آخر الأخبار

الطاقة والجغرافيا السياسية.. اختبار قاس لموازنات الخليج أمام تأثير حرب إيران

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تدفع التطورات الميدانية الأخيرة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى اقتصادات الخليج والعالم العربي إلى اختبار قاسٍ يتجاوز تقلبات الأسعار المعتادة، إذ تضرب الهجمات منشآت نفط وغاز حيوية وتربك حركة الشحن عبر مضيق هرمز، فتنتقل الصدمة سريعا من الحقول والموانئ إلى الموازنات العامة، ومن شاشات التداول إلى غرف اتخاذ القرار الاستثماري.

ففي 2 مارس/آذار 2026 أعلنت قطر إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المُسال في مجمع رأس لفان بعد هجوم إيراني بطائرات مسيّرة، وفي إجراء احترازي مماثل أغلقت شركة أرامكو السعودية مصفاة رأس تنورة التي تنتج 550 ألف برميل يوميا، كما تراجعت أو توقفت إنتاجات في إقليم كردستان العراق، وقررت السلطات الإسرائيلية تعليق عمليات حقل "ليفياثان".

وفي الوقت نفسه قفزت أسعار النفط بنحو 13% إلى قرابة 82 دولارا للبرميل، وارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بنحو 46%، مع تزايد الاضطراب في حركة الشحن عبر هرمز.

وتحوّل هذه التطورات صدمة الطاقة إلى صدمة مالية واستثمارية شاملة، إذ تضغط على إيرادات الحكومات، وتدفعها إلى إعادة ترتيب الإنفاق، وتؤجل مشاريع كبرى، وتعيد تسعير المخاطر في المنطقة بأكملها.

مصدر الصورة توقف حركة المرور في مضيق هرمز (موقع مارين ترافيك)

اختلال معادلة السعر والحجم

يرفع السوق الأسعار عندما تتصاعد المخاطر، لكنه يخصم الإيرادات عندما تتعطل الكميات، وتجمع الصدمة الحالية بين الأمرين معا، فتدفع السعر صعودا بفعل علاوة المخاطر، ثم تخصم من العائد الفعلي بسبب توقف الإنتاج أو تعطل الشحن.

وحسب تقرير لوكالة رويترز فإن توقف رأس لفان في قطر، وإغلاق رأس تنورة في السعودية، وتعليق عمليات في إقليم كردستان العراق وحقل ليفياثان الإسرائيلي يقلّص الكميات المتاحة للتصدير في لحظة ارتفعت فيها الأسعار بقوة.

وتزداد حساسية هذه المعادلة عندما تتعرض الممرات البحرية للاهتزاز، إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خمس استهلاك السوائل النفطية عالميا، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال، وأساسًا من قطر، بصادرات بلغت 9.3 مليارات قدم مكعبة يوميًا في عام 2024 مثلا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

إعلان

وتعني هذه الأرقام أن أي تعطّل في هرمز لا يرفع السعر فقط، بل يفرض كلفة إضافية على كل شحنة عبر التأمين وإعادة التوجيه وزمن الانتظار، فتتسع الفجوة بين السعر المُعلن والعائد المُتحقق، وتصبح الإيرادات الفعلية رهينة ليس فقط للسعر، بل للكميات المتدفقة وقدرة الممرات على العمل دون انقطاع.

ويرى الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي في حديث للجزيرة نت أن العالم يقف على أعتاب أزمة طاقة عالمية لم يشهدها منذ عقود، إذا استمر تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، بل بنسبة الصادرات العالمية التي تمر عبر المضيق، إذ يعبر منه نحو ربع صادرات الغاز العالمية وقرابة ثلث صادرات النفط، إضافة إلى ما بين 20% و21% من الإنتاج العالمي الفعلي، أي ما يقارب 21 مليون برميل يوميا من النفط والمشتقات.

