بعد عقود من اعتبار مرض ألزهايمر حالة مرتبطة بالتقدم في العمر يصعب تجنبها، بدأت الأبحاث الطبية ترسم مساراً مختلفاً، بالتزامن مع تطوير فحوصات دم دقيقة تتيح رصد المرض في مراحله المبكرة، وإطلاق تجارب سريرية تبحث في إمكانية التدخل العلاجي والوقائي قبل ظهور الأعراض.
وكشف تقرير ألزهايمر العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة "ألزهايمر الدولية"، أن التجارب السريرية تقترب من تحقيق تطورات مهمة في تشخيص المرض وعلاجه، في وقت يتوقع فيه أن يتجاوز عدد المصابين بالخرف حول العالم 139 مليون شخص بحلول عام 2050.
ولا يعني ذلك أن علاجاً شافياً لألزهايمر أصبح متاحاً، إلا أن التطورات العلمية الأخيرة تعكس تحولاً في فهم المرض، من التركيز على التعامل معه بعد ظهور أعراضه إلى البحث عن طرق لاكتشافه مبكراً وإبطاء مساره، وربما الوقاية منه لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
وقال طبيب الأعصاب وعالم الأعصاب والمتحدث باسم جمعية ألزهايمر في نيوزيلندا، الدكتور كامبل لو هيرون، إن النظرة إلى الخرف تغيرت بعدما كان يُنظر إليه لفترة طويلة على أنه أمر قد يحدث ببساطة مع التقدم في السن ولا يمكن فعل الكثير حياله.
وأوضح أن نتائج التجارب الحديثة تشير إلى إمكانية التدخل في بعض الحالات، فيما يتيح التقدم في فهم الآليات البيولوجية للمرض البحث عن وسائل جديدة للوقاية منه.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت وصول أدوية إلى الأسواق الدولية قادرة على إبطاء تطور ألزهايمر، إذ تستهدف هذه العلاجات لويحات بروتين "الأميلويد" التي تتراكم في الدماغ قبل ظهور الأعراض بسنوات.
ولا تقتصر الأبحاث على المرضى الذين ظهرت عليهم علامات التدهور المعرفي، إذ تجري حالياً تجارب سريرية، من بينها تجارب يشارك فيها أشخاص من نيوزيلندا، لاختبار إمكانية إعطاء العلاج قبل ظهور الأعراض، ومعرفة ما إذا كان التدخل المبكر قادراً على منع أو تأخير التراجع في القدرات المعرفية.
وقال لو هيرون إن العلماء لا يعرفون حتى الآن ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح، لكن إثبات فعاليتها سيجعل اكتشاف الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالمرض وتشخيصهم في وقت مبكر أمراً أكثر أهمية.
وأشار إلى أن نجاح هذا النهج سيستدعي تطوير مسارات التشخيص للأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي، إلى جانب إيجاد طرق أكثر فاعلية لتحديد الأشخاص المعرضين للإصابة بألزهايمر قبل ظهور أعراض واضحة عليهم.
ومن بين التطورات التي يسلط التقرير الضوء عليها أيضاً، هي فحوص الدم التي يمكن أن تساعد في تشخيص المرض في مراحل مبكرة.
وتجري تجارب في المملكة المتحدة وأستراليا لتطوير هذه الفحوص، التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة للفحوص المستخدمة حالياً.
وأوضح لو هيرون أن تشخيص ألزهايمر يعتمد في الوقت الراهن على تصوير متخصص للدماغ وإجراء البزل القطني، وهي إجراءات قد يصعب الوصول إليها بالنسبة إلى كثير من المرضى.
لكنه شدد على أن فحوص الدم لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، وأنها لن تكون بديلاً عن التقييم الطبي الشامل، بل جزءاً منه.
ويرى الطبيب النيوزيلندي أن انخفاض تكلفة هذه الفحوص وسهولة إجرائها يمكن أن يجعلا تشخيص المرض متاحاً لشريحة أوسع من السكان، بدلاً من حصره في المراكز الطبية المتخصصة.
ومع تسارع التطورات العلمية، دعا لو هيرون الحكومات إلى الاستعداد مبكراً لضمان وصول المرضى إلى هذه التقنيات الجديدة، مشدداً على ضرورة تحسين خدمات التشخيص، وزيادة أعداد المتخصصين، وتدريب العاملين في الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب تعزيز تمويل خدمات الخرف القائمة على المجتمع.
وقال إن التقدم الطبي لا ينبغي أن يقتصر على الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المراكز المتخصصة أو يمتلكون الموارد المالية والمعرفة والعلاقات التي تمكنهم من الوصول إليها.
كما شدد على ضرورة وصول هذه التقنيات الطبية الجديدة إلى الجميع، بما في ذلك سكان جزر المحيط الهادئ والمناطق الريفية، محذراً من تهميش هذه المجتمعات أو حرمانها من الاستفادة من الخدمات العلاجية المتطورة.
ولا تقتصر جهود الوقاية من التدهور الإدراكي على الأدوية والتقنيات الطبية الفائقة، إذ يسلط التقرير الضوء على نتائج أبحاث علمية أكدت الأثر الكبير لنمط الحياة اليومي في الحفاظ على صحة الدماغ.
ومن أبرز هذه الأبحاث دراسة فنلندية انطلقت عام 2009، وشملت مشاركين تتراوح أعمارهم بين 60 و77 عاماً، حيث انخرطوا على مدى عامين في برنامج متكامل ركز على الغذاء الصحي، والنشاط البدني، والتمارين الذهنية، بالإضافة إلى التفاعل الاجتماعي.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين التزموا بهذا البرنامج حققوا تحسناً في وظائفهم الإدراكية بنسبة تجاوزت الـ 25% مقارنة بأفراد المجموعة التي لم تطبق البرنامج.
وبناءً على هذه النتائج، أوصى الدكتور لو هيرون بممارسة النشاط البدني خمسة أيام أسبوعياً، بمعدل يضمن تنشيط التنفس وبذل مجهود بدني واضح، إلى جانب اتباع نظام غذائي غني بالفواكه والخضراوات على نمط "حمية البحر الأبيض المتوسط"، مع الحفاظ على التواصل والمشاركة الاجتماعية المستمرة.
أما تمارين الدماغ الشائعة، مثل الكلمات المتقاطعة والألغاز، فلا تزال الأدلة العلمية على قدرتها المباشرة على الوقاية من التدهور المعرفي محدودة.
وقال لو هيرون إن الأدلة المتعلقة بالفوائد المباشرة للكلمات المتقاطعة "ليست قوية جداً"، لكنه أوضح أن ذلك لا يعني ضرورة تجنبها، مشيراً في المقابل إلى أهمية عدم إغفال التواصل مع الآخرين والمشاركة في الحياة المجتمعية، باعتبارهما عنصرين تدعمهما الأدلة في الحفاظ على الصحة المعرفية.
ومع أن التوصل إلى علاج نهائي لمرض ألزهايمر لا يزال أمراً معقداً بعض الشيء، يُظهر تقرير عام 2026 تحولاً جذرياً في المشهد العلمي؛ إذ انتقل التركيز من معالجة المرض بعد حدوثه إلى محاولة رصده مبكراً، وإبطاء تدهوره، بل والوقاية منه قبل بروز أعراضه، وهو مسار واعد من شأنه إعادة رسم استراتيجيات التعامل مع أحد أكثر أمراض الشيخوخة انتشاراً في العالم.
المصدر:
يورو نيوز