في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في السودان، لم تعد آثار الحرب محصورة في الخرائط العسكرية أو بيانات السيطرة الميدانية، بل باتت محفورة على أجساد الأطفال، شاهدة بصمتٍ موجع على كلفة صراع لا يفرّق بين جبهة وبيت.
ففي مخيمات النزوح والمنازل المتضررة، تتحول الإصابات والبتر والتشوهات إلى عناوين يومية لطفولة وُضعت قسرا في مواجهة العنف.
ومن داخل أحد مخيمات النزوح بولاية النيل الأبيض، يوثّق مراسل الجزيرة الطاهر المرضي مشاهد تختزل هذه المأساة. فبين الخيام المهترئة، يتحرك أطفال ببطء بينما أطراف بعضهم مبتورة وآخرون تلف أجسادهم ضمادات تخفي جروحا وتشوهات ناتجة عن هذه الحرب القاسية.
وضمن هذه الحكايات، تبرز قصة "مُزَن" وهي طفلة لم تتجاوز عامها العاشر، حيث كانت تسير نحو مستقبل بسيط يشبه أحلام أقرانها، قبل أن تغيّر قذيفة عشوائية مسار حياتها بالكامل.
ولم تترك الإصابة التي لحقت بها أثرا جسديا فحسب، بل فتحت بابا لقلق دائم بشأن تداعيات صحية قد ترافقها مدى الحياة، وجلوسها إلى جانب كتاب مدرسي، بملامح شاردة وحركة يد مترددة، مما يعكس محاولة التمسك بالحياة الطبيعية وسط واقع لا يشبه عمرها.
والخوف الأكبر، كما تعبّر عنه أسرتها، لا يرتبط بالألم الآني وحده، بل بما قد يحمله الغد من قرارات طبية قاسية، فالحرب لا تكتفي بإصابة الجسد، بل تزرع شكوكا طويلة الأمد في مستقبل لم يعد مضمونا.
ولا تبدو مزن حالة استثنائية، ففي منزل بسيط تجلس أم تحيط بها بقايا أسرة مزقتها الحرب، اثنان من أطفالها قُتلا، واثنان آخران يعيشان بإعاقات دائمة نتيجة قذيفة سقطت على البيت.
ولا تقف الأضرار عند حدود البتر والتشوهات. ففي المخيمات، يعيش أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وبعضهم مصاب جسديا، وآخرون يحملون جراحا نفسية لا تقل عمقا.
ومن هؤلاء الأطفال، أحمد وحسام، وهما طفلان يعيشان مع أسر بديلة، يجلسان داخل خيمة ضيقة، نظراتهما معلّقة في الفراغ، ويكشف حديث أحدهما عن مصير والده وإخوته حجم الفقد الذي يرافق اليُتم في سياق حرب مفتوحة.
وتندرج هذه القصص الفردية ضمن أزمة أوسع، كما يوضح شيلدون يت ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( يونيسيف) فالحرب بعد أكثر من عامين دفعت عشرات الملايين إلى النزوح، نصفهم من الأطفال.
ويضيف يت بأن ملايين من هؤلاء الأطفال النازحين حُرموا من التعليم، وأن آخرين لم يحصلوا على اللقاحات الأساسية، مما جعلهم عرضة لأمراض يمكن الوقاية منها، في بيئة تفتقر إلى أبسط الخدمات.
ورغم قسوة المشهد، لا تغيب محاولات التمسك بالحياة، وفي مساحة مفتوحة، يجلس أطفال على الرمال يخطّون الحروف بأصابعهم، في مشهد يوحي بأن الرغبة في التعلم لم تُهزم بالكامل.
وفي ختام المشهد، تعود الكاميرا إلى طوابير الطعام، حيث جوعٌ مزمن، ونزوحٌ بلا أفق، وأمراض تلوح في الأفق، وهو ثالوث يضغط على طفولة السودان يوما بعد آخر، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز بيانات القلق.
المصدر:
الجزيرة