ضغوط العجز وإعادة هندسة الإنفاق العام

وتكشف الأرقام أن الصدمة الحالية تضرب جوهر الموازنات الخليجية لا هوامشها. فبحسب موازنة قطر لعام 2026، كانت الدوحة تتوقع إيرادات بنحو 199 مليار ريال قطري (حوالي 55 مليار دولار)، مقابل نفقات تبلغ 220.8 مليار ريال (نحو 60 مليار دولار)، بعجز مخطط يقارب 21.8 مليار ريال (حوالي 6 مليارات دولار).

وتعتمد هذه التقديرات ضمنيا على تشغيل طبيعي ومستقر لإنتاج الغاز الطبيعي المُسال، وعندما يتعطل الإنتاج أو تتأخر الشحنات، فإن انخفاض الإيرادات بنسبة 5% إلى 10% قد يخفض الدخل الفعلي إلى نطاق 49 إلى 52 مليار دولار تقريبا، مما يوسع العجز إلى حدود 8 مليارات إلى 10 مليارات دولار، أي بزيادة قد تقترب من الضعف مقارنة بالعجز الذي كان متوقعا قبل الأزمة.

أما السعودية فقد بنت موازنتها على إيرادات تقارب 1.14 تريليون ريال سعودي (حوالي 304 مليارات دولار)، مقابل نفقات بنحو 1.31 تريليون ريال (نحو 350 مليار دولار)، مع عجز متوقع عند 165 مليار ريال (نحو 44 مليار دولار).

مصدر الصورة أحد مرافق إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة (رويترز)

وبما أن النفط يمثل نحو 75% من الإيرادات الحكومية، فإن تراجع العائدات النفطية الفعلية بنسبة تقارب 5% بسبب تعطل الشحن أو ارتفاع كلفة التأمين يمكن أن يخفض الإيرادات بحوالي 15 مليار دولار، مما يرفع العجز إلى نطاق 60 مليار دولار أو أكثر، أي زيادة تتجاوز 35% عن التقدير الأصلي.

ولا تختلف بقية دول المجلس من حيث الاتجاه وإن اختلف الحجم، فقد بلغ الإنفاق الحكومي الخليجي المجمع في 2025–2026 نحو 542 مليار دولار، مع عجز متوقع قبل الأزمة بحوالي 54 مليار دولار.

وعندما تتراجع الإيرادات النفطية المشتركة بنسبة 5% إلى 10% نتيجة تعطّل الكميات أو ارتفاع تكاليف الشحن، فإن الفجوة قد تتسع بعشرات المليارات الإضافية.

ويحذر الشوبكي من أن اقتصادات الخليج، رغم جهود التنويع، ستتأثر بشدة إذا حُرمت من تصدير نفطها فترة طويلة، إذ سيؤدي ذلك إلى اتساع العجز المالي، خاصة في دول مثل السعودية والكويت، وقد ينعكس مباشرة على الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية.

ويضيف أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثرا لاعتماده على النفط في نحو 95% من إيراداته، وعدم امتلاكه بدائل تصدير كافية خارج المسار البحري.

إعلان

وتعني هذه الحسابات أن الصدمة لا ترفع الأسعار فحسب، بل تعيد رسم حدود العجز، وتضغط على وتيرة تنفيذ المشاريع الكبرى، وتدفع الحكومات إلى موازنة دقيقة بين الاستقرار المالي واستمرار خطط التحول الاقتصادي.

تحولات الإنفاق الرأسمالي تحت ضغط العجز

وفي حديث للجزيرة نت يقول الباحث في الاقتصاد السياسي وتحليل السياسات معاذ العامودي إن المشاريع العملاقة في الخليج تعتمد في جوهرها على استقرار تدفقات الإيرادات، وانخفاض كلفة التمويل، وثقة الشركاء المحليين والدوليين، لذلك تتعرض هذه المشاريع لاختبار قاس كلما تصاعدت المخاطر الجيوسياسية أو اهتزت تدفقات الطاقة.

ويضيف أن الحكومات تميل في مثل هذه الظروف إلى إعادة ترتيب أولوياتها الرأسمالية، فتمنح الأسبقية للمشاريع المرتبطة بالأمن والمرونة التشغيلية، مثل حماية الموانئ ومنشآت الطاقة وبناء سعات تخزين إضافية، بينما ترجئ بعض المشاريع ذات العائد الطويل الأجل أو الكلفة الرأسمالية المرتفعة التي يمكن تأجيلها دون تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي.

ويشير العامودي إلى أن الحرب لا تضغط على حجم الإنفاق فحسب، بل تغيّر نماذج الشراكة والتمويل، إذ تميل الحكومات إلى نقل جزء أكبر من المخاطر إلى القطاع الخاص عبر عقود أكثر تحفظا، أو إلى تقسيم الحزم التمويلية إلى مراحل أصغر لتقليل الالتزام الفوري على الموازنة العامة.

ويؤكد أن ارتفاع علاوة المخاطر يرفع كلفة رأس المال، مما يؤدي إلى إعادة احتساب الجدوى الاقتصادية لبعض المبادرات، فتتراجع جاذبية مشاريع معينة حتى لو بقيت الرؤية الإستراتيجية للتحول الاقتصادي قائمة.

مصدر الصورة مشهد جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)

إعادة تسعير المخاطر وتباطؤ تدفقات الاستثمار

وتعكس تحركات البورصات وتدفقات رأس المال سرعة إعادة التسعير، فقد هبط مؤشر قطر بنحو 4.3% في 2 مارس/آذار 2026، وهو أكبر هبوط يومي منذ مارس/آذار 2020 بحسب "رويترز"، وأغلقت الإمارات سوقي أبوظبي ودبي يومين وسط تصاعد التوتر.

وتقول رويترز كذلك إن مؤسسات مالية دولية نصحت بتأجيل السفر إلى المنطقة، وإن محادثات صفقات واستثمارات عبر الحدود توقفت أو تأجلت، مما يعكس تباطؤًا مباشرا في نشاط الدمج والاستحواذ والاستثمار المصرفي.

ولا يتوقف الأثر عند حدود الأسهم، إذ يؤثر اضطراب آليات التسعير نفسها في كلفة التحوط والتمويل، فقد أفادت رويترز بأن "أس أند بي غلوبال بلاتس" علّقت استقبال عروض وطلبات لعدة عمليات تقييم أسعار خامات ومنتجات وغاز طبيعي مُسال مرتبطة بالشرق الأوسط بسبب اضطرابات الشحن في هرمز، وهو ما يشير إلى خلل في آلية اكتشاف السعر.
وعندما يختل اكتشاف السعر، ترتفع الضبابية، وتتسع الفروقات، ويصعب على الشركات والحكومات تثبيت توقعاتها.

إعادة تموضع المحافظ السيادية خارجيا

تعيد الصناديق السيادية الخليجية ضبط مزيج أصولها عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية وتتسع فجوة عدم اليقين، فتنتقل من منطق تعظيم العائد طويل الأجل إلى منطق إدارة السيولة والتحوط. وتدفع هذه البيئة إلى زيادة الوزن النسبي للأصول السائلة وشبه السائلة، وتقليص الانكشاف على الاستثمارات طويلة الأفق أو ذات الالتزامات الرأسمالية الممتدة.

وفي سياق صدمة تستهدف منشآت الطاقة وتربك تدفقات التصدير، فإن أي تراجع في الكميات القابلة للبيع أو تأخر في التحصيلات الخارجية يقلّص الفوائض المتاحة للتحويل إلى محافظ خارجية.

ويشير الشوبكي إلى أن صناديق الثروة السيادية في السعودية وقطر والإمارات قد توفر متنفسا مؤقتا عبر دعم الموازنات وتمويل النشاط المحلي، إلا أن هذا الدور يظل محدود الفاعلية إذا طال أمد الأزمة أو استمر تعطّل الصادرات لفترة طويلة، مما يضع ضغوطا إضافية على قدرة تلك الصناديق على الحفاظ على وتيرة استثماراتها الخارجية.

مصدر الصورة مضيق هرمز أحد أهم شرايين التجارة والطاقة عالميا (أسوشيتد)

تصاعد فاتورة الواردات وضغوط التضخم

يدفع المستوردون العرب للطاقة ثمن الصدمة من الجهة المعاكسة، إذ ترتفع فاتورة الواردات، وتتسع الضغوط على العملات والاحتياطيات.

إعلان

وتدفع أسعار الطاقة الأعلى تكاليف النقل والكهرباء والإنتاج صعودا، فتتسع الضغوط التضخمية.

ويوضح الشوبكي أن ارتفاع أسعار الطاقة يفرض ضغوطا تضخمية مباشرة على الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، ولا سيما الصين التي تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية من الخليج، إذ تتجه غالبية الصادرات المارة عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، مما يجعل أي تعطّل ممتد عاملا مضاعفا في موجة تضخم عالمي جديدة.

ويؤكد الشوبكي أن العامل الحاسم في تحديد حجم التأثير الاقتصادي ليس مستوى التصعيد فحسب، بل مدة استمرار الأزمة، إذ تمتلك بعض الدول مخزونات إستراتيجية تكفي ما بين 10 إلى 20 يوما فقط، وبعد استنزافها سيواجه العالم خيارين: إما انقطاعات فعلية في الطاقة أو ارتفاعات حادة جدا في الأسعار.

سيناريوهات المرحلة المقبلة ومسارات المخاطر

ويتابع الباحث في الاقتصاد السياسي وتحليل السياسات معاذ العامودي في حديثه مع الجزيرة نت، مشيرا إلى أن التطورات الراهنة ترسم ثلاثة مسارات اقتصادية محتملة للأشهر المقبلة، يتحدد اتجاهها بمدة تعطّل الإنتاج والشحن عبر مضيق هرمز وبقدرة الأسواق على امتصاص الصدمة دون انزلاق إلى اضطراب ممتد.

ويضيف أن سيناريو الاحتواء السريع يفترض استعادة انسياب الملاحة في غضون أسابيع، وانخفاض علاوات التأمين وكلفة النقل تدريجيا، مما يعيد أسعار النفط والغاز إلى نطاق أكثر استقرارا، ويحافظ على عجز قريب من التقديرات الأصلية، ويُبقي المشاريع الكبرى قيد التنفيذ مع تأجيلات محدودة، كما تتحسن شروط التمويل وتنخفض فروقات العوائد على السندات السيادية.

أما سيناريو الاستنزاف المتقطع فيقوم على تكرار الهجمات أو التهديدات بصورة دورية، بما يؤدي إلى تعطّل الشحنات على فترات وتثبيت علاوة مخاطر مرتفعة في الأسعار، ورفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل شبه دائم، مما يقلص الإيرادات الفعلية رغم ارتفاع الأسعار الاسمية، ويوسّع العجز في الدول ذات الهوامش الأضعف، ويدفع إلى تأجيل مشاريع أو إعادة تصميمها، مع تباطؤ واضح في تدفقات الاستثمار.

وفي سيناريو أزمة الممرات الممتدة، يرى العامودي أن ترسخ اضطراب مضيق هرمز أو اتساع نطاقه سيبقي الأسعار مرتفعة لفترة أطول، ويعمّق الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، بينما تواجه دول الخليج معادلة معقدة بين ارتفاع السعر وتراجع الكميات القابلة للتصدير، وهو ما يفرض إعادة هيكلة أعمق للموازنات، وزيادة الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات، وتقديم أولويات الأمن والبنية التحتية الحيوية على خطط التوسع والاستثمار الخارجي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار