( CNN )-- من مياه متدفقة، وثعابين شبحية، إلى أنماط متموجة من الضوء والظلام. هكذا وصف مراقبو كسوف الشمس على مرّ القرون ظاهرة غريبة تُعرف باسم "أشرطة الظل" (Shadow Bands)، التي تظهر قبيل الكسوف الكلي وبعده مباشرةً. وهي الفترة التي يحجب فيها القمر ضوء الشمس تمامًا وتصبح السماء مظلمة.
وقد تتجسّد هذه الظاهرة في خطوط داكنة طويلة، تفصل بينها مساحات بيضاء، تتسابق عبر الأرض أو جوانب المباني.
شاهد ديفيد تيرنشيك، أستاذ الفيزياء و علم الفلك في جامعة بيتسبرغ أشرطة الظل هذه لأول مرة في سن المراهقة.
وقال تيرنشيك، الذي يشغل أيضًا منصب مدير مرصد أليغيني في بيتسبرغ: "أعتقد أنّني كنت في الرابعة عشرة من عمري. ذهبت لمشاهدة كسوف كلي بالقرب من شاطئ فرجينيا. كان ذلك عام 1970، وكنت قد صنعت تلسكوبي الخاص، وتوجهت للموقع في محاولة لتصوير الكسوف".
ومن ثمّ أضاف: "فيما كنت هناك، لاحظتُ قبيل الكسوف الكلي مباشرةً أنّ هذه الأشرطة الضوئية غمرت الأرض".
تكاد تكون أشرطة الظل غير مرئية عند توثيقها بالكاميرا.Credit: Cliff Seruntineتستطيع العين البشرية بسهولة رصد أشرطة الظل، لكن يصعب تصويرها وتسجيلها بالفيديو نظرًا لتباينها الدقيق.
وبصفته فلكيًا، ركَّزت أبحاث تيرنشيك بشكلٍ أساسي على تكوين المجرات وأشباه النجوم.
ومع ذلك، فهو لا يزال يحتفظ بفضوله تجاه أشرطة الظل، وهي ظاهرة لها نظريتان متنافستان لكن من دون وجود تفسير قاطع.
سيُتيح كسوف الشمس الكلّي المرتقب الأربعاء، فرصة أخرى للعلماء لدراسة هذا اللغز.
ويمكن لهواة مراقبة الظواهر الفلكية رصد هذا المشهد الرائع عندما يمر مسار الكسوف الكلي عبر الطرف الشمالي لروسيا، وشرق غرينلاند، وغرب آيسلندا، والنصف الشمالي من إسبانيا، والزاوية الشمالية الشرقية من البرتغال.
في العام 2017، عَبَر كسوف الشمس الكلي الولايات المتحدة من الساحل إلى الساحل لأول مرة منذ 99 عامًا.
وبعد حصوله على تمويل من وكالة "ناسا" لدراسة هذه الظاهرة، سافر تيرنشيك إلى ولاية تينيسي برفقة مجموعة من طلبة جامعة بيتسبرغ.
كان هدفهم اختبار النظرية السائدة المطروحة لأول مرة في ثمانينيات القرن العشرين، التي تنص على أنّ الاضطراب الجوي، أي الحركة غير المنتظمة للتيارات الهوائية في الغلاف الجوي، يُسبّب ظهور أشرطة الظل.
وعندما يحجب القمر معظم الشمس قبيل الكسوف الكلّي، ولا يتبقى سوى شريط رقيق من ضوء الشمس، يصبح هذا الاضطراب مرئيًا.
وضع الفريق أجهزة كشف ضوئية تُسمى الثنائيات الضوئية على الأرض وعلى متن منطاد يحلّق على ارتفاعات شاهقة، حيث جمع بيانات حول أنماط الضوء قبل الكسوف الكلي وبعده.
وفي حال كانت النظرية السائدة صحيحة، فسيرصد الفريق أشرطة الظل على الأرض، لكن ليس على المنطاد، الذي كان على ارتفاع 25 كيلومترًا ويعلو معظم طبقات الغلاف الجوي للكرة الأرضية.
يتذكر تيرنشيك أنّ النتائج كانت مفاجئة، فقد وجد الباحثون إشارة مستمرة بتردد 4.5 هرتز، وهو مقياس لعدد مرات مرور موجة ضوئية بنقطة ثابتة في الثانية، سواءً على ارتفاعات عالية أو على سطح الأرض.
وقال: "لاحظنا هذا التأثير فوق الغلاف الجوي وعلى سطح الأرض، ما يعني أنّ النظرية السائدة لظهور أشرطة الظل قد تكون خاطئة، بمعنى أنّها ليست التفسير الوحيد لهذه الظاهرة".
وأشارت نتائج كسوف الشمس عام 2017، إلى تفسير آخر، يُعرف باسم حيود التداخل، قد يكون مسؤولاً عن ظهور أشرطة الظل.
وتتشكّل الحيود عندما تصطدم الموجات الضوئية بعائق.
على سبيل المثال، عندما ينحني الضوء حول عائق حاد أو حد فاصل، كحافة سكين، تنحني الموجات وتتداخل مع بعضها لتكوين أشرطة من الضوء المظلم والساطع.
تحقق الفريق من أنّ الإشارة لم تكن ناتجة عن خلل إلكتروني أدى إلى قراءات خاطئة. وبحث تيرنشيك والطلبة عن فرصة لتكرار النتائج، مشيرين إلى أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ النظرية السائدة خاطئة.
وقال تيرنشيك: "عندما تواجه موقفًا معقدًا في مجال العلوم، غالبًا ما يكون هناك أمران صحيحان في الوقت عينه، يُسهمان في هذه الظاهرة".
سيسافر تيرنشيك إلى ليون بإسبانيا مع بعض من زملائه لمشاهدة كسوف الشمس التالي، لكنه قال إنّه لن يتمكن من تكرار التجربة نفسها بسبب التعقيدات اللوجستية.
وأشار إلى أنّه موجود كسائح بشكلٍ رئيسي.
ليس تيرنشيك الباحث الوحيد الذي يسعى لتوثيق أشرطة الظل الأربعاء.
سيكون غوردون تيليبون، وهو من هواة رصد ظاهرة كسوف الشمس، في جزيرة مايوركا الإسبانية لمشاهدة الكسوف.
وقد رصد تيليبون، الذي عمل سفيرًا لوكالة "ناسا" لنشر المعرفة حول الكسوف في عامي 2017 و2024، أشرطة الظل في 5 من 7 حالات لكسوف الشمس كان قد شاهدها.
وأوضح تيليبون، الذي ابتكر تطبيقًا لمراقبة الكسوف يتضمن تنبيهًا لموعد ظهور أشرطة الظل: "لن تراها على العشب أو الإسفلت أو ما شابه. أنت بحاجة إلى خلفية ناعمة فاتحة اللون".
وأشار إلى أنّه من السهل تفويت أشرطة الظل، لأنّها تظهر قبيل الكسوف الكلي مباشرةً، وهو الوقت الأكثر إثارة عندما يرتدي المشاهدون نظارات شمسية وينظرون إلى الهلال الأخير الرقيق الذي تشكّله الشمس.
ومن ناحيةٍ أخرى، يدعو الباحث المستقل جو كونتي، المهتم بالفيزياء والمقيم في ماساتشوستس هواة رصد الكسوف في آيسلندا وإسبانيا إلى توثيق هذه الظاهرة البصرية الغامضة بهواتفهم الذكية ضمن مشروع علمي مفتوح لعامّة الأشخاص.
وقد أبدت خمس مجموعات اهتمامها بالمشاركة حتى الآن، كما ذَكَر.
وينصح كونتي بإعداد لوحة رصد بسيطة مصنوعة من الورق المقوى وتغطيتها بملاءة بيضاء. وأعرب عن أمله في أن تُسهم البيانات التي يتم جمعها في مساعدة المجتمع العلمي على فهم أسباب ظهور أشرطة الظل.
المصدر:
سي ان ان