في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تنصاع الهند بالكامل للضغط الأمريكي، لكنها لا تتمرد عليه أيضا، فسياستها أقرب إلى مقاومة سياسية محسوبة يقابلها امتثال تجاري واسع، إذ تحاول حماية تجارتها الإنسانية واستثمارها في ميناء تشابهار، بينما تتجنب شركاتها المخاطر التي قد تهدد وصولها إلى الدولار والتأمين والأسواق الأمريكية، وفق ما تظهره تحركات المصافي الأخيرة والعقوبات الأمريكية الجديدة.
وحسب رويترز قررت 3 مصاف هندية على الأقل وشركة طاقة عالمية تجنب 45 سفينة وضعتها إيران على قائمة سوداء، بما يشمل عدم نقل شحنات معها من سفينة إلى أخرى، خشية تعرض الناقلات أو حمولاتها للاحتجاز والمصادرة.
لكنّ القرار لا يعني أن المصافي تنفذ العقوبات الأمريكية، فالقائمة إيرانية، والابتعاد عن سفنها إجراء أمني. غير أن الخطوة تكشف المأزق الهندي، فاحترام قواعد طهران يحمي السفن في هرمز، بينما قد يعرّض التواصل مع الجهات الإيرانية المشرفة على المرور الشركات لعقوبات واشنطن، وفق التحذير الأمريكي.
تقول إيران إن السفن المدرجة خالفت قواعد عبور المضيق، وتهدد بتغريمها أو احتجازها ومصادرة حمولاتها، فضلا عن معاقبة أي سفينة تنقل بضائع معها، وتستهدف القائمة عمليا الرحلات التي تحمل نفط الخليج عبر هرمز، ثم تفرغه قبالة الفجيرة أو صحار، وفق رويترز.
في المقابل، حذر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي الشركات غير الأمريكية من التعامل مع "هيئة مضيق الخليج الفارسي" أو طلب ضمانات مرور منها، حتى من دون دفع أموال، وقال إن البنوك المشاركة قد تفقد أو تُقيّد صلتها بالنظام المالي الأمريكي، حسب التنبيه الرسمي.
ولا يكفي العثور على ناقلة غير مدرجة، إذ يتعين على المصفاة ومالك السفينة والبنك وشركة التأمين فحص مسار الشحنة، وهوية الوسطاء، وعمليات النقل بين السفن، والتأكد من عدم دفع رسوم لإيران. لذلك يغلب منطق تقليص المخاطر على الاعتبارات السياسية، وفق تقديرات لخبراء الشحن نقلتها رويترز.
أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أغسطس/آب الحالي عملية "المنبوذ الاقتصادي"، موسعة العقوبات الثانوية لتشمل الشحن والطيران والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية، إلى جانب النفط والمال والبتروكيميائيات. ومنحت الدول مُهلا محددة لإنهاء الأنشطة التي ترصدها واشنطن، مهددة بمعاقبة المتخلفين، وفق البيان الرسمي.
ولم يعد التهديد نظريا بالنسبة إلى نيودلهي، فقد أدرجت واشنطن 4 شركات مسجلة في الهند و3 مواطنين هنود على قائمة العقوبات الجديدة، لاتهامهم بالارتباط بتجارة منتجات نفطية وبتروكيميائية إيرانية. وتظهر أسماؤهم وبيانات شركاتهم في تحديث مكتب مراقبة الأصول الأجنبية.
يكمن الجواب في تفاوت المصالح، فالولايات المتحدة كانت الوجهة الأولى للصادرات الهندية في 2025، بقيمة 92.3 مليار دولار، تعادل 20.75% من الإجمالي، وفق وزارة التجارة الهندية، أما صادرات الهند إلى إيران فبلغت 1.25 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في مارس/آذار 2026، وفق موقع تايمز أوف إنديا.
وتراجعت التجارة الهندية الإيرانية بأكثر من 90% عن ذروتها البالغة نحو 17 مليار دولار في عامي 2018-2019، وانحصرت بدرجة كبيرة في السلع الإنسانية، لذلك يمكن للدولة تحمل انكماش السوق الإيرانية، وإن كانت الخسائر مؤلمة لقطاعات محددة.
وتؤكد السابقة النفطية هذا السلوك، إذ أوقفت الهند مشترياتها المنتظمة من الخام الإيراني في 2019 بعد انتهاء الإعفاءات الأمريكية، ولم تستأنفها إلا خلال نافذة محدودة في 2026، وكان الترخيص الأمريكي يسمح ببيع الخام وتسليمه وتفريغه والدفع بالدولار حتى 21 أغسطس/آب، وفق نص الترخيص.
أما هامش المقاومة الأوضح فهو تشابهار، فقد استثمرت الهند 120 مليون دولار في معدات محطة شهيد بهشتي بموجب عقد لعشر سنوات، ثم فاوضت واشنطن على إعفاء مشروط استمر حتى 26 أبريل/نيسان 2026، وتقول الحكومة إنها تواصل التشاور لحماية مصالحها، وفق إجابتها للبرلمان.
ويختصر تشابهار السياسة الهندية فلا تتخلى نيودلهي عن الأصل الإستراتيجي الذي يربطها بأفغانستان وآسيا الوسطى، لكنها لا تتحدى العقوبات مباشرة، بل تطلب إعفاءات وتبحث ترتيبات تشغيل تحفظ حقها في العودة.
تقول الحكومة إنها تستورد الخام من نحو 40 دولة، وإن 70% من وارداتها باتت تأتي عبر مسارات خارج هرمز، مقابل 55% سابقا، في حين يناهز استهلاكها 5.5 ملايين برميل يوميا، وفق مكتب الإعلام الهندي.
وتحولت المصافي بالفعل إلى روسيا وفنزويلا والبرازيل و أفريقيا، وبلغ الخام الفنزويلي نحو 444 ألف برميل يوميا في أغسطس/آب، بينما اقترب الروسي من مليوني برميل، بعدما سجل 2.6 مليون في يونيو/حزيران ويوليو/تموز. كما ارتفعت حصة أمريكا اللاتينية إلى 12.7%، وفق موقع بيزنس ستاندرد .
لكنّ الخام البعيد يستغرق وقتا أطول ويكلف أكثر من إمدادات الخليج، كما أن الاعتماد المتزايد على روسيا أو فنزويلا لا يحرر الهند من الضغط الأمريكي، بل ينقل الخطر من ملف عقوبات إلى آخر، ولذلك يوفر التنويع حماية من انقطاع الإمدادات، لكنه لا يحمي فاتورة الاستيراد.
وفي الشحن، يمكن للمصافي استخدام ناقلات غير مدرجة، أو تغيير أطراف ومواقع نقل الحمولة، أو شراء النفط على أساس التسليم إلى الميناء الهندي بدلا من استلامه في خليج عمان، غير أن هذه البدائل ترفع كلف النقل والتأمين والتدقيق ولا تلغيها، وفق رويترز.
وفي تجارة الغذاء والدواء، يتجه المصدرون إلى قنوات دفع عبر تركيا وألمانيا و الصين بعد توقف المسار الإماراتي، مع احتمال زيادة الشحن المباشر.
ويراهن التجار على استمرار الأرز والشاي والأدوية بوصفها سلعا إنسانية، حسب تايمز أوف إنديا.
وتسمح القواعد الأمريكية بمسارات للغذاء والمنتجات الزراعية والأدوية والأجهزة الطبية، وفق مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لكنّ الاستثناء القانوني لا يضمن تنفيذ الصفقة؛ فقد ترفض البنوك والناقلات وشركات التأمين المشاركة إذا تجاوزت كلفة التحقق عائدها.
ويبقى الدفع بالروبية أو المقايضة خيارا نظريا، فقد استخدمت الهند هذه الآلية في 2019، حين أودعت المصافي أثمان النفط الإيراني في حسابات محلية، واستخدمت طهران الأموال لشراء سلع هندية، وفق رويترز، لكنّ توقف استيراد النفط يحرم النظام من الروبيات اللازمة لتمويل الصادرات.
يُعد الضرر التجاري المباشر محدودا قياسا بحجم الاقتصاد الهندي، لكنه شديد التركيز، فالأرز مثّل نحو ثلثي صادرات الهند إلى إيران، واستحوذت السوق الإيرانية على 7% من صادرات الأرز الهندية عالميا، وكانت ثاني أكبر سوق للبسمتي بالحجم، وفق تايمز أوف إنديا.
وفي النصف الأول من 2026، صدرت الهند إلى إيران أرزا بقيمة 383.1 مليون دولار وشايا بقيمة 14.34 مليون دولار، لذلك ستظهر التداعيات أولا لدى مزارعي ومطاحن البسمتي وتجار الشاي والأدوية، عبر تأخر المدفوعات وارتفاع كلف الشحن والتأمين، وفق رويترز.
أما الخطر الأكبر فيمر عبر الطاقة، إذ تعتمد الهند على الواردات لتغطية نحو 88.6% من استهلاكها النفطي، وفق بيانات حكومية للبرلمان، ويؤدي فقدان الخام الإيراني القريب أو اضطراب هرمز إلى رفع فاتورة الواردات والضغط على الروبية والحساب الجاري و التضخم.
وقدر بحث لخزانة بنك "إتش دي إف سي " أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يقتطع بين 0.20 و0.25 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد الهندي، فضلا عن رفع التضخم وتوسيع عجز الحساب الجاري، وفق موقع إيكونوميك تايمز الهندي.
وتبدو بدائل النفط أسهل من بدائل غاز الطهو، فالهند تستورد نحو 60% من استهلاك غاز البترول المسال، وتمر 90% من تلك الواردات عبر هرمز، وقد تُضطر الحكومة إلى زيادة الدعم أو تمرير جزء من الكلفة إلى المستهلك والصناعة، وفق البيانات الحكومية.
المصدر:
الجزيرة