في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تبدأ الطائرة المسيّرة في مصنع للطيران، ولا عند برمجتها أو تزويدها بالذكاء الاصطناعي. قبل ذلك بوقت طويل، تبدأ رحلتها في مناجم ومصافٍ ومصانع مواد أولية تدخل في الشرائح الإلكترونية، والمستشعرات الحرارية، والمحركات والمغناطيسات الدائمة.
ومع تحوّل المسيّرات إلى عنصر رئيسي في الحروب الحديثة، لم تعد القدرة على تصنيعها تقاس بما تملكه الدول من خطوط تجميع أو برمجيات فقط، بل بما تضمنه من وصول مستقر إلى المعادن التي تقف خلف تلك الصناعة.
ويُقدَّر حجم سوق المسيّرات العالمي بنحو 96.4 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 182.4 مليار دولار في عام 2033، بحسب تقديرات شركة غراند فيو ريسيرتش.
هنا تظهر الصين بوصفها طرفا لا يقتصر تأثيره على بيع معدن خام، بل يمتد إلى حلقات الإنتاج والتكرير والتحويل إلى مواد صالحة للاستخدام الصناعي، وهي حلقات يصعب تعويضها بسرعة حين تتعرض للقيود التجارية أو الاضطراب السياسي.
يركز تقرير الجزيرة الذي قدمه صهيب الملكاوي على الغاليوم والجرمانيوم والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد تدخل بدرجات مختلفة في مكونات عالية الحساسية داخل المسيّرات.
الغاليوم يدخل في صناعة أشباه الموصلات والمكونات البصرية، وتُستخدم مركباته -مثل زرنيخيد الغاليوم ونتريد الغاليوم- في دوائر متكاملة وأجهزة ضوئية تشمل الليزر والكواشف الضوئية، ولها تطبيقات في الاتصالات والحوسبة عالية الأداء والدفاع، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
ويبلغ الإنتاج العالمي من الغاليوم الأولي نحو 700 طن سنويا. ونقلا عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن الصين تنتج 98% من الغاليوم المكرر عالميا.
أما الجرمانيوم، فيرتبط بالبصريات العاملة بالأشعة تحت الحمراء، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في العدسات والمستشعرات وأنظمة الرؤية الليلية. وتقول هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إن الاستخدامات الرئيسية للجرمانيوم تشمل الألياف البصرية والبصريات تحت الحمراء وأشباه الموصلات والخلايا الشمسية وتطبيقات كشف الإشعاع.
ويورد التقرير أن الصين تستحوذ على 77% من إجمالي إنتاج الجرمانيوم في العالم. لكن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تنبه إلى أن بيانات الإنتاج والتدوير العالميين لهذا المعدن محدودة، لأن معظم المنتجين لا يعلنون أرقامهم التفصيلية، مع بقاء الصين المنتج والمصدر العالمي الأبرز.
وتكمل العناصر الأرضية النادرة هذه الخريطة، فهي تدخل في المغناطيسات الدائمة المستخدمة في محركات كهربائية ومكونات تقنية عدة. ويورد التقرير أن حصة الصين من إنتاج هذه العناصر المستخرجة من المناجم تبلغ 68% عالميا، بينما تظل المغناطيسات الاستخدام العالمي الأهم للعناصر الأرضية النادرة، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
قد يملك بلد ما رواسب من معدن حرج، لكن ذلك لا يعني أنه يملك سلسلة توريد مستقلة، فالفارق بين استخراج الخام وتحويله إلى مادة عالية النقاوة تصلح لشريحة إلكترونية أو عدسة حرارية أو مغناطيس صناعي، يحتاج إلى تقنيات تكرير وكيمياء صناعية وخبرة تراكمية واستثمارات طويلة.
الغاليوم مثال واضح على ذلك، فهو يُستخرج غالبا بوصفه منتجا ثانويا خلال معالجة خام البوكسيت أو خامات الزنك، لا من مناجم مخصصة له وحده. لذلك فإن بناء بديل لا يعني حفر منجم جديد فقط، بل يتطلب إنشاء قدرة على استعادته وتنقيته ضمن عمليات صناعية قائمة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن التركيز في مراحل التكرير زاد في السنوات الأخيرة، فمتوسط حصة أكبر ثلاث دول مكررة للنحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة بلغ 86% في عام 2024.
وهذا هو جوهر المسألة: الخطر لا يكمن في ندرة المعدن في باطن الأرض وحدها، بل في ندرة الدول القادرة على تحويله إلى مكون صناعي جاهز.
في حالة العناصر المغناطيسية النادرة، بلغ الطلب العالمي 93 ألف طن في عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 112 ألف طن بحلول عام 2030، وفق وكالة الطاقة الدولية.
ومع زيادة الطلب على المركبات الكهربائية والطاقة المتجددة والإلكترونيات الدفاعية والمسيّرات، تدخل صناعة الطيران غير المأهول في منافسة أوسع على المواد نفسها. لذلك لا تشتري الشركات الغربية معدنها لصناعة المسيّرات في سوق منفصل، بل تتنافس عليه مع صناعات مدنية وعسكرية أخرى تتسع في وقت واحد.
بدأت الصين في أغسطس/آب 2023 فرض نظام تراخيص على صادرات الغاليوم والجرمانيوم. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، حظرت تصدير المعدنين إلى الولايات المتحدة، في سياق تصاعد القيود المتبادلة بين واشنطن وبكين في قطاع أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.
وكان الأثر سريعا في سوق الجرمانيوم، فقد انخفضت واردات الولايات المتحدة منه بنسبة 67% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، من 21 ألف كيلوغرام إلى 7 آلاف كيلوغرام، بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وفي أوروبا، ارتفع سعر كيلوغرام الجرمانيوم المعدني عالي النقاوة من 3150 دولارا في يناير/كانون الثاني 2025 إلى نحو 5400 دولار في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، وفقا لبيانات الهيئة الأمريكية.
لكن القيود ليست حالة ثابتة بالضرورة، فقد قالت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إن الصين رفعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 حظر تصدير الغاليوم إلى الولايات المتحدة مدة عام، بعد حظر كان قد دخل حيز التطبيق في ديسمبر/كانون الأول 2024. وهذا يوضح أن النفوذ لا يعتمد دائما على الإغلاق الكامل للتجارة، بل يمكن أن يعمل عبر التراخيص والتأخير وعدم اليقين في التوريد.
لا تعني هذه المعطيات أن الصين تستطيع وحدها وقف كل صناعة للمسيّرات في الغرب، ولا أن كل طائرة مسيّرة تعتمد على المعادن نفسها بالمقدار ذاته، لكنها تكشف أن جزءا مهما من البنية المادية للتقنيات الغربية المتقدمة يمر عبر سلاسل توريد شديدة التركيز.
فالولايات المتحدة ودول أوروبية تملك قدرات في التصميم والبرمجيات والطيران والإلكترونيات، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بدائل في التعدين والتكرير والتدوير وتصنيع المكونات. ومن دون ذلك، يبقى تصنيع المسيّرات معرضا لتقلبات قرارات تصدير تُتخذ من خارج المصنع وخارج ساحة المعركة.
الخلاصة: لا يقاس الاستقلال الصناعي بعدد المسيّرات التي تستطيع دولة تجميعها، بل بقدرتها على تأمين ما تحتاج إليه تلك المسيّرات قبل أن تصل إلى خط التجميع؛ المعدن والمصفاة والمغناطيس والشريحة والعدسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة