بغداد- في سوق الشورجة، أحد أقدم وأكبر الأسواق التجارية في العاصمة العراقية بغداد، تبدو الحركة في الأسواق الرئيسية أقل صخبا من المعتاد، يقف بعض التجار أمام محالهم يتبادلون أحاديث مقتضبة عن سعر الدولار وكلفة الاستيراد والتعرفة الجمركية، بينما يحمل متسوقون أكياسا ممتلئة بالمواد الأساسية، في مشهد يعكس قلقا متزايدا من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الأوضاع الاقتصادية.
الحرب الإسرائيلية- الأمريكية الإيرانية ليست مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار بالنسبة للعراقيين، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل يومهم خاصة بعد أن وصلت نيرانها إلى مدن عراقية مختلفة.
فأصحاب الأعمال والتجار وحتى الباعة يراقبون حركة السوق بقلق، والمستهلكون يعيدون حساباتهم الشرائية، وبينهما تتحول الأسواق الكبرى إلى مرآة تعكس هواجس الناس وتوقعاتهم لما قد تحمله المرحلة المقبلة.
في أسواق الجملة، يلاحظ التجار تغيرا واضحا في أولويات المستهلكين منذ تصاعد التوترات في المنطقة، فبعض العائلات باتت تميل إلى شراء المواد الأساسية بكميات أكبر نسبيا، خصوصا السلع الغذائية التي تخشى ارتفاع أسعارها مثل الأرز والزيوت والسكر والطحين والبقوليات.
حسن البلداوي (43 عاما) تاجر مواد غذائية في سوق الشورجة يشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن حركة البيع لم تتراجع كثيرا لكنها تغيرت من حيث طبيعتها.
ويضيف أن "الناس تركز على المواد الأساسية أكثر من قبل، بعض الزبائن يشترون كميات كبيرة خوفا من ارتفاع الأسعار إذا استمرت الحرب، أو امتدت بشكل مباشر إلى العراق".
القلق كان حاضرا في كلام البلداوي عندما تحدث عن السلع والبضائع في السوق العراقية خاصة، وعن أغلبها مستوردة من دول الجوار ودول أخرى، ما يجعلها عرضة للشح عند أي اضطراب في طرق النقل أو ارتفاع تكاليف الشحن.
وفي سوق حي العامرية غربي بغداد، كان عمر عبد الله (35 عاما) جالسا على مكتبه داخل محله المختص ببيع الأجهزة الكهربائية والمنزلية يتابع الأخبار على جواله، حين تحدثت معه الجزيرة نت عن اهتمامه بما يجري في المنطقة.
"نحن نتابع الأخبار يوميا؛ لأن أي تصعيد في المنطقة قد يؤثر على النقل أو الأسعار، لذلك نحاول أن نكون حذرين في الشراء حتى لا نتعرض لخسائر"، يقول عبد الله مشيرا إلى أن بعض التجار قللوا كميات البضائع التي يطلبونها من الموردين، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات في المنطقة.
في المقابل، يظهر الحذر في طريقة إنفاق العائلات العراقية، فالكثير من المتسوقين قلصوا مشترياتهم من السلع غير الضرورية، مفضلين الاحتفاظ بجزء من دخلهم تحسبا لأي تطورات اقتصادية مفاجئة.
أحمد جاسم (30 عاما) يعمل موظفا حكوميا غير سلوكه الشرائي عن السابق، وأضحى يركز على الضروريات فقط، ويحاول أن يوفر بعض المال؛ لأن الوضع الاقتصادي بحسب وصفه غير واضح، وقد تتأخر المرتبات والأجور الشهرية التي تعتمد عليها الشرائح المتوسطة في تسيير شؤونها اليومية.
أما انتصار حسين (55 عاما) ربة منزل، فاعتبرت -خلال حديثها للجزيرة نت- أن القلق الحالي مرتبط بتجارب سابقة عاشها العراقيون خلال أزمات اقتصادية وأمنية.
"العراقيون مروا بظروف صعبة من قبل لاسيما في وقت الحصار أيام التسعينيات ما جعلنا مستعدين لأي طارئ".
رغم القلق الشعبي، تشير وزارة التجارة العراقية إلى وجود مخزون غذائي استراتيجي يؤمن احتياجات البلاد في حالات الطوارئ لمدة عام كامل من الحبوب، و6 أشهر من المواد الغذائية ضمن نظام البطاقة التموينية، فضلا عن مخزون القطاع الخاص.
ويؤكد المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون أن العراق حقق خلال السنوات الثلاث الأخيرة مستويات عالية في إنتاج محصول الحنطة محليا، حيث وصل إلى 6.4 ملايين طن، مشيرا إلى أنه جرى توجيه جزء من الإنتاج نحو دول مثل سوريا وتونس ولبنان لأن المخزون كان جيدا العام الماضي.
ويضيف حنون في حديثه للجزيرة نت أنه رغم اعتماد العراق على إيران في استيراد كثير من المواد الغذائية، إلا أن الأسواق العراقية ما تزال طبيعية ولم تتأثر بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، مؤكدا أن الوزارة اتخذت إجراءات قانونية محددة ضد محاولات الاحتكار، في وقت تتابع فيه فرق رقابية من وزارة التجارة والأمن الأسعار في الأسواق.
ورغم اعتماد البلاد بشكل كبير على توريد مادة الأرز والزيت والسكر عبر البحر، إلا أن العراق يبحث عن منافذ تصديرية أخرى إذا ما استمرت الحرب فترة طويلة، وفقا لمتحدث وزارة التجارة العراقية.
رغم التطمينات الحكومية لكن خبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية، بل في قدرة السوق على الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان استمرار تدفق هذه السلع إلى الأسواق في ظل وجود اضطرابات إقليمية.
"نحن في حالة صعبة وحرجة" عبارة كررها الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، في إشارة إلى الوضع الاقتصادي العراقي، مؤكدا للجزيرة نت أن النظام الاقتصادي العراقي بات -منذ عام 2003- بلا رقابة، فأصبحت الأسواق المحلية عرضة للهزات، آخرها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية.
ويوضح الشيخلي أن الوضع أصبح حرجا أكثر بعد تضييق تصدير النفط وإغلاق مضيق هرمز، مبينا أنه رغم ارتفاع أسعار النفط عالميا فوق 100 دولار، وارتفاع خام البصرة إلى 114 دولارا في آخر تحديث للأسعار، فإن أجور النقل والتأمين تأكل هذه الزيادة في السعر.
ولا يستبعد الشيخلي أن تتأثر عمليات الاستيراد بشكل مباشر بحرب إيران؛ لأن السوق العراقية تستورد كل شيء بعد توقف المصانع الرئيسة، في حين لا توجد خطة أو نية حكومية لإعادة تفعيلها، وفق تعبيره.
ويشير المتحدث إلى أن المخاطر ستزداد كلما طالت الحرب، فالموازنة التشغيلية لن تغطي حاجة البلاد لأكثر من 6 أشهر، وقد يتأثر الاستيراد لأن الاحتياطات النقدية لا تغطي أكثر من 12 شهرا.
ويلفت الشيخلي إلى أن البنك المركزي العراقي كان يحول بين 270-300 مليون دولار لأغراض الاستيرادات من الخارج، وهذا يستنزف كل إيرادات بيع النفط.
وتعد الأسواق العراقية اليوم أكثر من مجرد أماكن للبيع والشراء، فهي مساحة تعكس المزاج العام للمجتمع في ظل حرب لا يعرف أحد متى تنتهي.
ويحاول العراقيون التكيف مع واقع إقليمي مضطرب وصلت نيرانه إليهم بعد استهداف مقار تابعة للحشد الشعبي في بغداد والأنبار وصلاح الدين وديالى وواسط وأربيل عاصمة إقليم كردستان العراق.
ومع استمرار الحرب الأمريكية- الإسرائيلية- الإيرانية في المنطقة، يترقب التجار والمستهلكون على حد سواء ما قد تحمله الأيام المقبلة، وسط تساؤلات متزايدة عن مدى قدرة الأسواق على الصمود في وجه أي تقلبات اقتصادية محتملة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة