بحسب التقرير، تخضع الأبيض لحصار شبه كامل تفرضه قوات الدعم السريع ضمن نطاق دائري يتراوح نصف قطره بين 40 و50 كيلومترًا. من الشمال، تتمركز قوات الجنرال محمد حمدان دقلو "حميدتي" في بلدة بارا، قاطعة الطريق المؤدي إلى الخرطوم. من الغرب، تواصل هذه القوات تقدمها بعد سحق الفرقة 22 من القوات المسلحة السودانية في بابنوسة.
أما من الجنوب، وبمساندة فصيل من الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، فتحاصر قوات الدعم السريع منطقتي دلّينغ وكادقلي في جبال النوبة، وتسيطر على بلدة كازقيل، التي لا تبعد سوى أقل من ساعة بالسيارة عن الأبيض.
بعد أن عززت مواقعها بالسيطرة على عاصمة شمال دارفور، التي سقطت عقب حمّام دم أودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، أعادت قوات الدعم السريع انتشارها باتجاه وسط السودان . ومع كل تقدم ميداني، تفرض سيطرتها على الموارد الطبيعية في المنطقة، إذ استولت في الأول من ديسمبر على أكبر حقل نفطي في البلاد. وبوجود الفرقة الخامسة مشاة ومطار عسكري داخلها، تحولت المدينة إلى مركز عمليات رئيسي للجيش السوداني في إقليم كردفان.
يوثق التقرير سلسلة هجمات دامية استهدفت المدنيين والبنى الصحية. ففي 3 نوفمبر، قُتل أكثر من 45 شخصًا كانوا مجتمعين في جنازة داخل مدينة الأبيض. وفي 4 ديسمبر، أصابت ضربة بطائرة مسيّرة نُسبت إلى قوات الدعم السريع مدرسة ومستشفى في منطقة كالوقي بجنوب كردفان، ما أدى إلى سقوط نحو مئة ضحية، بينهم 63 طفلًا، بحسب منظمة الصحة العالمية.
وفي 13 ديسمبر، قُتل ستة من حفظة السلام البنغلادشيين داخل قاعدة تابعة للأمم المتحدة في كادقلي، قبل أن يُستهدف في اليوم التالي مستشفى تابع للجيش في دلّينغ، ما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى ردّ القوات المسلحة السودانية، إذ قُتل منذ اندلاع الحرب أكثر من 1700 مدني جراء غارات نفذتها الطائرات السودانية على أحياء سكنية وأسواق ومخيمات نازحين، وفق مشروع "Sudan Witness" التابع لمنظمة "مركز مرونة المعلومات".
وعلى الصعيد الصحي، يعيش المستشفى العام الوحيد في الأبيض حالة استنفار دائم، إذ امتلأت أقسامه في الأسابيع الأخيرة بالجرحى والنازحين جراء المعارك. ويستقبل هذا المستشفى، الذي يضم 450 سريرًا، أكثر من 9 آلاف مريض شهريًا. خارج المبنى، تحوّل الفناء إلى مخيم بدائي، تنشر فيه العائلات الغسيل وتشعل نيرانًا لإعداد الشاي والعدس.
حول مدينة الأبيض، باتت الميليشيات تسيطر على معظم الأراضي الزراعية في إقليم كردفان ، ما يخنق أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد السوداني. ويستعيد التقرير صورة "سوق المحاصيل" في الأبيض، الذي كان في السابق يعجّ بالتجار القادمين بجلابيبهم البيضاء للتفاوض على مخزونات السمسم والفول العربي والصمغ العربي، حيث كانت أكياس الخيش تتكدس حتى قمم أشجار الأكاسيا.
اليوم، يبدو السوق شبه مهجور، وقد دُمّرت مستودعاته بفعل الصواريخ. وفي هذا السياق، تحذر الأمم المتحدة من أن أكثر من نصف سكان السودان، البالغ عددهم 50 مليون نسمة، يقفون على حافة المجاعة.
يُذكر أن مدينة الأبيض تقع في قلب سهول خصبة يزحف إليها التصحر من الشمال، وكانت تاريخيًا مفترقًا تجاريًا يربط غرب السودان بشرقه ويصل الساحل الإفريقي بالبحر الأحمر، ما أكسبها لقب "عروس الرمال".
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، شهدت واحدًا من أطول فصول الحصار. وقبل الحرب، تجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة، قبل أن يفرّ جزء كبير منهم، لتعود وتمتلئ بمئات الآلاف من النازحين الفارين من المعارك المحيطة.
وفي بلد أُجبر فيه نحو 10 ملايين مدني على النزوح الداخلي، ولجأ أكثر من 4 ملايين إلى دول الجوار، بات أكثر من ربع سكان السودان اليوم مشرّدين، فيما تقف الأبيض شاهدًا حيًا على تداخل الحرب مع كارثة إنسانية آخذة في الاتساع.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة