آخر الأخبار

الهدر الدوائي بملايين الدنانير في الأردن.. أزمة صامتة بين تكرار الوصفات وتكدس الأدوية

شارك

يتحول الهدر الدوائي في الأردن تدريجيا إلى عبء اقتصادي بملايين الدنانير سنويا، وسط تحذيرات من استمرار سوء استخدام الأدوية وضعف تكامل الأنظمة الصحية.

وتشير تقديرات ودراسات محلية إلى أن حجم الهدر الدوائي في المملكة يتجاوز عشرات الملايين سنويا، سواء داخل المؤسسات الصحية الحكومية أو على مستوى الأدوية المتكدسة في منازل المواطنين والمنتهية صلاحيتها.

وقال الرئيس التنفيذي لمركز مؤشر الأداء "كفاءة"، معاذ المبيضين للجزيرة نت، إن دراسة أجراها المركز كشفت أن الأردن يعاني "مستويات مرتفعة من الهدر في الأدوية والمستلزمات الطبية"، موضحا أن نسبة الهدر داخل المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية تقدر بين 20% و25%، بما يعادل نحو 60 مليون دينار (نحو 84.6 مليون دولار) سنويا.

وأضاف المبيضين أن هناك ما يقارب 12 مليون دينار (نحو 16.9 مليون دولار) تهدر سنويا لدى المواطنين نتيجة تكدس الأدوية في المنازل وانتهاء صلاحيتها وفق دراسة أجراها المركز، معتبرا أن المسؤولية مشتركة بين مختلف الأطراف.

مصدر الصورة هلسة: ملف الهدر الدوائي يرتبط بغياب التكامل الكامل بين أنظمة التأمين الصحي والجهات المقدمة للخدمة (الجزيرة)

فوضى التأمين الصحي

من جهتها، أكدت مديرة مديرية الصيدلة والصيادلة السابقة في وزارة الصحة الدكتورة زينة هلسة للجزيرة نت، أن ملف الهدر الدوائي يرتبط بشكل مباشر بغياب التكامل الكامل بين أنظمة التأمين الصحي والجهات المقدمة للخدمة، مشيرة إلى أن تعدد أنواع التأمين الصحي للشخص الواحد دون وجود ربط إلكتروني موحد يفتح المجال أمام تكرار صرف الأدوية من أكثر من جهة، ما يؤدي إلى ارتفاع حجم الهدر الدوائي وزيادة العبء المالي على القطاع الصحي.

وأوضحت هلسة أن تطبيق التأمين الصحي الشامل ضمن نظام إلكتروني موحد يعد من أهم الحلول للحد من هذا الهدر، إذ يسهم في إنشاء ملف دوائي موحد للمريض يتيح تتبع العلاجات المصروفة سابقا، ويمنع الازدواجية في الوصفات الطبية أو صرف كميات تفوق الحاجة الفعلية.

إعلان

وأضافت أن الهدر الدوائي لا يقتصر على الأدوية التالفة أو منتهية الصلاحية، بل يشمل أيضا سوء استخدام الأدوية وتخزينها في المنازل وعدم الالتزام بالخطة العلاجية، وهي ممارسات تتسبب بخسائر تقدر بملايين الدنانير سنويا.

شكلان للهدر الدوائي

وردا على استفسارات الجزيرة نت، أكدت رئيس قسم متابعة إدارة المخزون الاستراتيجي في وزارة الصحة الأردنية، الصيدلانية مي العيسى، أنه لا يوجد حتى الآن رقم حكومي موحد وموثق يحدد حجم الهدر الدوائي سنويا بشكل دقيق، موضحة أن التقديرات المتداولة تختلف تبعا لتعريف الهدر وآليات احتسابه.

وتشير العيسى إلى أن الهدر الدوائي في منظومة وزارة الصحة ينقسم إلى شكلين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالهدر داخل المؤسسات الصحية، ويرتبط بكفاءة إدارة المخزون والتخطيط وسلوك الوصف والصرف الدوائي والتوزيع الرشيد للأدوية، فيما يرتبط الشكل الثاني بسلوك المواطنين من حيث استهلاك الأدوية وإعادة استخدامها والتخلص منها أو تكديسها دون استعمال.

وأوضحت أن وزارة الصحة اتخذت عدة إجراءات للحد من الهدر وتعزيز الاستخدام الرشيد للأدوية، أبرزها التوسع في تطبيق نظام "حكيم" الإلكتروني والملف الطبي الإلكتروني، بما يتيح إظهار الأدوية المصروفة للمريض ومنع تكرار صرف العلاج ذاته من أكثر من جهة دون ظهور ذلك في النظام.

وأضافت أن الوزارة عملت أيضا على رقمنة إدارة سلاسل التزويد، بما يسهم في ضبط استهلاك الأدوية وتتبعها من المستودعات الرئيسية وحتى صرفها للمرضى، إلى جانب ربط المواطن بمركز صحي محدد عبر "البطاقة البيضاء"، والتي تمنع حصوله على الأدوية من عدة مراكز صحية في الوقت ذاته، مع فرض غرامات مالية في حال المخالفة.

مصدر الصورة وزارة الصحة الأردنية تتابع التقارير الإلكترونية المستخرجة من نظام "حكيم" ونظام إدارة المخزون لرصد الاستهلاك (الجزيرة)

رصد معدلات الاستهلاك

وأشارت إلى أن الوزارة تتابع التقارير الإلكترونية المستخرجة من نظام "حكيم" ونظام إدارة المخزون لرصد معدلات الاستهلاك والتذبذبات غير الطبيعية الناتجة عن صرف الأدوية، كما يجري العمل على الربط الإلكتروني بين إعطاء الأدوية داخل الأقسام الداخلية ونظام إدارة المخزون لمنع أي خصم للمخزون خارج نطاق الاستخدام الفعلي للمرضى.

وأكدت العيسى أن الوزارة تعتمد بروتوكولات علاجية قائمة على الأدلة والبراهين، تحدد التسلسل العلاجي للحالات المرضية، خصوصا فيما يتعلق بالأدوية مرتفعة الثمن، بهدف الحد من الصرف غير المبرر أو التزامن في صرف عدة أدوية للحالة المرضية نفسها.

وفيما يتعلق بمدى نجاح الملف الطبي الإلكتروني في الحد من الهدر، أوضحت أن نظام "حكيم" نجح بشكل جيد في تقليل تكرار صرف الأدوية، من خلال إتاحة الاطلاع على الأدوية الحالية والحساسيات والتنبيهات الدوائية للأطباء والصيادلة، إلا أن وجود بعض المراكز الصحية غير المحوسبة ما يزال يساهم في استمرار نسبة محدودة من الهدر.

وأضافت أن غياب الملف الموحد للمريض وعدم وجود ربط كامل بين جميع الجهات الصحية الحكومية والخاصة، يسمح لبعض المرضى بالحصول على الأدوية من أكثر من جهة دون معرفة الجهات الأخرى، خاصة لدى الحاصلين على تأمينات صحية متعددة.

إعلان

ولفتت إلى أن صرف بعض الأدوية بكميات تفوق الحاجة يعود لعدم اكتمال الربط بين جميع المنشآت الصحية، مؤكدة أن العمل جار لاستكمال هذا الربط قبل نهاية العام الحالي.

وفيما يخص الرقابة على بيع الأدوية دون وصفات طبية، أوضحت العيسى أن المهمة الأساسية تقع على عاتق المؤسسة العامة للغذاء والدواء، من خلال التفتيش الدوري على الصيدليات وضمان الالتزام بصرف الأدوية التي تتطلب وصفة طبية، لا سيما المضادات الحيوية والمهدئات والأدوية النفسية.

مصدر الصورة مجموعة أدوية متواجدة لدى عائلة أردنية (الجزيرة)

شركات الأدوية

وحول دور شركات الأدوية، أشارت العيسى إلى أهمية مساهمتها في الحد من الهدر من خلال تصميم عبوات تتناسب مع مدة العلاج، وتوريد الأدوية على دفعات بدلًا من كميات كبيرة، إلى جانب تضمين عقود المناقصات بنودًا تلزم الموردين باستبدال المواد المنتهية الصلاحية دون تكلفة إضافية.

كما أكدت أهمية التزام الشركات بشروط التخزين والنقل الصحيحة، وتحسين التنبؤ بالطلب وتقدير الاحتياجات الفعلية، وتوفير أدوية ذات جودة عالية وصلاحية طويلة، فضلًا عن المشاركة في أي برامج وطنية لاسترجاع الأدوية.

من جانبه، أكد نقيب الصيادلة الأردنيين زيد الكيلاني للجزيرة نت أن الهدر الدوائي في الأردن يعد من التحديات الصحية والاقتصادية المهمة، لكنه في الوقت ذاته ليس مشكلة محصورة بالأردن فقط، بل موجودة في مختلف دول العالم بدرجات متفاوتة، نظراً لارتباطها بطبيعة المجتمعات وآليات استخدام وتخزين الأدوية.

وأوضح الكيلاني أن وجود "خزانة أدوية" داخل المنازل أمر شائع عالميا وليس مقتصرا على الأسر الأردنية، إلا أن الأردن قد يشهد أحيانا زيادة في التخزين والهدر نتيجة الظروف السياسية والإقليمية المحيطة، حيث يلجأ بعض المواطنين إلى تخزين كميات أكبر من حاجتهم خوفا من انقطاع بعض الأدوية أو حدوث أزمات، الأمر الذي قد يؤدي لاحقًا إلى انتهاء صلاحية الأدوية وعدم استخدامها بالشكل الصحيح.

وأشار إلى أن الهدر الدوائي لا يقتصر فقط على انتهاء صلاحية الأدوية، بل يشمل أيضا سوء استخدام الدواء، وصرف كميات تفوق الحاجة الفعلية، وضعف الالتزام العلاجي لدى بعض المرضى، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كلفة الرعاية الصحية والأمن الدوائي الوطني.

وأكد أهمية رفع وعي المواطنين بعدم شراء أو تخزين كميات غير ضرورية من الأدوية، إلى جانب تعزيز دور الصيدلي في التثقيف الصحي والمتابعة العلاجية، باعتبار ذلك من أبرز عناصر الحد من الهدر وتحسين النتائج العلاجية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار