في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن الإعلان عن اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو تتويج لمسار تفاوضي طويل امتد نحو عقدين، وجاء في لحظة دولية مضطربة تعاد فيها صياغة قواعد التجارة العالمية تحت ضغط الرسوم والاصطفافات الجيوسياسية.
المشهد الرسمي الذي سبق الإعلان -بما حمله من مراسم واستقبال شرفي- لم يكن سوى واجهة لصفقة عميقة الدلالات، كما أظهر تقرير نديم الملاح، إذ يجتمع طرفان يمثلان معا نحو ربع الاقتصاد العالمي، في محاولة لاقتناص لحظة التحول وكسر منطق الاعتماد الأحادي.
التقارب المتسارع بين نيودلهي وبروكسل، الذي رصده التقرير، تُرجم إلى اتفاق وصفه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأنه "أمُّ الصفقات" بما يعكس حجم الرهان الاقتصادي، وكذلك التحول في التفكير الإستراتيجي لدى الطرفين.
ولم يولَد الاتفاق في فراغ، بل جاء مع تصاعد ما باتت تُعرف بالحرب التجارية، بعدما أعادت الرسوم الجمركية الأمريكية خلط الأوراق، ودفعت شركاء واشنطن وخصومها على السواء إلى البحث عن مسارات تجارية أقل هشاشة سياسيا.
اقتصاديا، يتكئ الاتفاق على قاعدة صلبة، إذ يبلغ إجمالي الناتج المحلي للطرفين نحو 27 تريليون دولار، ما يعادل 22% من الناتج العالمي، وهو وزن يمنح الاتفاق قدرة حقيقية على التأثير في اتجاهات التجارة والاستثمار العالمية.
ويستهدف الاتفاق توسيع حجم التبادل التجاري الذي تجاوز بالفعل 136 مليار دولار، مع فتح الأسواق أمام قاعدة استهلاكية تقارب ملياري نسمة، في واحدة من أوسع مناطق التجارة الحرة من حيث الكتلة السكانية والقوة الشرائية.
بالنسبة لأوروبا، يفتح الاتفاق السوق الهندية أمام منتجات كثيرا ما اصطدمت بحواجز مرتفعة، وفي مقدمتها السيارات والصناعات الدوائية والمنتجات الغذائية، بما يعزز تنافسية الشركات الأوروبية في سوق سريعة النمو.
في المقابل، تراهن الهند على تسهيل نفاذ صادراتها الطبية والنسيجية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعزز موقعها بوصفها سلسلة إمداد بديلة، وتدعم طموحها للتحول إلى مركز صناعي وتصديري عالمي.
هذا التوجه الأوروبي نحو الهند لا ينفصل عن سياق أوسع، إذ سبقه توقيع اتفاق مع دول "الميركوسور" في أمريكا الجنوبية، بعد مفاوضات استمرت 25 عاما، في إطار إستراتيجية تقوم على تنويع الشركاء وتقليل الأخطار.
كما يسعى الاتحاد الأوروبي بالتوازي إلى إعادة ضبط علاقته التجارية مع الصين، ضمن مقاربة تحاول تقليص التعرض للصدمات السياسية، دون الدخول في قطيعة اقتصادية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
في خلفية هذه التحولات، يبرز إدراك متزايد بأن الاقتصاد لم يعد مجالا محايدا، بل أداة جيوسياسية تُستخدم للضغط وإعادة التموضع، وهو ما عجَّل بإعادة رسم خريطة الشراكات التجارية العالمية.
من بروكسل، أوضح مراسل الجزيرة عبد الله الشامي أن الأوروبيين ينظرون إلى الاتفاق بوصفه الأكبر الذي يبرمه الاتحاد منذ عقود، مؤكدا أنه يخفض الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية إلى الهند بنسب قد تصل إلى 96%.
وبيَّن الشامي أن التخفيضات تشمل قطاعات محورية، منها السيارات والصناعات الدوائية والمنتجات الزراعية والغذائية، بما يمنح الاتفاق بعدا عمليا يتجاوز الإطار السياسي أو الرمزي.
وأشار إلى أن الاتفاق يأتي أيضا ردا مباشرا على الإجراءات الأمريكية الأخيرة، بسبب رسوم فُرضت على الاتحاد الأوروبي بنسبة 15% وعلى الهند بنسبة 50%، مما جعل تقاطع المصالح في هذه المرحلة أكثر وضوحا.
وبحسب التقديرات الأوروبية، فمن المتوقع أن يرفع الاتفاق حجم التبادل التجاري بين الطرفين بما لا يقل عن 50%، مع دخوله حيز التنفيذ خلال أسابيع، عقب تصديق البرلمان الأوروبي ونشره رسميا.
المصدر:
الجزيرة