخل فرنسا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، بعد قرار رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اللجوء إلى المادة (49.3) من الدستور، لتمرير مشروع قانون الموازنة دون تصويت في الجمعية الوطنية.

وفي خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود السلطة التنفيذية في البلاد وأزمة الحكم في ظل برلمان منقسم، لم يكن قرار لوكورنو مفاجئا تماما، لكنه جاء تتويجا لمسار طويل من المفاوضات المتعثرة بين الحكومة وكتل المعارضة حول بنود أساسية في الموازنة، تتعلق بالدعم الاجتماعي والضرائب وضبط العجز المالي.

ومع فشل الحكومة في تأمين أغلبية واضحة ولجوء رئيسها إلى المخرج الدستوري، تبدأ مرحلة أكثر خطورة، حيث ستُعرض الجمعة اقتراحات حجب الثقة للتصويت، بينما يبرز السؤال: هل سيتمكن النظام السياسي الفرنسي من الصمود أمام هذا التشرذم البرلماني؟

أداة دستورية أم تجاوز؟

تتيح المادة (49.3) للحكومة اعتماد مشروع قانون دون تصويت برلماني، مقابل تعريض نفسها لخطر السقوط عبر تصويت حجب الثقة، وقد استخدمت هذه الآلية عدة مرات في تاريخ فرنسا الحديث، في ملفات مهمة مثل إصلاحات التقاعد والموازنات.

ووصف نواب اليسار الخطوة بأنها "انقلاب ناعم على البرلمان"، بينما اعتبرها اليمين المتطرف دليلا على "عجز الحكومة عن الإقناع"، في المقابل، تدافع الحكومة عن قرارها باعتباره ضرورة لتفادي تعطيل الدولة، خاصة مع اقتراب الموعد الدستوري لإقرار الموازنة.

دستوريا، يعتبر هذا الإجراء قانونيا بالكامل، لأنه يهدف إلى تفادي الشلل التشريعي عندما يعجز البرلمان عن إصدار قرار. لكنه من الناحية السياسية، غالبا ما ينظر إليه كاعتراف ضمني بفشل الحكومة في بناء توافق، أو كاستخدام قسري للقوة الدستورية على حساب نقاش ديمقراطي.

واعتبر المتخصص في السياسة الفرنسية إيف سنتومير أن مناورة لوكورنو سمحت له بالمماطلة ووضع الحزب الاشتراكي في مأزق، بحيث يهدر أي انتقاد للحكومة اليوم أسابيع من الجهود للتوصل إلى حل وسط، ما يشكّل فشلا ذريعا بالنسبة له.

إعلان

وأضاف في حديثه للجزيرة نت "من حيث الطريقة الإجرائية البحتة، فيمكن القول إن لوكورنو كان ذكيا، أما موضوعيا، فلا تزال الأمور معلقة ولم تُحسَم بعد لأن مشروع القانون يفتقر إلى أي تركيز حقيقي ولا يخفض عجز الميزانية الفرنسية بالمستوى المطلوب".

كما استبعد سنتومير سقوط الحكومة "لأن اقتراح حجب الثقة لن يمر على الأرجح، لكن من الناحية الموضوعية، لا يوجد أي تحالف بين تيارات سياسية قوية بما يكفي لإسقاطها".

وسواء كانت الأغلبية مطلقة أو نسبية، يرى المحلل السياسي أن الاشتراكيين لن يرغبوا بأي حال في إسقاط هذه الحكومة لأن إجراء انتخابات جديدة سيعني فوز المعسكر اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان، وهي نتيجة لن يرغب بها ائتلاف ماكرون والجمهوريون، على حد قوله.

ويتضمن مشروع الحكومة إجراءات تقشفية وتعديلات على الدعم الاجتماعي ورفع بعض الضرائب على الشركات الكبرى، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من اليسار، بينما اعتبره التجمع الوطني غير كافٍ لمعالجة الأزمة المالية.

واللافت أن القرار جاء رغم تعهدات سابقة لرئيس الوزراء بعدم اللجوء إلى هذه المادة، ما دفع خصومه إلى اتهامه بالتراجع عن وعوده واستغلال الأدوات الدستورية كبديل عن تحقيق توافق سياسي حقيقي.

مصدر الصورة الشارع الفرنسي شهد احتجاجات ضد سياسات الديون والتقشف والميزانية المثيرة لغضب المواطنين (رويترز)

الكلفة السياسية

وفي حالة سيباستيان لوكورنو، جاء هذا الخيار وسط برلمان شديد الانقسام، حيث تفتقر الحكومة إلى أغلبية مستقرة، وتعتمد على تفاهمات مؤقتة مع كتل متناقضة، مما يجعل اللجوء إلى هذه المادة خطوة سياسية عالية المخاطر.

وأمام هذا الانسداد، كان لدى الحكومة خياران اثنان، إما سحب المشروع والدخول في أزمة مالية وتشريعية مفتوحة، أو فرضه عبر مادة الدستور وتحمّل التكلفة السياسية.

وقد برر لوكورنو الخيار الثاني بالتأكيد أن "الدولة لا يمكن أن تُدار بالشلل"، وأن الموازنة "مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية".

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي إيف سنتومير أن الحكومة الفرنسية والمعارضة وصلتا إلى طريق مسدود، خاصة بعد فشل الاشتراكيين في الاتفاق على مشروع قانون إيجابي، ما جعل اللجوء إلى المادة (49.3) السبيل الوحيد لتمرير المشروع.

بدوره، يعتقد توماس غينولي، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في مدرسة "سنترال سوبيليك"، أن نواب الحزب الاشتراكي لا يرغبون في حل البرلمان، لأنهم يسعون جاهدين لاستعادة هيمنتهم كقوة يسارية في مواجهة ميلانشون، لذا سيخفون مصالحهم الشخصية تحت ستار مصلحة البلاد العليا.

وأكد غينولي، في حديثه للجزيرة نت، أنه في حال أُجريت انتخابات تشريعية مبكرة في الفترة المقبلة، فلن يكون ذلك في صالحهم، ولن يكون هناك يسار موحد، ما يعني أن الكثير منهم سيخسرون مقاعدهم بسبب انقسام اليسار.

وفي محاولة لتفكيك جبهة المعارضة، حاول لوكورنو فتح قنوات تفاوض مع الحزب الاشتراكي وبعض نواب الوسط، وقدم تعديلات تركّز على حماية القدرة الشرائية للفئات الهشة وتمديد بعض برامج الدعم.

وأوضح غينولي أن الاشتراكيين حاولوا تحسين الميزانية بالتصويت عليها مقابل تنازلات، لكنهم وصلوا إلى مرحلة لا يمكنهم فيها مساعدة رئيس الوزراء في تمرير الميزانية، لذا لجأ إلى المادة الدستورية لتمرير الإجراءات.

إعلان

ويعتقد غينولي أن الحكومة قامت بابتزاز الحزب الاشتراكي بالتهديد بحله، ملقيا باللوم على هذا الحزب الذي وضع نفسه في يد الحكومة بكسره التحالف اليساري، وقام بتوريط نفسه في هذه الفوضى من خلال محاولته الإطاحة ب جان لوك ميلانشون في منتصف ولايته.

خطر حجب الثقة

وردا على استخدام المادة (49.3)، تقدمت كتل المعارضة باقتراحين لحجب الثقة، الأول من اليسار بقيادة حزب فرنسا الأبية، والثاني من اليمين المتطرف بزعامة التجمع الوطني، ومن المقرر التصويت عليهما اليوم الجمعة في الجمعية الوطنية.

في المقابل، تراهن الحكومة على تشتت المعارضة وتخوف بعض النواب من الذهاب إلى سيناريو انتخابات مبكرة في مناخ سياسي مضطرب، اقتصاديا واجتماعيا، مما يجعل حجب الثقة ورقة ضغط أكثر منه مسارا واقيا لإسقاط السلطة التنفيذية.

ومن الناحية الحسابية، يحتاج أي اقتراح إلى أغلبية مطلقة لإسقاط الحكومة، وهو ما يبدو صعبا في ظل الانقسامات الحالية، وغياب التنسيق بين اليسار واليمين المتطرف، كما أن موقف الحزب الاشتراكي سيكون حاسما.

ويرى المتخصص في السياسة الفرنسية إيف سنتومير أن طلبات حجب الثقة المقدمة من التجمع الوطني ستجذب دعم حلفائه، بما في ذلك الحزب الجمهوري بقيادة إيريك سيوتي، في حين سيحظى حزب "فرنسا الأبية" بدعم الخضر والشيوعيين وربما بعض الاشتراكيين، مؤكدا أن ذلك لن يكون كافيا لإسقاط الحكومة.

وأضاف أن تصويت اليوم يمثل لحظة حاسمة، إما تثبيت حكومة ضعيفة لكنها مستمرة، أو فتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة قد تعيد خلط الأوراق داخل البرلمان.

و"في كلتا الحالتين، قد تدخل البلاد مرحلة حكم هش، يتسم بالابتعاد عن الاستقرار والاقتراب من إدارة الأزمات داخل نظام دستوري صُمم أساسا لتفادي هذا النوع من الانسداد"، كما يقول سنتومير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا