بين الترقب والاستعداد، تتحرّك إسرائيل هذه الأيام ضمن مساحة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد التوتر المرتبط بالملف الإيراني واحتمالات تدخل أميركي قد يعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي.
ورغم غياب مؤشرات رسمية على ضربة وشيكة، تتعامل المؤسسة الأمنية في تل ابيب مع تطورات متسارعة باعتبارها مرحلة انتقالية قابلة للانفجار في أيّ لحظة، ما يفرض جهوزية عالية دون الانزلاق إلى حالة هلع داخلي.
في هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يتابع التطورات “عن كثب”، وأن رئيس الأركان يجري تقييماً للوضع على أساس يومي، في ضوء التطورات المتلاحقة في إيران والمنطقة.
وأفاد الجيش بأنه أصدر توجيهات بتعزيز الجهوزية الدفاعية في مختلف المنظومات، الجوية والبرية والاستخبارية، مع التشديد على عدم وجود “أأتغيير في هذه المرحلة في سياسة الجبهة الداخلية”، داعياً الجمهور إلى الاعتماد فقط على البيانات الرسمية، ومحذرًا من تداول الشائعات التي قد تثير القلق وتشوّش على صورة الواقع.
لكن على مستوى السلطات المحلية، بدأت تظهر خطوات احترازية تحمل دلالات أعمق. فقد اتخذت بلدية ديمونة قراراً استثنائيّاً بفتح جميع الملاجئ العامة في المدينة، في خطوة وُصفت بأنها استعداد وقائي ضمن التحضير لسيناريوهات طوارئ محتملة، وليس استجابة لإنذار محدد أو معلومة استخبارية آنية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء الموقع الجغرافي الحساس للمدينة وقربها من المفاعل النووي، ما جعلها على مدار سنوات جزءاً ثابتاً من النقاشات الأمنية الإسرائيلية المتعلقة بالتهديدات الإقليمية وسيناريوهات التصعيد القصوى.
ورغم عدم صدور تعليمات رسمية من قيادة الجبهة الداخلية، عُدّ قرار فتح الملاجئ مؤشراً واضحاً على مستوى الجهوزية في العمق الإسرائيلي، ورسالة ضمنية مفادها أن الاستعداد لا يقتصر على غرف التقدير، بل يترجم أيضاً إلى إجراءات ميدانية.
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن إسرائيل لم تتلقَّ حتى الآن مؤشراً على هجوم أميركي وشيك ضد إيران، لكنها حسمت موقفها بأن أيّ ضربة تنفذها الولايات المتحدة ستسبقها عملية إبلاغ وتنسيق مع إسرائيل. ووفق التقرير، فإن تلقي مثل هذا الإخطار سيؤدي فورًا إلى تغيير تعليمات الجبهة الداخلية، مع تحديث الجمهور بالتعليمات المطلوبة، بما في ذلك احتمال الطلب بالبقاء قرب الملاجئ أو الغرف المحصّنة، وذلك بحسب طبيعة التطورات والتقدير الأمني في حينه. ويأتي هذا التقدير في إطار محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين الاستعداد العملي والحفاظ على نمط حياة طبيعي قدر الإمكان.
في موازاة ذلك، تتعامل إسرائيل مع احتمالين رئيسيْن. الأول، ضربات أميركية محدودة ودقيقة تهدف إلى دعم الاحتجاجات داخل إيران أو إعادة زخمها في مواجهة النظام. هذا السيناريو، بحسب التقديرات، قد يتم بسرعة وبعنصر مفاجأة، مع تأثيرات إقليمية محسوبة. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في حملة عسكرية أوسع تستهدف إسقاط النظام الإيراني، وهو خيار يتطلب حشداً بحرياً وجوياً أميركياً كبيراً واستعداداً طويل الأمد، ويحمل في طياته مخاطر توسّع المواجهة إلى ساحات إضافية وفقا لما ذكرت القناة ١٢ من التلفزيون الاسرائيلي.
ضمن هذا التقدير، قال رئيس مؤتمر هرتسليا للأمن والسياسة عاموس جلعاد في تصريح خاص لـ”الحرة” إن تقييمه الشخصي هو أن طهران “لن تجرؤ على مهاجمة إسرائيل”، موضحا” أن ما قامت به إسرائيل في العام الماضي “شكّل مفاجأة كاملة للنظام الإيراني”، إذ جرى استهداف قيادات عسكرية رفيعة وتحقيق تفوّق جوي واضح. وأضاف: “في حرب الأيام الـ12، وصلنا إلى سيطرة كاملة فوق طهران، ووجّهنا ضربات قاسية لقدراتهم العسكرية ونظام الدفاع الجوي. إذا فعلنا ذلك مرة، يمكننا أن نفعله مرة أخرى”.
لكن جلعاد حذّر في الوقت نفسه من الاكتفاء بالتحليل المنطقي وحده، مشدداً على ضرورة الاستعداد لكلّ الاحتمالات، بما في ذلك سيناريو تصدير الأزمة الداخلية. وقال: “علينا أن نأخذ في الحسبان احتمال أن يحاول النظام الإيراني تصدير أزمته، سواء باتجاه إسرائيل أو باتجاه أهداف عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. الاحتمالية منخفضة جداً، لكنها قائمة”، مضيفًا: “إذا ارتكبت إيران خطأ وهاجمتنا، فإنها ستدفع ثمنًا دراماتيكيًا، كما قال رئيس الحكومة”.
في هذا الإطار، شدد وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري المصغر إيلي كوهين على أن إسرائيل تتابع ما يجري في إيران “لحظة بلحظة”، مشيراً إلى أن التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن مقتل “آلاف المواطنين الإيرانيين الذين خرجوا ضد نظام متطرّف يمارس القمع منذ 47 عاماً”. واعتبر كوهين في مقابلة مع هيئة البث الاسرائيلية أن ما تشهده إيران يمثل “أكبر تحدّ داخلي يواجه النظام منذ عام 1979… وألا أمل للأخير في الاستمرار”.
واعتبر كوهين أن إيران باتت “المموّل الأول للإرهاب في العالم”. وشدّد على أن إضعاف هذا النظام أو سقوطه “ليس فقط مصلحة إسرائيل أو الغرب، بل مصلحة دول المنطقة بأسرها”.
وفي رسائل ردع مباشرة، أكد كوهين أن “لدى إسرائيل قدرات استخبارية وتكنولوجية تمكّنها من الوصول إلى أيّ نقطة داخل إيران بدقة عالية”، مضيفاً إن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية “ما زالت في وضع إشكالي ولم تُرمَّم بصورة كاملة”. وأكد أن “أي خطأ في الحسابات سيكلّف إيران ثمنًا باهظًا جدًا”.
ولا ينفصل هذا المشهد عن الترقب الإسرائيلي لتداعيات إقليمية أوسع. فالتقديرات الأمنية تأخذ في الحسبان احتمال أن يسعى “المحور الإيراني” إلى توسيع دائرة المواجهة في حال تعرّضت طهران لهجوم، سواء عبر تحريك الحوثيين في اليمن أو من خلال فتح جبهة مع حزب الله.
تقف إسرائيل، في هذه المرحلة، عند نقطة انتظار متحفّزة ومفتوحة على كلّ الاحتمالات. فلا قرار أميركي معلن، ولا هدوء مطمئن في الإقليم. وبين خطوات احترازية في الجبهة الداخلية، وتقديرات أمنية تحذّر من تصدير الأزمة الإيرانية إلى الخارج، ورسائل ردع هادئة لكنها حاسمة، مع إدراك متزايد بأن أيّ تحوّل دراماتيكي في إيران قد يحمل معه ارتدادات تتجاوز حدودها بكثير وتمتد إلى مجمل التوازنات الإقليمية.
المصدر:
الحرة