بين الخوف والترقب تبدأ رحلة الحمل لدى النساء محملة بمحاذير وتوصيات، جزء كبير منها يأتي من إرث الأمهات والجدات، ولأن حاجة جسم المرأة الحامل للأصناف الغذائية الغنية بالفيتامينات تزداد خلال فترة نمو الجنين في رحمها، حازت النصائح التغذوية النصيب الأكبر من الاهتمام في المجتمعات المختلفة، لا سيما في الدول العربية وبقية الدول النامية حول العالم.

لكن مع التقدم العلمي بدأت جل النصائح الموروثة تخضع للبحث والتحقق للكشف عن صحة المعلومات التي أرخت جذورها في العقول جيلا بعد جيل، في محاولة لتجنيب النساء الانقياد وراء نصائح قد تحرمهن الحصول على ما يحتجن إليه من عناصر غذائية ضرورية لصحتهن وأطفالهن.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "شكرا للنشامى".. إشادات واسعة بجهود إنقاذ أردنية أعادت ساق شاب مصري
* list 2 of 2 دراسة حديثة: مسحة من سرة البطن قد تكشف أمراضا خطيرة end of list

ممنوعات تختلف جغرافيا

تتباين التوصيات للنساء في أثناء الحمل باختلاف الدول التي يقطنَّ بها، ففي جنوب أفريقيا تُصنف اللحوم والأسماك والبطاطا والفواكه والبيض والقرع ضمن الممنوعات في أثناء الحمل، بينما تُمنع الحوامل في إثيوبيا من استهلاك مشتقات الألبان والخضراوات والعسل والفواكه.

أما دول آسيا، فتسود فيها التوصيات بتجنب الأطعمة الغنية بالحديد والكربوهيدرات أو البروتينات الحيوانية خلال الحمل، وذلك على الرغم من حاجة الحامل المتزايدة للحديد، فتمتنع كثير من النساء عن تناول الكبدة -أحد مصادر الحديد- مثلا، وقد تعتريها موجة عارمة من القلق إذا أكلتها قبل أن تعلم بحملها.

فهل وافقت الدراسات موروثات المجتمع بمنع الحامل من تناول الكبدة؟ ولماذا؟ وما البدائل التي تلبي حاجتها خلال الحمل من الأصناف الممنوعة كالكبدة وغيرها؟

مصدر الصورة فيتامين "أ" من الفيتامينات الضرورية للحامل (فريبيك)

لماذا تُنصح النساء بتجنب الكبدة أثناء الحمل؟

بين القبول والتشكيك تتوجس معظم النساء أثناء الحمل من تناول الكبدة تجنبا لخطر محتمل قد يضر بالجنين وبهن، حتى وإن كان ضئيلا، فما الذي أثار الشكوك حول الكبدة خلال الحمل؟

تحتوي الكبدة، سواء أكانت من الدجاج أو البقر أو الماعز، على فيتامين (أ) بشكله النشط الذي يستطيع الجسم امتصاصه بسهولة، وهو ما يُعرف بـ"فيتامين (أ) مسبق التكوين" (Preformed Vitamin A)، وتنضم إليها مصادر حيوانية أخرى مثل الأجبان، والحليب، والزبدة، وصفار البيض، وزيت السمك وزيت كبد الحوت.

إعلان

ويرتبط فيتامين (أ) إذا ارتفع مستواه لدى الأم الحامل باحتمالية حدوث تشوهات للجنين، أو ربما الإجهاض، فهو يتحول في أنسجة الجسم المختلفة إلى أحد أشكاله النشطة غير المستقرة المعروف باسم حمض الريتينويك، الضروري أثناء تكوُّن الجنين، لكن لا بد أن يبقى مستوى حمض الريتينويك منخفضا جدا في مصل الدم للحفاظ على نمو الجنين طبيعيا، خصوصا في الثلث الأول من الحمل.

أما إذا ارتفع مستوى حمض الريتينويك كثيرا لدى الأم الحامل، فإنه قد ينفذ إلى الجنين عبر المشيمة مستثيرا النشاط الجيني خلال مرحلة حساسة جدا في بناء وتكوين أعضاء الجنين وأنسجته، مما قد يؤدي إلى تشوهات واختلالات بنيوية أو وظيفية للجنين، تتمثل في استسقاء الدماغ، أو عدم اكتمال نمو الجمجمة والدماغ، أو القيلة النخاعية السحائية، أو تشوهات في العين، أو صغر الأذن، أو صغر الفكين، أو الحنك المشقوق وغيرها، وذلك وفق التجارب المخبرية على الحيوانات التي حاولت استكشاف تأثير نقص فيتامين (أ) في الجنين وسبق نشرها في ثمانينيات القرن الماضي.

ولأن الكبدة غنية بفيتامين (أ) فإنها من المحظورات التي تحاول النساء تجنبها لوقاية أطفالهن من تشوهات قد تلازمهم بقية حياتهم، لذا يوصى بتجنب تناولها المستمر والمتكرر وبكميات كبيرة خلال الحمل.

تأثير نقص فيتامين (أ) في الأم والجنين

يُعد فيتامين (أ) من الفيتامينات الضرورية للجسم لأداء وظائف حيوية عديدة، لكن كيف تستقيم أهميته مع تجنب المرأة الحامل جميع مصادره خلال مرحلة تكوين جنينها تزامنا مع حاجة جسمها الماسة إلى الغذاء؟ كيف يعوض الجسم هذا النقص الذي قد يكون حادا أحيانا؟

من المفارقات الجديرة بالذكر بعد توصيات تجنبه وتعداد أضراره، الإشارة إلى دور فيتامين (أ) المهم للأم وجنينها، فهو ضروري في تكوين ونمو العين وتمايز خلاياها لدى الجنين، كما يشارك في نمو عظامه، ويلعب أدوارا وقائية في الجلد والبطانة المخاطية منه، ويقوي جهاز المناعة لديه، كذلك يسهم في رفع كفاءة القدرات الوظيفية للأعضاء التناسلية.

مصدر الصورة ارتفاع حمض الريتينويك قد يصل للجنين ويسبب تشوهات في نموه (بيكسلز)

أما عن فوائد فيتامين (أ) للأم الحامل فهو ضروري للحفاظ على مستوى الرؤية الليلية لها واستمرارية تزويد جنينها بحاجته منه لنمو أعضائه التي تحتاج إليه، وينتشر انخفاض مستوى فيتامين (أ) بين النساء الحوامل خصوصا في الربع الأخير من فترة الحمل أثناء تسارع نمو الجنين وزيادة حجم الدم، إذ تعاني قرابة 20 مليون امرأة حامل حول العالم من خطر انخفاض مستويات فيتامين (أ)، وفقا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية المنشورة عام 2009 التي سبق أن أجراها البروفيسور ويست كيث ونشر نتائجها عام 2002، منهن 7 ملايين امرأة حامل يعانين فعليا من انخفاض واضح في مستويات فيتامين (أ).

تتركز معدلات فيتامين (أ) المنخفضة بين النساء الحوامل في الدول النامية من العالم، تحديدا في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وجنوبها، وتكمن خطورة نقصه في ارتفاع معدل الإصابة بحالة تُعرف بالعشى الليلي (صعوبة الرؤية في الليل أو في الضوء الخافت)، فوفقا للتقرير نفسه الذي نشرته منظمة الصحة العالمية، فإن العشى الليلي يؤثر في 9.8 ملايين امرأة حامل من إجمالي المعرضات لخطر انخفاض مستويات فيتامين (أ).

تعويض نقص فيتامين (أ) عند الحامل

إذا كان أحد عوامل انتشار نقص مستويات فيتامين (أ) خلال الحمل هو ضعف المستوى التعليمي للأمهات، فينبغي على الجهات المعنية الحرص على تثقيف النساء بمدى أهمية فيتامين (أ) لهن ولأجنتهن، وتوجيههن للحصول عليه عبر مصادره الآمنة وبكميات ضمن التوصيات المتبناة من أصحاب الاختصاص، فلا يمتنعن عنه مطلقا ولا يتناولنه بإسراف دون إشراف طبي.

إعلان

يوصي المختصون والخبراء النساء الحوامل بتغطية احتياجاتهن من فيتامين (أ) عبر مصادره الغذائية والامتناع عن تناول المكملات الغذائية له، إلا في حالات معينة، وذلك تجنبا لمخاطره التي قد تؤدي إلى تشوهات جنينية.

تتمثل الكمية الموصى بها من فيتامين (أ) خلال الحمل في حالات نقصه الشديد في ما يعادل 800 ميكروغرام من مكافئ الريتينول يوميا، والتي يصعب الحصول عليها من الغذاء وحده.

بينما تُقدّر الكمية اليومية الموصى بها من فيتامين (أ) للمرأة الحامل في الفترة العمرية بين 19 و50 عاما بـ770 ميكروغراما، وترتفع حاجة جسم المرأة الحامل إلى فيتامين (أ) خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحمل بمقدار 50 ميكروغراما يوميا تقريبا.

مصدر الصورة نقص فيتامين (أ) ينتشر لدى الحوامل خصوصًا في الثلث الأخير من الحمل (بيكسلز)

هل مكملات فيتامين (أ) ممنوعة أثناء الحمل؟

غالبا يوصي الاختصاصيون بتجنب مكملات فيتامين (أ) خلال الحمل حفاظا على الأم وجنينها، لكن في بعض الحالات قد يوصى باستخدام جرعات محددة من تركيبات معينة لفيتامين (أ) لتعويض النقص الشديد في مستوياته والوقاية من العشى الليلي، بشرط الامتناع التام عن تناول الكبدة مع مكملات فيتامين (أ) أو تناول أحد منتجاتها مرة واحدة كحد أقصى، وذلك وفقا لما نشره الباحثان فان دين بيرغ وهولشوف ديسليبير من هولندا عام 1996 بعدما أجريا دراستهما على 58 امرأة حاملا.

إذ لا ينبغي أن تتجاوز جرعة فيتامين (أ) اليومية 10 آلاف وحدة دولية أو 25 ألف وحدة دولية أسبوعيا، كما يُفضّل أن تتناول المرأة الحامل فيتامين (أ) على شكل بيتا كاروتين، فهو ضروري لتكوين فيتامين (أ) في الجسم وتُصنّف على أنها آمنة خلال الحمل ولا تُسبب تشوهات للجنين.

وتُعد الخضراوات الورقية الخضراء (السبانخ وغيرها)، والصفراء (القرع والجزر) والبرتقالية من غير الحمضيات (المانجو والمشمش والبابايا) غنية بكاروتينات برو فيتامين (أ).

لكن ينصح دائما باستشارة الاختصاصي لمراقبة الحالة الصحية للحامل وجنينها، واتخاذ القرار الأنسب بتناول مكملات فيتامين (أ) من عدمه، كما ينبغي تجنب الانتظام في تناول الكبدة الغنية بفيتامين (أ) أثناء الحمل، خصوصا في حالات تناول مكملات فيتامين (أ)، وإعلام الطبيب بذلك تجنبا لتسمم الجنين أو تشوهه.