يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تحقيق إنجازات عسكرية سريعة في إيران تجنبه الخسائر الاقتصادية المحتملة للحرب، والتي قد تؤثر على توجهات الناخبين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
لكن الأمور قد لا تسير بالشكل الذي يريده ترمب، خاصة إذا طالت فترة الحرب واتسع نطاقها، فهي قد تسفر عن تأثيرات سلبية واسعة على الاقتصاد الأمريكي، وعلى اقتصادات حلفائه في أوروبا، وقد تؤثر على فرص الحزب الجمهوري للفوز في الانتخابات القادمة.
ولعل أحد أبرز النتائج السلبية التي يخشاها السياسيون الأمريكيون عموما من المواجهات في منطقة الخليج ارتفاع أسعار النفط، وهو ما بدأ بالفعل -الاثنين- في أول يوم للمعاملات في البورصات العالمية بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية في طهران يوم السبت.
كما ارتفع سعر الغاز الطبيعي المسال بنسبة 50%، حسب ما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، بعد أن أعلنت شركة قطر للطاقة توقف إنتاجها بسبب هجوم على مرافقها التشغيلية في مدينة راس لفان ومدينة مسيعيد الصناعيتين.
وتوقع ممدوح سلامة، الخبير في مجال النفط، في حديث للجزيرة نت، أن يرتفع سعر البرميل إلى نحو 120 دولارا إذا توقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز فترة طويلة.
وفي هذا السياق نقلت فايننشال تايمز عن إدوارد فيشمان، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية للأبحاث، قوله إن السيناريو الأسوأ للنفط هو "اضطراب واسع وممتد يطال كل حركة الملاحة في مضيق هرمز"، الأمر الذي سيؤدي إلى "صدمة" في أسعار النفط، وسيرفعها إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.
ويؤثر ارتفاع سعر النفط بشكل مباشر على المستهلكين الأمريكيين، إذ يزيد تكلفة بنزين السيارات ونقل السلع، وهو ما يؤدي بدوره إلى رفع تكلفة المعيشة تبعا لزيادة المستوى العام للأسعار.
ويوضح سلامة للجزيرة نت أن الولايات المتحدة تستورد ما بين 7.5 إلى 8 ملايين برميل من النفط يوميا، مشيرا إلى أن ارتفاع سعر خام برنت لأكثر من 100 دولار للبرميل سيزيد التضخم بشكل ملحوظ ويرفع العجز في الميزان التجاري الأمريكي.
ويضيف سلامة أن ارتفاع التضخم سيزيد أيضا من عجز الموازنة الأمريكية، ويرفع بالتبعية الدين الأمريكي الحكومي إلى ما فوق 40 ترليون دولار.
ونقلت فايننشال تايمز عن جيمس نايتلي، الخبير الاقتصادي في بنك "آي إن جي" قوله إن وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار قد يرفع نسبة التضخم في أسعار المستهلك الأمريكي من 2.4% التي سجلت العام الماضي إلى ما يزيد عن 4% هذا العام.
ومن المنتظر أن يؤثر ارتفاع نسبة التضخم في الولايات المتحدة، نتيجة زيادة سعر النفط والغاز وتكلفة النقل، على قرارات الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بشأن سعر الفائدة.
وتبلغ نسبة التضخم في الولايات المتحدة حاليا حوالي 3%، حسب ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست، في حين كان يتوقع الاحتياطي الفدرالي تراجع التضخم إلى مستوى 2.5% تمهيدا لخفض متوقع في سعر الفائدة.
وكان ترمب انتقد مرارا عدم تخفيض سعر الفائدة بوتيرة سريعة، وأكد أن كيفين وارش -مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفدرالي بعد انتهاء فترة ولاية جيروم باول– سيسعى لتخفيضها.
ويؤدي خفض الفائدة إلى تراجع تكلفة القروض العقارية والشخصية للأمريكيين، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على تكلفة معيشتهم، لكن هذا الخفض قد لا يتحقق إذا استمرت الحرب في إيران وارتفعت أسعار النفط بشكل كبير.
يمتد تأثير ارتفاع سعر النفط والغاز الطبيعي المسال إلى حلفاء ترمب في أوروبا الذين لم يشاركوا في الحرب على إيران، لكنهم سيعانون من نتائجها.
وارتفع مؤشر الغاز الأوروبي "تي تي إف" بنسبة تقارب 50% ليصل إلى 47.80 يورو لكل ميغاواط ساعة، حسب ما أوردته فايننشال تايمز، وهي أكبر زيادة يومية منذ أكثر من 4 سنوات.
وانخفض مؤشر "ستوكس-600" لأسعار الأسهم الأوروبية -الاثنين- بنسبة 1.8%، وفق بلومبيرغ.
وحذر محللون من أن خسارة أوروبا إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط تعني فقدان 120 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وهي كمية تفوق ما خسرته أوروبا بعد وقف روسيا تصدير الغاز لها عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.
تأتي هذه التطورات في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي لتقليل وارداته من الغاز الروسي، وهي جهود قد يعرقلها توقف إمدادات الغاز من الخليج.
وعلاوة على التأثير المباشر لارتفاع تكلفة الطاقة على أوروبا، يظهر تأثير غير مباشر على أسعار المستهلكين الأوروبيين نتيجة زيادة تكلفة شحن السلع الواردة من الدول الآسيوية، التي لها علاقات تجارية واسعة مع أوروبا مثل الصين والهند .
وإذا طال أمد الحرب في إيران وارتفعت تكلفة معيشة الأمريكيين وزاد التضخم بسببها، فمن أن المنتظر أن يؤثر ذلك على مواقف الناخبين الأمريكيين عند التصويت في انتخابات الكونغرس القادمة.
ويرى الخبير الاقتصادي سلامة أن ارتفاع تكلفة البنزين والديزل، وزيادة تكلفة المعيشة -نتيجة حرب لا يريدها أغلب الأمريكيين- قد يؤدي إلى خسارة الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات القادمة، وهو ما سيمثل خسارة كبيرة لترمب، ويعكس رفضا من الناخبين لسياساته.
كما قد يتعرض ترمب لضغوط من قبل حلفائه الأوروبيين لخفض فترة الحرب مع إيران ومداها، بالنظر إلى آثارها السلبية على أوروبا، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي تقديم الدعم إلى أوكرانيا في حربها مع روسيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة