بيروت – في لحظة سياسية وأمنية دقيقة، أعلن الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطته ل حصر السلاح بيد الدولة، في جنوب نهر الليطاني، وهي منطقة طالما شكّلت عقدة أساسية في معادلة الاشتباك بين لبنان وإسرائيل.
وأوضح الجيش في بيانه، اليوم الخميس، أنه بسط سيطرته العملياتية على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود باستثناء المواقع التي تحتلها القوات الإسرائيلية، مع استمرار معالجة الذخائر غير المنفجرة وشبكات الأنفاق، لمنع إعادة بناء قدرات عسكرية خارج إطار الدولة، مؤكدا أن المرحلة الأولى حقّقت أهدافها الأساسية، وأنه سيتم إجراء تقييم شامل للمرحلة لتحديد مسار المراحل المقبلة.
وجاء بيان الجيش اللبناني صباحا، قبيل انعقاد جلسة لمجلس الوزراء، التي عرض خلالها قائد الجيش رودولف هيكل مسار تنفيذ خطة حصر السلاح، وأعلن وزير الإعلام بول مرقص، عقب الجلسة، أن الحكومة كلّفت الجيش بإعداد خطة لحصر السلاح شمال نهر الليطاني، على أن تُعرض عليها خلال الشهر المقبل، مبينا أن المؤسسة العسكرية تنفّذ حاليا مهاما عملاتية بتلك المنطقة تحت عنوان "الاحتواء"، وتشمل منع نقل السلاح.
سياسيا، حظي بيان الجيش بدعم واسع، إذ أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن انتشار الجيش جنوب الليطاني يستند إلى قرار وطني جامع، مشددا على أن تمكين الدولة من أداء دورها الكامل يبقى مشروطا بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإطلاق سراح الأسرى.
بدوره، اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن ما أنجزه الجيش كان يمكن أن يكتمل لولا استمرار الاحتلال الإسرائيلي والخروقات اليومية، إضافة إلى العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام عمل المؤسسة العسكرية، رغم عدم تسلم الجيش بعدُ المساعدات التي وُعد بها.
فيما أكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أن الجيش أنهى المرحلة الأولى من تنفيذ قرار الحكومة القاضي بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية.
وشدد، في بيان، على الحاجة الملحّة إلى دعم الجيش لوجيستيا وماديا، بما يُعزِّز قدرته على تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الممتدة بين نهر الليطاني ونهر الأوّلي، والمراحل التي تليها في أسرع وقت.
وهذا الإجماع يصطدم بأسئلة جوهرية تتجاوز جنوب الليطاني إلى مستقبل الخطة شماله، وإلى قدرة المؤسسة العسكرية على الاستمرار في ظل نقص الدعم والضغط السياسي والأمني المتوازي.
وكانت الحكومة اللبنانية قد أقرت، في أغسطس/آب الماضي، خطة شاملة لحصر السلاح بيد الدولة، تشمل سلاح حزب الله، في خطوة وُصفت حينها بأنها من أكثر القرارات حساسية منذ سنوات.
في المقابل، شككت إسرائيل في الرواية اللبنانية، وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن حزب الله لا يزال موجودا جنوب الليطاني ويسعى لتعزيز قدراته، معتبرا أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه "بداية غير كافية"، ومؤكدا أن اتفاق وقف إطلاق النار ينص على نزع سلاح الحزب بالكامل.
وشهد يوم أمس الأربعاء عقد الاجتماع الـ16 للجنة الإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في مقر قوات الأمم المتحدة بالناقورة، بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة و فرنسا وقوات اليونيفيل، إلى جانب لبنان وإسرائيل، في محاولة لمتابعة تنفيذ الاتفاق وسط استمرار التوتر على الحدود الجنوبية.
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد علي أبي رعد أن بيان الجيش اللبناني جاء في إطار استباقي لأي رواية قد يصدرها الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدا أن الجيش نفّذ كامل ما هو مطلوب منه التزاما ب القرار الدولي 1701.
ويوضح العميد للجزيرة نت أن الخطة العسكرية المفترضة طُبّقت عمليا، لا سيما الانتشار على طول الحدود اللبنانية، وهو جوهر القرار، إضافة إلى مصادرة مخازن أسلحة ومداهمة أنفاق ومواقع عسكرية، بعضها تم بالتنسيق مع المقاومة اللبنانية (حزب الله)، نظرا لوجود مواقع مخفية.
ويضيف أن بيان الجيش يشكّل دليلا قاطعا على استتباب الوضع ميدانيا، إذ إن صدوره بهذا المستوى من التفصيل يعكس اكتمال الانتشار العسكري في مختلف البقع الواقعة جنوب نهر الليطاني، عبر شبكة من المراكز العسكرية.
ورغم أن عدد القوات لم يكتمل بعد، حيث يتطلب الانتشار عشرة ألوية عسكرية، في حين يبلغ العدد الحالي بين 8 إلى 9 آلاف عنصر، فإن هذا النقص العددي، برأيه، لا يُمثّل جوهر المشكلة.
ويشير أبي رعد إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في استمرار الاحتلال الإسرائيلي بالتمركز في نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، أقام فيها تحصينات على تلال حاكمة، في مؤشر واضح إلى غياب نية الانسحاب.
ويستشهد، في هذا السياق، بالمناورة التي أجرتها الفرقة 91 في جيش الاحتلال (فرقة الشمال)، والتي خلصت -وفق الجيش- إلى ضرورة إقامة مراكز دفاع أمامية داخل الأراضي اللبنانية لحماية مستوطنات الشمال، مما يُعزّز فرضية التمسك بهذه النقاط تحت ذريعة أمنية.
ويخلص أبي رعد إلى أن مجمل هذه المعطيات يعكس إصرار الاحتلال الإسرائيلي على استخدام مختلف أدوات الضغط لفرض شروطه، سواء عبر الدفع نحو اتفاق أمني أو تفاهمات تضمن له حرية الحركة والسيطرة، مستندا في كل مرة إلى مزاعم وجود "اتفاق سري" مع أميركا يتيح له حرية التحرك في جنوب لبنان.
من جهته، يرى المحلل السياسي إبراهيم حيدر أن إعلان الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني يندرج في إطار التزام لبنان بالشروط الدولية، واستجابة للمهلة الأميركية المحددة لإنجاز هذه المرحلة.
ويشير حيدر، متحدثا للجزيرة نت، إلى أن النقطة الجوهرية تكمن بأن مجلس الوزراء لم يحدد بعد مسار المرحلة الثانية، التي تمتد من شمال الليطاني إلى مناطق أخرى، ولم يضع مهلة زمنية واضحة لبدئها.
ويعتبر عدم تحديد المهلة مؤشرا على أن الحكومة اللبنانية تقيّم موقف الفاعلين الدوليين، لا سيما الأميركيين، وتراقب ردود الفعل الإسرائيلية، التي بدأت تظهر علنا مع اعتقاد تل أبيب أن الجيش لم ينجز مهمته بالكامل وأن حزب الله لا يزال موجودا في جنوب الليطاني.
ويضيف أن غياب المهلة الزمنية يمنح الجيش فرصة لاستطلاع مواقف الأطراف المحلية والدولية قبل وضع خطة واضحة للمرحلة التالية شمال الليطاني. ويبدو أن الجيش يستثمر هذه الفترة لاستكمال المشاورات السياسية بين حزب الله والحكومة أو مع رئاسة الجمهورية، بهدف تحديد موقف الحزب من الالتزام بخطة حصر السلاح شمالا.
وعلى صعيد مجلس الوزراء، يرى حيدر أن البيان الأخير يمثل نوعا من التسوية السياسية، ويؤكد توجّه جلسة 5 سبتمبر/أيلول السابقة، التي منحت الجيش حرية تحديد مواعيد وخطة المرحلة الثانية، على عكس جلسة أغسطس/آب التي شهدت قرارات أكثر حسما بشأن سحب السلاح، ومن المتوقع أن يحدد الجيش اللبناني مهلة زمنية جديدة مطلع فبراير/شباط المقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة