الشريعة الكونية للحضارة الإسلامية
إن جواب السؤال الحضاري الكبير، للرؤية الكونية الإسلامية كبديل عالمي للحياة البشرية التي تشمل النظام العالمي المدير لقوانين الأرض، وعلاقات الشعوب والأمم، يعتمد على عرض أدلة المرجعية القانونية العليا، لهذه الرؤية التي ترتكز على القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية بمقاصدها، ثم ما اتفق مع قواعد تشريعاتها الكبرى ومفاصل قانونها في الأرض، من علم المسلمين وتجربتهم بين العالمين.
وتأكيدنا على علو هذه النصوص في القانون المطلق لحياة الأرض، ليس من قبيل الجدل التفصيلي الذي يثيره بعض منابر التراث في الفروع أو تياراته الحديثة، حتى وكأن الإسلام جزر تصارع بعضها بعضا، فهذا أول خلل أُحدث في تاريخ التشريع الإسلامي، وبالذات في أمن الدولة المسلمة وحقوق رعاياها، وضمان أن يسود فيها العدل، ومسؤولية الحاكم التي تضمن حق التعبير في الدفاع عن تفسير الشريعة الحقوقي والسياسي، وتنزيلها لصالح إرادة الله في العدل بين الناس.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 كوابيس الآباء والمعلمين في إيران بعد فاجعة ميناب
* list 2 of 2 “غزة تتمسك بصورتها كحياة”.. 4 عقود من توثيق ذاكرة الفلسطينيين بعدسة الفرنسية جوس دراي end of list
تمكنت شرائع الظلم والفساد الشامل في أصل الأخلاق البشرية ثم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتردي أحوال العالم وظهور الفساد في البر والبحر، خلافا للرضا الإلهي، رغم أن وقوع هذا الشر، جرى تحت قدره لقيام سنن الابتلاء.
ولذلك جاء إنذار النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وحديث البخاري هذا، جاء في معرض خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع كبيان كوني لأمته وللعالم من بعده.
ومع أن بدء الصراع الدموي المروع، كان في عهد النخبة الأولى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا القتال دفع له أصحاب مصالح وأهواء، حتى هيمن بنو مروان على الحكم، ثم انتُزع منهم دمويا أيضا، بدعوة تشيع لبني العباس، بحجة رد الأمة إلى العدل، والقصاص لمظالم آل البيت. فأدركنا الحقيقة بتوثيقات مهمة من علماء المسلمين، وما ثبت بنقل صحيح من وصف لظلم هذا التاريخ، ثم نظام عمر بن عبد العزيز المنقذ، الذي مثل إرادة الاسترداد لشريعة العدل، بإجماع لا نظير له بين الأمة.
هنا نفهم تاريخ الخلل الذي طرأ على دعوى تحكيم قانون الشريعة، وقُتل تحته خليفتان وعظماء من الصحابة، وخاصة أن العدل السياسي يرتد لصالحه كل مدارات التعامل في فقه المعمورة، حين يكون النظام الدولي في قبضة قوة خير، أو كان تحت بأس قوة شر، والذي تردى هذا العالم الحديث تحتها، ومن قبله عهود الدماء في التاريخ القديم.
إن هذا البيان التمهيدي، يجب أن يثبت قبل أن يتابع مدار الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، مهمة المؤلف الخلاق، والمؤلف الخلاق هو النموذج الثالث، الذي لا يزال دوره ضعيفا في الجدل الحضاري للفكر الإسلامي المعاصر، والمقصود بالمؤلف الخلاق هو تغطية النموذج المعرفي المقابل لما بعد هدم جوهر الحداثة، ولسنا نعني بالضرورة قلة الإسهامات، ولكن ندرة حضورها، وانتخابها من كتب المتقدمين والمتأخرين، ومن ثم إعادة طرح سياقها ضمن مشروع الرؤية الكونية للإسلام.
إن مهمة المؤلف الهدام هي أنه احتاج واحتاج العالم من حوله، إلى هدم جوهر الحداثة، وحين نقول هدم الجوهر، فنحن لا نقصد أي فوائد علمية أو عملية أنتجها العقل التجريبي الحديث، فساهم في مصالح البشر، وإن كان بعض هذا المنتج، يتم تسخيره خارج الشرعية الأخلاقية الفطرية للإنسان، وعليه يعاد النظر في مآلات تنزيله على الرحلة البشرية.
إن الجهود الكبيرة التي استؤنفت في الزمن الأخير، وجمعت ما بين المسيري وطه عبد الرحمن ووائل حلاق، وكان لرينيه غينون سبق فيها، وهي تبصرة العالم لمآلات الحداثة، كمؤلفين هدامين للباطل، لا تزال تنتظر ميلادا جديدا لجيل معاصر من رسل الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، وقلنا رسل بالمعنى المجازي، لأن مهمتهم مرتبطة ببعد أخلاقي رفيع، في زمن يكاد العالم ينهار على ذاته، لكثرة الفساد في الكوكب الصغير، لجرائم مشاريع الحداثة الغربية.
إن قصة المركزية الأخلاقية وشمولها في التشريعات الإسلامية، تقدم في أجوبة متعددة، لما يطرأ من اعتراض على نقضنا ونقدنا للنظام العالمي الحديث، من أسئلة تحتج بوقائع أو فقه خاطئ ورد في تاريخ المسلمين في عهود انحطاطهم حتى اليوم الذي ارتكز على الانحراف الأول. ولاحظ هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض!» في خطبة الوداع يوم الحج الأكبر.
فهل كفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بصراعهم؟ كلا، هذا ليس كفر ملة، وإنما مخالفة هدي.
وإن كان هناك قلة ارتدت، وهناك من دخل عليه من الضعف ما دخل، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا سواء، كما أن بعض الظروف أو حتى الأخطاء، وتأثير المصالح أو النزعات الاجتماعية يرد عليهم، كما بينا تفصيله في كتاب فكر السيرة، لكنهم بالجملة وخاصة بقيادة صفوتهم أبي بكر وعمر حملوا أمانة البلاغ، وتثبيت المجتمع العربي لحمل الرسالة، ثم إيصالها للمعمورة، كدعوة إنقاذ وبلاغ إيمان، ونظام إحسان يجد الإنسان نفعه بين يديه، ويحرر له سؤال الوجود الأكبر، ومصدر التشريع الأعلى.
من هنا نفهم أن ما طرأ من انحراف في قضايا فقهية أو ممارسات اجتماعية أو مظالم سياسية وعسكرية أكانت تبعا لتدخل الظلم القديم للمستبد، أو كانت بسبب قلة إدراك أصول التنزيل الواقعي لقانون الشريعة، وفوات البناء على المحكمات في الكتاب والسنة، وإهمال العمل بالسنن الكونية، لا يمثل مقصد القانون الأعلى للتشريع، الذي سنتابع التحرير فيه مستقبلا، ولكنها أزمة الخلل الذي ارتد لضعف المسلمين وأسقط العدل بينهم.