يعيش الاقتصاد الليبي منذ أكثر من عقد في دوامة من الاضطرابات السياسية والانقسامات المؤسساتية، انعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطن وأثقلت كاهله بالضغوط المعيشية. فرغم أن ليبيا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا وتعتمد بنسبة تفوق 90% على صادرات النفط لتمويل موازنتها العامة، وفق بيانات صندوق النقد الدولي ، فإن هذا الاعتماد الأحادي على النفط جعلها شديدة الهشاشة أمام أي تقلبات سياسية أو نزاعات مسلحة تؤدي إلى إغلاق الحقول والموانئ، وهو ما تسبب في تذبذب الإنتاج وتراجع الإيرادات بشكل متكرر.
هذا الواقع الاقتصادي المعقد ترافق مع عجز مزمن في الموازنة العامة، ومع وجود نظام مالي مزدوج بين شرق البلاد وغربها، وهو ما جعل البنك المركزي الليبي -بوصفه أعلى سلطة نقدية- في قلب صراع سياسي واقتصادي مفتوح بين الأطراف المتنافسة.
ومطلع أبريل/نيسان الماضي، أعلن المصرف خفض قيمة الدينار بنسبة 13.3% مقابل الدولار، ليرتفع السعر الرسمي من 4.48 إلى 5.5677 دنانير للدولار الواحد.
وجاءت هذه الخطوة عقب تسوية أزمة إدارية حادة شهدها المصرف أواخر 2024، حين تنازع جناحان على منصب المحافظ وأدارا سياسات متضاربة، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق مؤقت أعاد توحيد المؤسسة على نحو هش.
خفض قيمة الدينار ترافق مع تقليص الضريبة المفروضة على شراء النقد الأجنبي من 20% إلى 15%، لكنه انعكس مباشرة على معيشة المواطن. فقد ارتفعت أسعار السلع المستوردة، وتزايدت تكاليف السفر والعلاج والدراسة، وهو ما ضاعف الضغوط على الأسر الليبية التي تعاني أصلا ضعفا في القوة الشرائية.
ويزيد الصورة قتامة وجود سوق موازية (سوداء) للعملة، حيث يتداول الدولار عند مستوى يقارب 7.50 دنانير، أي بفارق يتجاوز 30% عن السعر الرسمي. هذه الفجوة لا تعكس فقط شح العرض النقدي الرسمي، بل تجسد أيضا أزمة ثقة مزمنة بالمؤسسات المالية.
وتتضاعف الأزمة مع انتشار عملات مزورة يُعتقد أن جزءا منها طُبع في روسيا خلال السنوات الماضية لدعم أحد أطراف الصراع، مما أربك عمليات التداول النقدي وأضعف الثقة بالعملة المحلية. وقد اضطر المصرف المركزي منذ 2020 إلى تنفيذ حملات لسحب بعض الإصدارات من التداول، والتشديد على التعامل عبر المنظومات المصرفية الرسمية لتقليص مخاطر السيولة المزيفة، بيد أن آثار هذه الحملات ظلت محدودة في ظل ضعف السيطرة على كامل الجغرافيا الليبية.
أمام هذه التحديات، لجأ مصرف ليبيا المركزي إلى إطلاق ما تُعرف بـ"منصة حجز العملة الأجنبية" أو "منظومة الأغراض الشخصية"، وهي قناة إلكترونية رسمية تهدف إلى بيع النقد الأجنبي للمواطنين بالسعر الرسمي وبسقف سنوي يبلغ 4 آلاف دولار للفرد. والهدف المعلن لهذه المنصة هو تنظيم الطلب على العملة الأجنبية، وتعزيز الشفافية ، والحد من اعتماد الأفراد على السوق الموازية.
المنصة ليست تجربة جديدة تماما، فقد أُطلقت لأول مرة عام 2017، ثم أعاد المركزي تفعيلها وتحديثها مطلع 2024، محددا سقفا سنويا يبلغ 4 آلاف دولار للفرد الواحد، حسب بيانات رسمية صادرة عن المصرف. وفي يوليو/تموز 2025، دشّن المصرف مرحلة تجريبية لنسخة مطورة من المنصة عبر "نظام إدارة النقد الأجنبي"، الذي صُمم ليكون بوابة موحدة تتيح خدمات للأفراد وكذلك للشركات.
وحسب بيان المصرف، جرى التشغيل الكامل للمنصة في الأول من أغسطس/آب الجاري، مع توسيع نطاقها لتشمل المواطنين والشركات الراغبة في تقديم طلبات اعتمادات مستندية، وهي آلية مصرفية معروفة بتمويل استيراد السلع والتأكد من سداد قيمتها.
آلية عمل المنصة تتدرج عبر خطوات واضحة:
ويُشترط أن يكون المستفيد مواطنا ليبيا فوق 18 عاما، يمتلك رقما وطنيا وجواز سفر ساريا، وحسابا لدى مصرف مشارك. كما يُلزم باستخدام المخصصات في حدود 4 آلاف دولار سنويا فقط، مع إمكانية طلب مستندات داعمة، مثل قبول جامعي أو فاتورة علاجية عند الضرورة.
خلال المرحلة التجريبية في 2025، جرى تسجيل أكثر من 1600 شركة، وتم اعتماد ما يزيد على 1600 طلب اعتمادات مستندية بقيمة تجاوزت 1.6 مليار دولار. أما بالنسبة للأفراد، فلم تصدر بعد بيانات رسمية شاملة حتى 27 أغسطس/آب 2025، مما يجعل الحكم النهائي على التجربة مرهونا ببيانات لاحقة.
ورغم أن السقف المقرر يغطي احتياجات أساسية مثل رحلة سفر قصيرة أو جزء من مصاريف دراسة أو علاج، فإنه يظل غير كافٍ لتغطية برامج التعليم الطويلة أو العلاجات المكلفة. كما أن فعاليته تبقى مرتبطة بالسعر الرسمي المحدد، بينما يضطر كثيرون إلى اللجوء للسوق الموازية لتغطية الفارق. وهنا يؤكد صندوق النقد الدولي -في تقاريره- أن هذه الإجراءات ليست بديلا عن إصلاح شامل لسوق الصرف وتوحيد الأسعار.
يقدم المصرف المركزي المنصة باعتبارها أداة إصلاحية ذات أهداف متعددة:
لكن في المقابل، تبقى هناك مخاطر واضحة، إذ إن نجاح التجربة مشروط باستقرار إمدادات النقد الأجنبي، وعدم تعليق المنصة بشكل مفاجئ كما حدث في تجارب سابقة، وهو ما قد يقوض ثقة المواطنين ويعيد الضغط إلى السوق الموازية.
وفي تصريح للجزيرة نت، قال المحلل الاقتصادي وحيد الجبو إن المنصة الجديدة تمثل فرصة للقطاع الخاص، إذ تتيح للتجار إدخال فوائض عملاتهم الصعبة قانونيا عبر المنافذ الرسمية وإيداعها في المصارف المحلية، لكنه شدد على ضرورة رفع القيود تدريجيا عن التحويلات الخارجية مع إعطاء الأولوية لاستيراد المعدات والمواد التشغيلية، بينما تُنتج السلع الاستهلاكية محليا أو تُستورد بكميات محدودة.
وحذر الجبو من مخاطر انخفاض الاحتياطي الأجنبي في حال تراجع إنتاج النفط أو إغلاق الموانئ، إضافة إلى تفاقم الدين العام بفعل سوء الإدارة، وأوضح أن نجاح المنصة مرهون بإعادة الثقة بين المصارف والزبائن، مشيرا إلى أن أي عجز عن سحب الودائع الدولارية سيقوّض التجربة.
كما رأى أن فتح الحسابات بالدولار قد يحد من التهريب، لكنه لن يقضي على الفساد والمضاربة، داعيا المصرف المركزي إلى الإبقاء على بيع العملة طوال العام لتفادي ضغط السوق السوداء، وختم بالتأكيد على حساسية سرية بيانات المودعين، لافتا إلى أن سقف 4 آلاف دولار سنويا يبقى غير عادل بالنظر إلى تفاوت الدخول، وهو ما يبقي السوق الموازية قوية لانتمائها إلى اقتصاد الظل.
في المحصلة، تبدو منصة "الأغراض الشخصية" خطوة إصلاحية محدودة في مسار طويل ومعقد لإدارة الاقتصاد الليبي. فهي تتيح للمواطنين متنفسا للحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي وتحدّ نسبيا من المضاربة في السوق الموازية، لكنها لا تمثل حلا شاملا للأزمة.
إذ يظل الاقتصاد الوطني أسيرا لاعتماده شبه الكلي على عائدات النفط، وبقائه عرضة للتقلبات السياسية والانقسامات المؤسساتية التي تعرقل أي سياسة نقدية أو مالية مستقرة.
ومع أن المصرف المركزي يسعى عبر هذه المنصة إلى ضبط الطلب على العملة الأجنبية وإرساء قدر من العدالة بين المواطنين، فإن نجاحها مرهون بجملة من الشروط الأعمق:
وفي غياب استقرار سياسي وأمني حقيقي، تبقى مثل هذه الإجراءات أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى إنهائها. أما الرهان الأكبر، فيظل متعلقا بقدرة ليبيا على استعادة ثقة الداخل والخارج باقتصادها ودينارها، عبر رؤية تنموية طويلة الأمد تضع المواطن في صميم الأولويات وتفتح الطريق أمام استثمارات منتجة تعيد التوازن لعجلة الاقتصاد وتخفف من ارتهانه لتقلبات النفط والصراع السياسي.