في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تونس – في أقصى شمال تونس، يبدأ علالة يومه من مقهى صغير يطل على البحر في منطقة رواد. يحتسي قهوته على عجل، قبل أن يتجه نحو الشاطئ حيث يركن قاربه البسيط، في غياب ميناء مخصص للصيد، وهناك يغيّر ملابسه في العراء، يتفقد مجدافه، ويستعد لرحلة لا يعلم إن كانت ستؤمّن قوت يومه.
يقول علالة للجزيرة نت إنه لم يعد يقصد البحر بحثا عن الربح، بل عن "لقمة العيش"، مضيفًا أن البحر "لم يعد كما كان".
ولا يحمّل الرجل البحر المسؤولية، بقدر ما يشير إلى ما طرأ عليه من تغيّرات مناخية، أثّرت، بحسب تعبيره، على الثروة السمكية في السواحل التونسية.
ويضيف علالة أن الصيد في أعماق البحر قد يكون أفضل، "لكن قاربي لم يعد يحتمل"، لافتًا إلى أنه كان يعود في السابق بكميات وفيرة، بينما لا يجني اليوم سوى بضع كيلوغرامات.
قصة علالة ليست استثناءً. فوفق معطيات رسمية، يناهز إنتاج تونس من الصيد البحري 138 ألف طن سنويا، وفق أرقام 2024، غير أن هذا الرقم يخفي تذبذبًا واضحًا، وتراجعًا في بعض الأنشطة، خاصة الصيد الساحلي التقليدي الذي يعتمد عليه صغار البحارة.
ويؤكد صالح شرف الدين، رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري في المهدية شرقي البلاد أن الإنتاج السمكي "تراجع بأكثر من 70% مقارنة بالسنوات الماضية"، موضحًا أن عددًا من البحارة لم يعودوا قادرين حتى على تغطية تكاليف الإبحار.
ويضيف شرف الدين في مقابلة مع الجزيرة نت أن القطاع يضم نحو 16 ألف مركب موزعة على 41 ميناء، لكنه يعاني من "تقادم الأسطول واهتراء البنية التحتية، إلى جانب بيروقراطية مفرطة تعقّد عمل المنتجين"، فضلًا عن انتشار الصيد العشوائي، الذي أسهم في استنزاف المخزون السمكي.
حاتم المكي، بحّار تونسي منذ أكثر من 40 عاما، يختصر التحوّل الذي شهده البحر قائلاً "كنا نعود بعشرة (تيلارات) من السمك، اليوم نعود بنصف تيلار وربما أقل" (التيلار صندوق تقليدي لوزن ما يتم صيده من أسماك).
ويؤكد المكي أن البيئة البحرية تغيّرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى اختفاء أنواع كانت شائعة مثل "التريلية" (البربوني) و"البوري"، إضافة إلى ظهور كائنات دخيلة، على غرار السلطعون الأزرق، الذي "أتلف الشباك ودمّر جزءا من الثروة السمكية"، وفق وصفه.
كما يلفت المكي إلى عوامل أخرى، من بينها ارتفاع درجات حرارة البحر وتقادم أسطول الصيد التقليدي، معتبرا أن البحار اليوم يواجه "مزيجا من التحديات البيئية والاقتصادية، في ظل غياب حلول ناجعة".
من جهة أخرى، تؤكد مديرة البرامج في الصندوق العالمي للطبيعة مريم الفقيه للجزيرة نت أن التغيرات المناخية أثّرت بشكل ملموس على إنتاج السمك في تونس، وأسهمت في تراجع عدد من الأنواع التي يعتمد عليها البحارة.
وتوضح الفقيه أن هذه التحوّلات البيئية ساهمت أيضًا في انتشار السلطعون الأزرق، الذي ألحق أضرارا بالمنظومة البحرية وبمعدات الصيد، وفرض واقعًا جديدًا على الصيادين التقليديين.
إلى جانب المناخ، يبرز عامل آخر لا يقل خطورة، يتمثل في تفاقم الصيد العشوائي، نتيجة ضعف الالتزام بالقوانين المنظمة للقطاع.
ويشير مهنيون إلى أن جزءا من البحارة لا يحترمون فترات "الراحة البيولوجية"، وهي أوقات محددة يُمنع فيها الصيد لتمكين المخزون السمكي من التجدد، خاصة بالنسبة لأنواع حساسة مثل الأخطبوط وبعض الأسماك الساحلية.
كما يُسجَّل استعمال شباك غير مطابقة للمواصفات القانونية، ذات عيون ضيقة، ما يؤدي إلى صيد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها الحجم التجاري، ما يهدد استدامة الثروة البحرية على المديين المتوسط والبعيد.
ويحذر مختصون من أن هذه الممارسات، إلى جانب الصيد الجائر، تسرّع من وتيرة استنزاف المخزون، في وقت يعمل فيه في قطاع الصيد البحري في تونس نحو 45 ألف شخص، أكثر من 60% منهم في الصيد التقليدي، ما يعني أن أي تراجع في الموارد البحرية سيكون له انعكاسات اجتماعية مباشرة.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع في المقدرات على البحّارة فحسب، بل يمتد إلى المستهلك، فمع تقلص الكميات المعروضة، شهدت أسعار الأسماك في الأسواق ارتفاعا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.
وتجاوز سعر السردين، الذي كان يُعرف بـ "سمك الفقراء"، 10 دنانير (3.4 دولار) للكيلوغرام في عدة فترات، بعد أن كان في حدود 3 دنانير (ما يفوق دولار) إلى 5 دنانير (1.7 دولار)، فيما بلغت أسعار أنواع أخرى، مثل الوراطة (الدوراد) والقاروص، مستويات تراوحت بين 30 دينارا (10.4 دولار) و50 دينارا (17.3 دولار).
ويرى مهنيون أن هذا الارتفاع يعكس اختلالا واضحا بين العرض والطلب، في ظل تراجع الإنتاج واستمرار الضغوط البيئية والهيكلية على القطاع.
ورغم امتداد السواحل التونسية لأكثر من 1300 كيلومتر، وما توفره من موارد بحرية، فإن مؤشرات الاستنزاف والتغير المناخي تطرح أسئلة جدية حول مستقبل الصيد البحري في البلاد.
أما علالة، وآلاف البحّارة الصغار مثله، فلا يعنيهم سوى ما يجدونه في شباكهم عند العودة. وبين بحر يتغيّر وقطاع يعاني من هشاشة مزمنة، يبقى السؤال مطروحًا: كم موسمًا آخر يستطيع البحّار التونسي الصمود؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة