(CNN) -- كل يوم، تطلق غابات الأمازون مليارات الأطنان من المياه إلى الغلاف الجوي، وتحملها الرياح نحو مناطق أخرى من أمريكا الجنوبية. وتُعرف هذه التدفقات الهائلة من الرطوبة باسم "الأنهار الطائرة"، التي تجلب الأمطار التي تمد الغابات والمدن والمحاصيل ومحطات توليد الطاقة بالمياه، في مناطق تقع على مسافات بعيدة خارج نطاق الغابات المطيرة.
لكن كي تستمر هذه العملية، يجب إبقاء النظام البيئي للأمازون مترابطًا، وحماية الغابة التي تنتج هذه الرطوبة وتنقلها.
وعلى مدى عقود، عملت مؤسسة "Gaia Amazonas" مع مجتمعات الشعوب الأصلية والحكومات لتعزيز إدارة أراضيها، ومنحها دورًا أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بالغابة، وإدماج معارفها التقليدية في سياسات واستراتيجيات الحفاظ على البيئة.
وتتمحور الفكرة حول أنّ الحفاظ على الأنهار الطائرة يعني أيضًا الحفاظ على الظروف التي تُمكّن الأمازون من مواصلة ضخ المياه إلى بقية أنحاء القارة.
وبالنسبة إلى فرانسيسكو فون هيلدبراند، مدير "Gaia Amazonas"، فإن الحفاظ على الغابة يتطلّب صون ترابط لا يقتصر على الجانب البيولوجي فحسب، بل يشمل أيضًا الجانبين الثقافي والاجتماعي، على أن تؤدي الشعوب الأصلية دورًا قياديًا فيه.
وشرح لـCNN، "إنّ دور الشعوب الأصلية بوصفها حاملة للمعارف المتوارثة عن الأسلاف بشأن رعاية النظم البيئية والأراضي هو الأساس الذي تقوم عليه الوصاية التاريخية التي مارستها على الأمازون". ويعني هذا الترابط الثقافي أيضًا توحيد جهود الأطراف المعنية التي تؤثر في المنطقة، ضمنًا القطاعان الاقتصادي والمالي.
وعمليًا، تشمل مهمة "Gaia Amazonas" العمل مع قادة الشعوب الأصلية لتعزيز أنظمة الحكم الخاصة بهم ودفع جهود الاعتراف بأراضيهم بوصفها كيانات سياسية وإدارية. كما تدعم المؤسسة منتديات تهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية لنساء الشعوب الأصلية في القرارات المتعلقة بإدارة الغابة وحمايتها.
وتبدأ قدرة الأمازون على نقل المياه عبر المنطقة بعملية تحدث يوميًا داخل الغابة.
وقال فون هيلدبراند: "على مدى سنوات، كان يُقال إن الأمازون رئة الكوكب.. لكنها أيضًا قلب الكوكب، لأنها تضخ الأمطار التي تروي جزءًا كبيرًا من القارة".
وراء هذه الصورة المجازية عملية فيزيائية يصفها خيرمان بوفيدا، عالم الهيدرولوجيا في الجامعة الوطنية في كولومبيا، بأنها "نبض يومي للمناخ المائي في الأمازون".
وأوضح بوفيدا أن النباتات خلال النهار "تلتهم ضوء الشمس لإجراء عملية التمثيل الضوئي"، ونتيجة لذلك تطلق كميات هائلة من بخار الماء من خلال عملية "التبخر والنتح".
وتضاف هذه الرطوبة إلى بخار الماء الآتي من المحيط الأطلسي، ثم تحملها الرياح إلى داخل القارة، حيث تغذي الأمطار فوق الأمازون وحوض أورينوكو وجبال الأنديز وحتى المناطق الأبعد.
الرطوبة الناتجة عن التبخر والنتح في حوض الأمازون. وتمثل المنطقة ذات الألوان البنفسجية والخضراء والبيضاء بخار الماء القادم من الأمازون. وتشير الخطوط البيضاء إلى التدفق الكلي لبخار الماء، فيما تمثل الخطوط الخضراء تدفق بخار الرطوبة الآتية من الأمازون.Credit: National Center for Supercomputing Applications, University of Illinoisوتتيح هذه العملية لمدن مثل كيتو في الإكوادور، وليما في بيرو، ولاباز في بوليفيا، الحصول على المياه من مرتفعات الأنديز، وهي "مياه تحملها الرياح من الأمازون.
لكن تأثير هذه الأنهار الطائرة يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الغابة.
ويقدّر فون هيلدبراند أن نحو 670 مليون شخص في أمريكا اللاتينية يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة "على دورة المياه التي تدعمها هذه الأنهار".
الرياح وتدفقات الرطوبة والسحب والهطول كما تمت محاكاتها بواسطة نموذج أبحاث الطقس والتنبؤ بهCredit: National Center for Supercomputing Applications, University of Illinoisويتوافق هذا التقدير مع استنتاجات "تقرير تقييم الأمازون 2025" الصادر عن اللجنة العلمية للأمازون، الذي بنوّه بأهمية الدور الذي تؤديه الأمازون في التوازن المائي للقارة.
وتظهر النتيجة نفسها في تحليل للمنتدى الاقتصادي العالمي، يشير إلى أن نحو 400 مليار شجرة في الأمازون تطلق يوميًا قرابة 20 مليار طن من المياه إلى الغلاف الجوي، وهي تدفقات تتحول لاحقًا إلى أمطار ضرورية لإمدادات المياه والزراعة واستقرار المناخ في أنحاء أمريكا اللاتينية.
ويعد تحديد القيمة الاقتصادية والاجتماعية للأنهار الطائرة أحد المشاريع التي تقودها "Gaia Amazonas".
وأوضح فون هيلدبراند أنه ينبغي، في الوضع المثالي، النظر إلى الأمازون باعتبارها "بنية تحتية طبيعية" تدعم النشاط الاقتصادي والاجتماعي لدول المنطقة. إذ أن الأنشطة والخدمات الأساسية، مثل الزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية وإمدادات مياه الشرب والنقل وسلاسل التوريد، تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأمطار التي يولدها هذا النظام الجوي.
وسيكون لتعطل هذا النظام عواقب تتجاوز حدود الغابة بكثير. ويرى فون هيلدبراند أن الوصول إلى تلك المرحلة سيعني بداية عملية لا رجعة فيها من "التحول إلى السافانا"، إذ ستفقد المنطقة طبيعتها كغابة مطيرة، وتطلق معظم الكربون الذي تخزنه حاليًا، ما يؤدي إلى تسارع تغير المناخ. لكنه يرى أن التأثير الأكبر سيقع على البشر.
وقال: "سينهار إنتاج الغذاء في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية أو سيدخل في أزمة شاملة. وسيتأثر كل قطاع".
كما ستتضرر إمدادات المياه وتوليد الطاقة والصحة العامة، مع احتمال حدوث "انهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي على المستوى العالمي". وقد يؤدي ذلك إلى نزوح جماعي للسكان نحو مناطق تتمتع بظروف معيشية أفضل.
وأضاف: "السؤال ليس كم تبلغ قيمة الحفاظ على الأنهار الطائرة؟ بل السؤال هو هل يمكننا تحمل خسارتها؟".
وتشير الأدلة العلمية إلى الاتجاه نفسه. ففي تقرير "المناخ المستقبلي لمنطقة الأمازون"، يرى العالم البرازيلي أنطونيو دوناتو نوبري أن إزالة الغابات بدأت بالفعل في تغيير المناخ الإقليمي، من خلال الحد من نتح الغابة، أي انتقال المياه عبر النباتات من التربة إلى الهواء، وكذلك من خلال تغيير أنماط هطول الأمطار وإطالة مواسم الجفاف، وهي تغيرات يمكن ملاحظتها بالفعل في مناطق مختلفة من الأمازون.
ويضيف التقرير أن النماذج المناخية تنبأت بالعديد من هذه التأثيرات قبل أكثر من عقدين، وقد تأكدت الآن من خلال الرصد العلمي، في حين تحذر توقعات جديدة من سيناريو أشد خطورة.
كما يضع بوفيدا أرقامًا لهذا الخطر. فقد قال لـCNN إن الغابة قد تنهار إذا تجاوزت نسبة إزالة الغابات 25%، ووصل الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وحذر من "أننا قريبون جدًا من نقطة اللاعودة. واليوم، أزيلت بالفعل نحو 20% من غابات الأمازون المطيرة. وإذا وصلنا إلى 25%، فسيكون من الصعب جدًا العودة إلى الوراء". وبالنسبة إلى الخبراء، لم تعد نقطة اللاعودة مجرد احتمال يظهر في النماذج المناخية، بل أصبحت خطرًا بدأ قياسه في الواقع الحالي.
ويتطلب تجنب نقطة اللاعودة أيضًا إشراك مختلف القطاعات التي تؤثر في الأمازون. ولهذا الغرض، تعمل مؤسسة "Gaia Amazonas" على إدخال الحفاظ على البيئة في دوائر صنع القرار، ودفع الجهات السياسية والاقتصادية والمالية إلى إدراج حماية الأراضي ضمن قراراتها.
وقال فون هيلدبراند: "إن كيفية تنسيق القطاعات الاقتصادية والمالية والسياسية لمواقفها تشكل جزءًا مهمًا من العمل". والهدف هو بناء استراتيجيات تتيح الحفاظ على الأمازون بما يتجاوز المناطق التي تعمل فيها المؤسسة بصورة مباشرة.
المصدر:
سي ان ان