في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أعادت جائزة ألبرت لاسكر للأبحاث الطبية الأساسية لعام 2026 تسليط الضوء على اكتشاف غيّر فهم العلماء لآليات النوم واليقظة، بعد تكريم العالمين إيمانويل مينيو وماساشي ياناغيساوا لكشفهما منظومة الأوريكسين ودورها في الحفاظ على اليقظة، وإثبات أن نقص إشاراتها يسبب النوم غير المنضبط في مرض النوم القهري.

وجمعت قصة الاكتشاف بين مسارين علميين بدآ بعيدين عن بعضهما؛ فقد بحث ياناغيساوا عن وظيفة جزيئات جديدة في الدماغ، بينما حاول مينيو فك لغز النوم القهري من خلال دراسة كلاب أصيبت بالمرض وراثيا. وبعد سنوات من العمل، التقى المساران عند منظومة الأوريكسين، لتكشف التجارب على الفئران والكلاب ثم البشر أن هذا الجزيء يؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على اليقظة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 العدوى أيضا قد تقود إلى السرطان.. 5 مسببات في الواجهة
* list 2 of 2 جنين في معدة طفلة مصرية.. نزيف يقود إلى حالة طبية شديدة الندرة end of list

ويقول إيمانويل مينيو، أستاذ طب النوم في جامعة ستانفورد ومدير مركز ستانفورد للنوم القهري، في تصريحات خاصة للجزيرة نت عبر البريد الالكتروني: "كان الاكتشاف الرئيسي عندما وجدنا أننا لا نستطيع قياس مستويات الأوريكسين في السائل الدماغي الشوكي لدى معظم مرضى النوم القهري. ونشرت النتيجة في الأول من يناير/كانون الثاني 2000. وكان ذلك هو سبب النوم القهري لدى البشر".

وجاءت هذه النتيجة بعد أن كانت الأبحاث على الحيوانات قد ربطت منظومة الأوريكسين بالمرض. فقد أظهرت دراسات سابقة أن تغيرات في الجينات المسؤولة عن الأوريكسين أو مستقبلاته تسبب النوم القهري في نماذج حيوانية، ومن بينها دراسة فريق مينيو على الكلاب عام 1999 التي كشفت أن المرض الوراثي لديها ينتج عن خلل في جين مستقبل الأوريكسين رقم 2.

ونشرت مجلة "ذا لانسيت" الدراسة البشرية التي أشار إليها مينيو، وأظهرت أن الهيبوكريتين-1، المعروف أيضا باسم "أوريكسين أ"، لم يكن قابلا للكشف لدى 7 من 9 مرضى بالنوم القهري، مما قدم دليلا مباشرا على اضطراب منظومة الأوريكسين لدى البشر. وأكدت دراسات لاحقة أن نقص الأوريكسين يرتبط أساسا بالنوم القهري من النوع الأول، الذي يتميز عادة بالجمدة، أي الفقد المفاجئ لتوتر العضلات مع بقاء الوعي.

إعلان

ويتزامن تكريم العالمين مع اقتراب إعلان جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026 غدا الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول، ليعيد قصة الأوريكسين إلى دائرة الاهتمام العلمي خلال أسبوع نوبل. ولا تعلن لجنة نوبل أسماء المرشحين للجائزة، إذ تبقى معلومات الترشيحات سرية لمدة 50 عاما، لذلك لا يمثل فوز مينيو وياناغيساوا بجائزة لاسكر إعلانا عن ترشيحهما لنوبل، بل تكريما مستقلا لاكتشاف امتد أثره من المختبر إلى علاج المرضى.

مصدر الصورة إيمانويل مينيو، أستاذ طب النوم في جامعة ستانفورد ومدير مركز ستانفورد للنوم القهري (من حساب لاسكر على اكس)

جزيء يبحث عن وظيفة

بدأ أحد خيوط القصة في مختبر ماساشي ياناغيساوا، الذي يعمل حاليا مديرا للمعهد الدولي لطب النوم التكاملي بجامعة تسوكوبا اليابانية. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان فريقه يبحث عن جزيئات طبيعية ترتبط بمستقبلات في الدماغ لم تكن وظائفها معروفة.

ونشر ياناغيساوا وزملاؤه عام 1998 في مجلة "سيل" (Cell) اكتشاف ببتيدين عصبيين جديدين أطلقوا عليهما "أوريكسين أ" و"أوريكسين ب"، ووجدوا أن الخلايا التي تنتجهما تتركز في منطقة تحت المهاد (Hypothalamus)، وهي منطقة صغيرة تقع قرب قاعدة الدماغ وتشارك في تنظيم النوم واليقظة والجوع وحرارة الجسم وعدد من الوظائف الهرمونية.

وركز الباحثون في البداية على احتمال ارتباط الأوريكسين بتنظيم تناول الطعام، لكن وظيفة أخرى أكثر أهمية بدأت تظهر بعد ذلك.

وكشفت المفاجأة عندما طور فريق ياناغيساوا فئرانا لا تنتج الأوريكسين. فقد بدأت الحيوانات تظهر نوبات مفاجئة من فقد الحركة، وظن الباحثون في البداية أنها تشنجات، قبل أن تكشف تسجيلات نشاط الدماغ أنها مرتبطة باضطراب شديد في الانتقال بين اليقظة والنوم وظهور خصائص تشبه النوم القهري.

ونشر الفريق نتائجه عام 1999 في مجلة "سيل"، مقدما دليلا قويا على أن فقد الأوريكسين يسبب اضطرابا في استقرار النوم واليقظة.

كلاب تقود إلى النتيجة نفسها

وسلك مينيو طريقا مختلفا للوصول إلى المنظومة نفسها. فقد بدأ عام 1989 البحث عن السبب الجيني للنوم القهري الوراثي لدى سلالات من كلاب الدوبرمان واللابرادور، في وقت لم يكن فيه جينوم الكلاب قد سُلسل، ولم تكن قد وُضعت له حتى خريطة جينية أولية متكاملة.

وراقب الباحثون كلابا تظهر لديها نوبات مفاجئة من فقد قوة العضلات، خاصة مع الإثارة، إلى جانب اضطرابات في النوم، وهي صورة تشبه بعض أعراض النوم القهري لدى البشر.

ويقول مينيو للجزيرة نت: "أظهر عمل ماساشي في الفئران وعملنا في الكلاب أن الأوريكسين مرتبط بالنوم والنوم القهري. وظهور النتيجة لدى باحثين مختلفين وفي نوعين مختلفين، الكلاب والفئران، كان أفضل دليل على أن النتيجة صحيحة. وإلا كان علينا انتظار باحث آخر ليكررها".

وعزز توافق نتائج ياناغيساوا في الفئران ومينيو في الكلاب قوة الاكتشاف، قبل أن تؤكد دراسات البشر لاحقا أن نقص الأوريكسين يرتبط بالنوم القهري من النوع الأول.

كيف يحافظ الأوريكسين على اليقظة؟

يساعد الأوريكسين شبكات عصبية متعددة في الدماغ على الحفاظ على حالة اليقظة وتثبيتها، لذلك لا يمكن اختصار دوره في أنه مادة "تمنع النوم". فهو يساعد الدماغ على البقاء في حالة مستقرة، ويحد من الانتقال المفاجئ وغير المناسب بين الاستيقاظ والنوم.

إعلان

وتفسر هذه الوظيفة كثيرا من مظاهر النوم القهري. فالمشكلة لا تقتصر على النعاس الشديد خلال النهار، وإنما تمتد إلى اضطراب الحدود بين النوم واليقظة، وقد تظهر على هيئة الجمدة وشلل النوم والهلوسات عند النوم أو الاستيقاظ واضطراب النوم ليلا.

وأظهرت الأبحاث أن الأشخاص المصابين بالنوم القهري من النوع الأول يفقدون معظم الخلايا العصبية المنتجة للأوريكسين في منطقة تحت المهاد. ويرجح الباحثون أن عملية مناعية ذاتية تسهم في تدمير هذه الخلايا لدى أشخاص لديهم استعداد وراثي، بينما ما زالت تفاصيل هذه العملية موضع بحث.

مصدر الصورة يرتبط النوم القهري بنعاس نهاري شديد واضطراب الحدود بين النوم واليقظة (غيتي)

علاج يعوض ما يفتقده المرضى

وغير فهم الأوريكسين طريقة التفكير في علاج اضطرابات النوم. ففي الأرق، تستخدم أدوية تحجب مستقبلات الأوريكسين لتقليل إشارات اليقظة، بينما اتجه الباحثون في النوم القهري إلى الاتجاه المعاكس، عبر تطوير أدوية تنشط مستقبلاته لتعويض الإشارة المفقودة.

ويقول مينيو للجزيرة نت: "تمثل الأدوية المنشطة لمستقبلات الأوريكسين تحولا كبيرا في علاج النوم القهري من النوع الأول، لأنها تعوض ما يفتقده هؤلاء المرضى. لكننا نعتقد أن لها تطبيقات أخرى كثيرة في الطب".

وجاء أحد أبرز التطبيقات مع عقار "أوفيبوريكستون"، وهو دواء يؤخذ عن طريق الفم وينشط بصورة انتقائية مستقبل الأوريكسين رقم 2.

ونشرت مجلة "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين" في سبتمبر/أيلول 2026 نتائج تجربتين من المرحلة الثالثة، أظهرتا أن العقار حسن القدرة على البقاء مستيقظا، وخفض النعاس خلال النهار ونوبات الجمدة لدى المصابين بالنوم القهري من النوع الأول، مقارنة بالدواء الوهمي. وشارك مينيو ضمن الباحثين في الدراسة.

ويقصد بالدواء الوهمي، أو "البلاسيبو"، مادة تشبه الدواء المستخدم في الدراسة، لكنها لا تحتوي على المادة الفعالة، ويستخدمها الباحثون للمقارنة والتأكد من أن التحسن ناتج عن العلاج الذي يخضع للاختبار.

وسبقت نشر هذه النتائج خطوة مهمة في 5 أغسطس/آب 2026، عندما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على "أورزيفول" (Orzeyful)، الذي يحتوي على أوفيبوريكستون، لعلاج البالغين المصابين بالنوم القهري من النوع الأول، ليصبح أول دواء معتمد يعمل مباشرة على استعادة إشارات الأوريكسين المفقودة التي تقف في أساس المرض.

لماذا يهمنا النوم؟

ووصف طبيب الأعصاب وباحث طب النوم الهولندي سيباستيان أوفيريم والباحثة الدانماركية بيرغيته كورنوم، في مقال نشرته مجلة "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين" يوم إعلان جائزة لاسكر، أبحاث مينيو وياناغيساوا بأنها أعمال محورية في اكتشاف منظومة الأوريكسين ودورها في النوم القهري.

وأوضح المقال كيف انتقلت هذه الأبحاث من اكتشاف أساسي في علم الأعصاب إلى فهم آلية مرضية، ثم إلى تطوير أدوية تستهدف الخلل نفسه، وهو مسار استغرق أكثر من ربع قرن منذ اكتشاف الأوريكسين.

ويواصل مينيو اليوم دراسة الجوانب الجينية والمناعية والعصبية للنوم القهري في جامعة ستانفورد، بينما يواصل ياناغيساوا وفريقه في اليابان البحث في الآليات التي تحدد متى ينام الدماغ ومتى يستيقظ.

ويقول مينيو في ختام حديثه للجزيرة نت: "من الجميل حقا أن يحظى النوم بالاعتراف باعتباره ظاهرة فسيولوجية مهمة. فنحن نقضي ثلث حياتنا في النوم، ومع ذلك لا يدرسه إلا عدد قليل من الناس".

وتختصر عبارته قصة بحث بدأت بكلاب تعاني اضطرابا غامضا وفئران فقدت جزيئا صغيرا في الدماغ، ثم وصلت إلى البشر وإلى دواء يعوض الإشارة المفقودة. ولم يكشف مينيو وياناغيساوا "زر النوم" بالمعنى الحرفي، لكنهما كشفا إحدى أهم المنظومات التي تساعد الدماغ على البقاء يقظا عندما ينبغي له أن يكون مستيقظا.

إعلان