تحظى أسعار النفط الخام باهتمام واسع من المراقبين والمتداولين في الأسواق منذ اندلاع حرب إيران لتأثيرها الكبير على الاقتصاد العالمي، لكن هذه الأسعار وحدها لا تعكس حجم الضغوط على المستهلكين والشركات الذين يعتمدون على المشتقات التي تنتجها مصافي النفط، مثل الديزل وبنزين السيارات ووقود الطائرات، بشكل يومي.
وتعرضت مصافي النفط في دول مختلفة لاضطرابات وضغوط أدت إلى خفض إنتاج التكرير العالمي بنحو 5 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، حيث بلغ متوسط معدلات تشغيل المصافي نحو 78 مليون برميل يوميا، وفقا لما ذكرته رويترز نقلا عن بيانات وكالة الطاقة الدولية.
وفي الوقت الحالي تقترب مخزونات الديزل والبنزين من أقل مستوياتها منذ سنوات، حسب ما ذكرته رويترز، كما سجلت هوامش التكرير ارتفاعا كبيرا، وهي الفارق بين سعر النفط الخام وأسعار المشتقات النفطية، مما يعني زيادة كبيرة في أسعار هذه المشتقات مقارنة بالنفط الخام.
وتسببت الحرب الأمريكية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي، في تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي كان يمر به نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي قبل الحرب.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على تعطل حركة الناقلات في مضيق هرمز، بل امتدت إلى توقف مجموعة من مصافي النفط الرئيسية في الخليج بشكل كلي أو جزئي عن العمل، وفق رويترز، الأمر الذي ساهم في تراجع المعروض من المشتقات النفطية في الأسواق العالمية.
ولا يزال تدفق المشتقات النفطية من منطقة الخليج ضعيفا، مقارنة بحركة تصدير النفط الخام، إذ تشير بيانات شركة "كبلر"، التي أوردتها رويترز، إلى أن المنطقة صدّرت نحو 4 ملايين برميل يوميا من الخام في يونيو/حزيران الماضي، مقابل مليون برميل فقط من المنتجات النفطية، وهو ما يعادل ربع المستويات المسجلة قبل الحرب.
ومع تصاعد القتال بين واشنطن وطهران مؤخرا من المنتظر أن تتراجع حركة مرور الناقلات في مضيق هرمز، ليستمر النقص في المعروض من المشتقات النفطية المختلفة في الأسواق العالمية.
أدت الضربات المتواصلة في الأشهر الأخيرة لمصافي النفط في روسيا إلى تراجع قدراتها الإنتاجية بشكل ملحوظ، حيث استهدفت كييف بالمسيرات مجموعة من المصافي في عمق الأراضي الروسية.
وخلال الشهرين الماضيين، شنت أوكرانيا هجمات على 19 مصفاة روسية تبلغ القدرة التكريرية لها ما يقرب من 4.9 ملايين برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 70% من إجمالي القدرة التكريرية في روسيا، حسب ما ذكرته بلومبيرغ.
وأدت الهجمات الأوكرانية إلى خفض القدرة الإنتاجية لروسيا من الديزل بنحو الثلث، وفقا لتقديرات القطاع التي ذكرتها بلومبيرغ، مع تسجيل تراجعات كبيرة في إنتاج البنزين ووقود الطائرات أيضا، الأمر الذي دفع موسكو لوقف تصدير الديزل، مما ساهم في نقص المعروض منه في الأسواق.
ولم تكن الصين بعيدة عن الضغوط التي نتجت عن الحربين، في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إذ قامت بكين بتخفيض معدلات تشغيل المصافي بشكل حاد، وفق رويترز، لتعويض الانخفاض في واردات النفط منذ اندلاع حرب إيران.
وبدورها قامت مصافي في مناطق أخرى في آسيا بتخفيض عملياتها بسبب النقص في الإمدادات من النفط الخام.
قامت الولايات المتحدة خلال النصف الأول من العام الجاري بزيادة إنتاجها من المشتقات النفطية، ومنها البنزين والديزل ووقود الطائرات، بهدف تعويض النقص في المتاح منها في الأسواق بعد اندلاع حرب إيران، مما جعلها بمثابة "ملاذ التكرير الأخير" وفق وصف رويترز.
لكن الأوضاع بدأت تتغير، حيث انخفضت مخزونات الخام الأمريكية، بما في ذلك المخزونات التجارية والاحتياطي الحكومي للطوارئ، منذ اندلاع حرب إيران لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1984، فيما سجلت مخزونات البنزين أدنى مستوياتها الموسمية منذ عام 2012.
وأشارت رويترز إلى أنه في ظل الضغوط التي تواجهها المخزونات المحلية في الولايات المتحدة من جانب، وزيادة الطلب على الوقود خلال موسم الصيف من جانب آخر، تبدو المصافي الأمريكية أقل قدرة على توفير المزيد من المشتقات النفطية في الأسواق العالمية.
وفي سياق متصل قالت وكالة الطاقة الدولية الثلاثاء إن الدول الأعضاء فيها سحبت نحو 290 مليون برميل من النفط منذ الإعلان الصادر بهذا الشأن في 11 مارس/آذار الماضي.
ووافقت الوكالة في مارس/آذار الماضي على سحب كمية قياسية قدرها 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الاستراتيجية للمساعدة في مواجهة ارتفاع أسعار الخام العالمية بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وقال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، يوم الثلاثاء أنه على الرغم من وجود بعض هوامش الأمان في سوق النفط العالمية، إلا أن "إعادة فتح مضيق هرمز دون عوائق ستكون أمراً حيوياً لتجنب المزيد من التدهور في أمن الطاقة العالمي".
وأشار بيرول، وفق ما نقلته نيويورك تايمز، إلى أن سوق وقود النقل، مثل البنزين والديزل تثير قلقاً خاصاً، مضيفا أنه "لم تشهد أنشطة التكرير وإمدادات المشتقات النفطية انتعاشاً يوازي الزيادة في شحنات النفط الخام".
وكانت وكالة الطاقة الدولية حذرت من أزمة في إمدادات البنزين والديزل؛ بسبب تأثير الصراعات في الشرق الأوسط وروسيا على المصافي. وفي الوقت نفسه ظل الاستهلاك العالمي للبنزين مرتفعا، حيث اتخذت الحكومات في عدة دول إجراءات لحماية مواطنيها من ارتفاع أسعار الوقود.
والنتيجة، وفق ما ذكرته وكالة الطاقة الدولية، أن معدلات السحب من المخزونات تجاوزت المستويات المعتادة. وحذرت الوكالة من أن استمرار هذا الوضع، واستمرار التراجع في إنتاج مصافي النفط، يعني أن إمدادات البنزين سوف تكون محدودة هذا الصيف.
وبالنظر إلى كل الأسباب السابقة لا يبدو أن سوق المشتقات النفطية سوف يشهد زيادة كبيرة في وقت قريب. إذ إن تصاعد القتال بين واشنطن وطهران، تسبب في تراجع حركة مرور ناقلات النفط في مضيق هرمز. كما أن تعافي قطاع تكرير النفط في روسيا سوف يستغرق فترة طويلة حتى لو توقفت الضربات الأوكرانية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة