واشنطن- فور ورود أنباء الهجمة الأميركية على فنزويلا التي نتج عنها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، يوم السبت الماضي، بادر المعلقون والساسة الجمهوريون بالظهور على شاشات الشبكات الإخبارية، ووسائط التواصل الاجتماعي، للتأكيد على أن قرار الرئيس دونالد ترامب يُظهر أن الذراع الطويلة للعدالة الأميركية لا تنتهي عند حدود الولايات المتحدة.
في الوقت ذاته، دفعت تصريحات الرئيس، وتأكيدات وزير الخارجية ماركو روبيو، بأن واشنطن هي التي تدير الأوضاع في فنزويلا، إلى ظهور انقسامات بين أنصار تيار " ماغا" الذين ساهموا في إيصال ترامب إلى السلطة.
وحث العديد من رموز تيار "ماغا" وحركة "أميركا أولا" على عدم الزج بالبلاد في حرب أو احتلال يسهل بدؤه، إلا أنه يستحيل توقع نهايته.
وفي رأي المحلل السياسي الجمهوري بيتر روف، فإن الانقسام بين أنصار ترامب مثله كالانقسام بين كل الأميركيين على كل قضية هامة. وفي حديث للجزيرة نت، ذكر روف أنه "مثل بقية البلاد، فإن ما يسمى بحركة "ماغا" منقسمة حول سياسة إدارة ترامب اتجاه فنزويلا".
و"يعارض بعض مؤيدي أميركا أولا أي تدخل أميركي في الخارج بدون وجود مبرر واضح ومستفز للتحرك. بينما يدرك آخرون، ويشمل ذلك معظم قاعدة ترامب، أنه بدعوة الصينيين والروس، وخاصة الإيرانيين، كان الدكتاتور الفنزويلي ورفاقه يقدمون المساعدة والراحة لأعداء أميركا، وعليه وجب التدخل".
منذ عقود والجمهوريون يدعمون سياسة "العصا الغليظة" في قضايا السياسة الخارجية، التي أدت إلى تدخلات أميركية في عدة دول. وحاليا يختلف الجمهوريون والديمقراطيون بشدة حول دعم العملية العسكرية التي أمر بها الرئيس ترامب لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وترك احتمال إدارة واشنطن لفنزويلا عقب الإطاحة برئيسها، وما يتطلبه ذلك من نشر قوات أميركية على الأراضي الفنزويلية، الباب مفتوحا للكثير من أنصار الرئيس ترامب للتعبير عن معارضتهم لهذه الخطوة التي يرونها عزوفا عن تعهده الانتخابي المتعلق بإنهاء "الحروب الأبدية" وتجنب النزاعات الخارجية.
ووجد استطلاع أجراه مؤشر "رويترز-أبسوس" خلال اليومين الماضيين أن 65% فقط من الجمهوريين يدعمون بشكل عام التحرك العسكري الأميركي ضد فنزويلا.
لكن عند سؤالهم عما إذا كانوا يدعمون تدخل الولايات المتحدة بشكل كبير في فنزويلا، رفضت أغلبية الجمهوريين بنسبة 54% إدارة فنزويلا ولو بصورة مؤقته.
جدير بالذكر أن الرئيس ترامب، الذي لطالما انتقد التدخلات الأميركية في دول أجنبية، قال إن الولايات المتحدة "ستدير" فنزويلا، وكرر "نحن مسؤولون عن فنزويلا".
كما رفضت أغلبية الجمهوريين ما يقال عن نية الرئيس ترامب بإحياء " مبدأ مونرو" الذي يدعم الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، إذ وافق 43% فقط من الجمهوريين، الذين يدافعون عن أجندة "أميركا أولا"، على عبارة "يجب أن تتبنى الولايات المتحدة سياسة الهيمنة على شؤون نصف الكرة الغربي".
وشبهت مارجوري غرين خطوة تدخل ترامب في فنزويلا بـ"غزو" روسيا لأوكرانيا واحتمال استيلاء الصين على تايوان.
وقالت النائبة السابقة في ظهور لها على شبكة سي إن إن، إن "تغيير النظام، وتمويل الحروب الخارجية، وتحويل أموال دافعي الضرائب الأميركيين باستمرار إلى قضايا أجنبية، وإلى الأجانب سواء في الداخل أو الخارج، والحكومات الأجنبية بينما يواجه الأميركيون باستمرار زيادة في تكاليف المعيشة والسكن والرعاية الصحية.. والاحتيال في أموال ضرائبهم، هو ما يثير غضب معظم الأميركيين. خاصة الأجيال الشابة".
ثم أضافت أن "اشمئزاز الأميركيين من العدوان العسكري المستمر لحكومتنا ودعمها للحروب الخارجية مبرر لأننا مجبرون على دفع ثمنه، وكلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، دائما ما يحافظان على تمويل آلة واشنطن العسكرية. هذا ما اعتقد الكثيرون في "ماغا" أنهم صوتوا لإنهائه. كم كنا مخطئين!".
ثم غردت مارجوري على منصة إكس، وقالت إن "الملاحظة الواضحة التالية هي أن إزالة مادورو هي خطوة واضحة للسيطرة على إمدادات النفط الفنزويلية لضمان الاستقرار لحرب تغيير النظام الواضحة القادمة في إيران. كما ينال ذلك من مصدر رئيسي للنفط إلى الصين. لو كان الأمر يتعلق بالمخدرات التي تقتل الأميركيين، لكانوا يقصفون الكارتلات المكسيكية".
من ناحية أخرى، وخلال حلقة من بودكاسته الشهيرة "غرفة الحرب" بثت يوم الاثنين الماضي، قال ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترامب، وأحد أهم منظري تيار "ماغا" إن "القضايا الأهم التي تقلق الناس هنا منها قول الرئيس ترامب "نعم، سنقود قوات على الأرض"، وما قاله ليلة البارحة، "سنعيد بناء البلاد".
وعرض بانون صور ومقاطع الفيديو التي تظهر نقل مادورو إلى مراكز الاحتجاز بمنطقة بروكلين بمدينة نيويورك، وعلق ساخرا بالقول "أنا فقط ألاحظ أنه عندما تم أخذ مادورو إلى مركز احتجاز بروكلين عبر شوارعها وشوارع منطقة برونكس، تبدو مباني المدينة أسوأ من مثيلتها في كراكاس".
وقصد بانون أنه لا ينبغي لإدارة ترامب الاهتمام بقضايا خارجية في وقت يعاني فيه العديد من الأميركيين من تدني مستوى وجودة الحياة اليومية.
كما علّقت المؤثرة الجمهورية اليمينية كانديس أوينز، على منصة إكس قائلة "تم تحرير فنزويلا كما سبق وتم تحرير سوريا وأفغانستان والعراق".
و"قامت وكالة الاستخبارات المركزية باستيلاء عدائي آخر على بلد بأمر من مختلين عقليا عالميين. هذا هو ما يحدث، دائما، في كل مكان. الصهاينة يهللون لكل تغيير في النظام. لم يحدث أي تغيير في النظام لم يصفق فيه الصهاينة لأنه يعني أنهم يستطيعون سرقة الأراضي والنفط وموارد أخرى".
وعلى النقيض، وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر المحلل الجمهوري روف أن "إزاحة مادورو من السلطة هي الخطوة الأولى نحو إزاحة أعداء أميركا من فنزويلا. وهذا هو نوع القيادة القوية التي اعتادت عليها أميركا في التعامل مع العالم الخارجي كما كان الحال تحت حكم الرئيسين، الديمقراطي جون كينيدي والجمهوري رونالد ريغان، وهو ما يتوقعه الشعب الأميركي حقا من رؤسائه".
كما عبر الكثير من قادة الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس عن دعمهم لسياسة ترامب اتجاه فنزويلا، واستبعدوا كذلك سيناريو إرسال قوات أميركية بأعداد كبيرة للسيطرة على فنزويلا.
وقال السيناتور ليندسي غراهام، المقرب من ترامب، في تغريدة على منصة إكس إن "الرئيس ترامب وأميركا مسؤولان عن فنزويلا لسبب وجيه. نعمل مع بقايا نظام مادورو لتحقيق نتيجة تبني البلاد وتسمح في النهاية بتغيير النظام من خلال صناديق الاقتراع".
وحسب غراهام "لا يوجد سبب لوجود أعداد كبيرة من القوات الأميركية لتحقيق هذا الهدف ما دامت القيادة الحالية تعمل مع إدارة ترامب في هذا الجهد. التغيير الوحيد في النظام الذي أبحث عنه في فنزويلا سيأتي في الوقت المناسب، بعد استقرار البلاد وتمكين شعبها من تغيير النظام عبر صناديق الاقتراع بانتخابات حرة ونزيهة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة