في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت – في بلدة حمانا، لا يُقاس الصيف بارتفاع درجات الحرارة بقدر ما يُقاس بتلك اللحظة الحمراء التي تتدلى فيها ثمار الكرز بين التلال الجبلية، كأنها إشارات صغيرة لفرح موسمي عابر. هناك، لا تبدو الفاكهة مجرد محصول زراعي بل علامة على حياة كاملة تتقاطع فيها الأرض بالانتظار، والعمل بالرزق، والقرية بإيقاعها الهادئ الذي لا يوقظه إلا هذا الموسم القصير.
مع انطلاق "مهرجان الكرز"، تستيقظ البلدة الهادئة في قضاء بعبدا على إيقاع مختلف. الأزقة التي اعتادت الصمت تتحول إلى مساحات مفتوحة للزوار القادمين من مختلف المناطق اللبنانية، فيما تنبسط الساحات كسوق زراعي واسع، يكشف في عمقه اقتصادا ريفيا هشا، لا ينشط إلا لأسابيع قليلة قبل أن يعود إلى سكونه الطويل.
وبين هاتين الصورتين، الاحتفال والاقتصاد، تتحرك حمانا كأنها تعيد تعريف نفسها كل صيف. في قلب هذا المشهد، يقف المزارع ناجي أبو الشلش كأنه يربط بين زمنين: زمن البساتين الذي يبدأ قبل الفجر حين تكون الأشجار ما تزال مبللة بالبرد، وزمن المهرجان الذي يتوهج تحت الشمس فوق سطح البلدة.
تحت مظلة حمراء تتوسط الساحة، وأمام طاولة بيضاء تتراص فوقها ثمار الكرز كأنها مصابيح صغيرة التقطت ضوء الصيف، يراقب ناجي الحركة من حوله. من الخارج، يبدو المشهد احتفاليا صاخبا، تختلط فيه الألوان والضحكات والوجوه، لكنه بالنسبة إليه خلاصة موسم كامل من القلق، والعمل المتواصل، وانتظار لا يخلو من الترقب.
ينتقل المشهد من طاولة إلى أخرى، ومن بائع إلى آخر، قبل أن يعود إلى ناجي الذي يختصر جانبا من الحكاية الزراعية في البلدة. في حمانا، لا يتجاوز عدد المزارعين الذين يعتمدون على الكرز كمصدر دخل أساسي عشرة مزارعين فقط، بإنتاج سنوي يقارب ثلاثين طنا، لكنه يرفض أن تختصر الأرقام القصة. فكل شجرة، كما يقول بلسان التجربة، تحمل عاما كاملا من العناية والانتظار والعمل المتراكم، لا يمكن قياسه بالوزن وحده.
هذا العام، بدت الأشجار أكثر سخاء مما تحتمل. امتلأت الأغصان بالثمار، وتشبعت التربة بكميات كبيرة من المياه، ما انعكس على حجم الحبوب التي جاءت أصغر مما كان متوقعا. في حديثه للجزيرة نت، يمر ناجي على التفاصيل كما لو أنه يقرأ مزاج الطبيعة: حين تزداد المياه في الجذور، تصغر الثمرة، حتى وإن بدا المشهد أكثر وفرة. ومع ذلك، لم يكن الموسم أقل حضورا من سابقه، وإن كان الموسم الماضي قد تفوق من حيث الجودة والعائد، رغم قلة الغزارة.
ومن زاوية أخرى في المهرجان، تتسع الحكاية لتشمل أصواتا مختلفة. ستيفاني رزق ترى في الكرز أكثر من مجرد محصول، فهو – كما تقول للجزيرة نت – جزء من الذاكرة الجماعية لحمانا. في سنوات سابقة، كان المهرجان يتجاوز حدود السوق ليصل إلى فعاليات احتفالية كاملة، من بينها انتخاب "ملكة جمال الكرز"، في تعبير عن انتقال الإنتاج الزراعي من الحقل إلى الهوية الثقافية والسياحية للبلدة.
غير أن هذه الهوية، رغم بريقها، لا تنفصل عن الواقع الاقتصادي القاسي. فأسعار الكرز هذا العام تراوحت أسعار الكرز بين نحو 2 و4 دولارات أميركية للكيلوغرام الواحد، وفق الصنف والجودة، وهو ارتفاع يعكس كلفة الإنتاج العالية من جهة، وحساسية هذا المحصول من جهة أخرى، إذ يحتاج إلى متابعة دقيقة منذ لحظة الإزهار حتى القطاف.
على مقربة من الطاولات، يختصر المزارع رامي الجانب العملي من الصورة، يبدأ حديثه للجزيرة نت من الأشهر التي تسبق الموسم، حيث لا يتوقف العمل في البساتين: ريّ منتظم، مراقبة يومية، وحماية مستمرة من الآفات. ومع انطلاق المهرجان، تتحول هذه الجهود إلى حصاد سريع؛ فقد تمكن هذا العام من بيع نحو طن كامل خلال يوم واحد، نجاح موسمي لافت، لكنه لا يضمن استقرارا طويل الأمد.
أما ريتا، التي تشارك في عرض المنتجات، فتنظر إلى المهرجان كنافذة لا غنى عنها في ظل تراجع فرص التصدير وصعوبة الوصول إلى بعض الأسواق العربية. تشير في حديثها للجزيرة نت إلى أن الظروف المناخية كانت أفضل نسبيا هذا العام، ما انعكس على جودة الإنتاج، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا التحسن يبقى هشًا، مرتبطًا بتقلبات الطبيعة والأسواق معا.
وبين الحديث الاقتصادي والواقعي، يظل للمهرجان بعده الاجتماعي، بالنسبة إلى الأهالي، لا يختصر الحدث في البيع والشراء، بل يشكل مساحة لاستعادة الذاكرة. تقول ريتا إن الحفاظ على ما ورثوه عن الأجداد جزء من سبب المشاركة السنوية، حيث يتحول المهرجان إلى لقاء مفتوح بين الناس، وفرصة ليشاهد الزوار كيف يمكن لفاكهة واحدة أن تحمل هوية بلدة كاملة.
في هذا السياق، يضيف إيلي، أحد أبناء حمانا، للجزيرة نت، أن المهرجان بات موعدا سنويا ينتظره الأهالي بشغف، لما يحمله من حيوية اقتصادية واجتماعية تعيد للبلدة نبضها مع بداية الصيف. يوضح أن الزوار يتوافدون من مختلف المناطق للمشاركة في موسم القطاف والتعرف إلى أجواء حمانا، حيث يحرص الأهالي على تحويل الكرز من محصول موسمي إلى تجربة متكاملة تجمع بين الزراعة والسياحة.
ولا يتوقف الأمر عند بيع الثمار الطازجة، بل يمتد إلى منتجات مبتكرة تحمل بصمة البلدة، مثل مشروب "تشيري ليموناد" الذي يجمع بين الكرز والليمون، إلى جانب تارت الكرز وأصناف حلويات أخرى، في محاولة لإعادة تقديم هذه الثمرة بوصفها جزءا من هوية حمانا، لا مجرد محصول يمر في موسم عابر.
وفق منظمة العمل الدولية، يعتمد قطاع الكرز في لبنان على عمالة موسمية كثيفة خلال مراحل القطاف والفرز والتوضيب، ضمن اقتصاد ريفي يوفر دخلا مؤقتا من دون أن يضمن استقرارا طويل الأمد. وفي بلدة حمانا تتجلى هذه المفارقة بوضوح: حركة اقتصادية نشطة في موسم قصير، تقابلها هشاشة مزمنة في مصادر العيش.
هنا، تتحول الشجرة إلى رهان اقتصادي كامل. فنجاح الموسم قد يؤمّن مصروف عام بأكمله، فيما تعني الخسارة ديونا مؤجلة ومخاوف تتكرر مع كل صيف. لا ضمانات حقيقية للمزارعين، سوى ما تمنحه الطبيعة وتقلبات السوق.
ومع انتهاء المهرجان، تُطوى الطاولات وتُعاد السلالم الخشبية إلى أماكنها، فيما تستعيد الأشجار سكونها. لكن العم ناجي أبو شلش يبقى معلّقاً بموسم جديد، ينتظر عودة الكرز بوصفه اختبارا متجددا لعلاقة حمانا بأرضها، وباقتصاد لا يمنح اليقين، بل فرصة عابرة تتكرر كل عام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة