من فلسطين إلى أمريكا اللاتينية.. كيف تحولت كاميرا السينما إلى سلاح ضد نسيان التاريخ؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عالم تملك فيه الإمبراطوريات الإعلامية الكبرى قدرة هائلة على صناعة الصورة وتصدير روايتها إلى العالم، يبرز سؤال ملح في بلدان الجنوب العالمي: من يكتب تاريخنا؟ ففي الكثير من المناطق التي أنهكتها الحروب والتحولات السياسية، يغيب الأرشيف الرسمي، أو يُكتب بعيون السلطة وحدها. وهنا تحديدا تتحول كاميرا المخرج المستقل من أداة فنية إلى وسيلة مقاومة ضد النسيان.
وسط هذا الفراغ، برزت "سينما الذاكرة " بوصفها أرشيفا بصريا موازيا؛ أفلام تنشغل بإنقاذ الحكايات الهامشية، وتوثيق تفاصيل الناس العاديين قبل أن تبتلعها التحولات المتسارعة
السينما المستقلة.. أرشيف بديل للحكاية
لم تكن السينما المستقلة في بلدان الجنوب مجرد محاولة للهروب من كلفة الإنتاج الضخم، بل اتجهت باكرا إلى صناعة سرديات مقاومة للاستعمار الثقافي والصور النمطية الغربية. تجلى ذلك منذ أواخر الستينيات عبر تيار "السينما الثالثة " في أمريكا اللاتينية (على يد مخرجين مثل فرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو) لتنتقل أفلامها إلى الشارع وتعبر عن همومه اليومية.
وامتد هذا الوعي سريعا نحو أفريقيا، حيث أسس المخرج السنغالي عثمان سمبين سينما تُعد "مدرسة مساء " للشعوب المهمشة؛ ففي فيلمه "فتاة سوداء " (عام 1966)، وظّف سمبين الصمت وحركة الجسد واللغة المحلية كأدوات احتجاجية للدفاع عن الهوية الإنسانية في مواجهة "الاستعمار الجديد ".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 "شهرزاد المغربية التي لم تفاوض الخوف".. سيرة مفكرة خلقت نسوية متصالحة مع التراث
* list 2 of 2 سبعون عاما على مهرجانات بعلبك.. ذاكرة الحجارة التي تقاوم ثقل الحروب ومحطات الغياب end of list
(تريلر فيلم "Black Girl " للمخرج عثمان سمبين)
وفي العالم العربي, يظهر هذا الدور بوضوح في تجربة المخرجة العراقية ميسون الباجه جي عبر فيلم "كلشي ماكو "، الذي تحوّل إلى وثيقة بصرية عن بغداد عام 2006. الفيلم يتتبع تفاصيل الحياة اليومية، ولهجات الناس، والعلاقات الاجتماعية التي بدأت تتآكل تحت ضغط العنف الطائفي، بالتوازي مع حضوره السياسي الواضح.
تكمن قوة الفيلم في اعتماده على تعدد الأصوات بدلاً من البطل الواحد؛ إذ يفسح المجال لشخصيات عادية كي تروي مخاوفها وأحلامها الصغيرة، فيتحول العمل إلى ما يشبه الأرشيف القادم من الأسفل، حيث تصبح الحياة اليومية نفسها مادة للتوثيق.
أما المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، فقد اختار طريقا مختلفا لتوثيق الذاكرة الفلسطينية؛ إذ اعتمد على السخرية البصرية والعبث اليومي بدلا من الخطاب المباشر. في أفلام مثل "يد إلهية "، و "إن شئت كما في السماء "، تتحول التفاصيل الصغيرة — الانتظار عند الحواجز، النظرات الصامتة، أو مشهد عابر داخل الحي — إلى أدوات لفهم ثقل الاحتلال على الحياة اليومية.
يعتمد سليمان على الصورة والمفارقة والسكون لالتقاط ما هو أعمق من الخطاب السياسي المباشر. وهكذا تتحول أفلامه إلى أرشيف بصري للوجدان الفلسطيني، يوثق المشاعر اليومية بقدر توثيقه للأحداث الكبرى.
(تريلر فيلم "It Must Be Heaven " للمخرج إيليا سليمان)
الصراع على الذاكرة
"الصراع في كثير من بلدان الجنوب العالمي ليس صراعا على الأرض أو السلطة فقط، بل على الذاكرة أيضا. تغييب الأرشيف يخلق فجوات داخل السردية الجماعية، ويدفع بتجارب المهمشين وضحايا الحروب إلى خارج التاريخ الرسمي المعترف به " – الباحث في علم الاجتماع، صهيب الزبيدي لـ "الجزيرة نت "
ويضيف الزبيدي أن غياب الذاكرة المشتركة يفتح الباب أمام هيمنة رواية أحادية للحدث التاريخي، فيما تتحول بقية التجارب الإنسانية إلى أصوات غير مرئية. ولذلك فإن أزمة الأرشيف في هذه البلدان هي أزمة وثائق وأزمة اعتراف وذاكرة وانتماء.
أمام هذا التغييب، تكتسب المبادرات المستقلة شرعيتها بوصفها شكلا من أشكال مقاومة النسيان؛ فهي تعيد إنتاج الماضي بوصفه موردا حيا للهوية، وتسعى لإعادة بناء ذاكرة جمعية تعبّر عن الناس الحقيقيين وتمنحهم فرصة لرؤية ذواتهم داخل سردية مشتركة، بعيدا عن النسخة الرسمية المغلقة للتاريخ.
الذاكرة الشفهية في مواجهة الزوال
في منطقتنا العربية، كما في كثير من دول الجنوب، تنتقل الذاكرة عبر الحكاية والأغنية والمقام والمأثور الشعبي أكثر مما تنتقل عبر الكتب والمؤسسات. لكن هذا الإرث يواجه اليوم خطرا حقيقيا بسبب غياب التوثيق المنظم، ورحيل كبار السن الذين يمثلون "الخزائن الحية " لهذه الثقافات، إضافة إلى التحولات العمرانية السريعة التي تبتلع الأحياء القديمة وملامحها الاجتماعية.
وهنا تتقاطع السينما مع المبادرات الثقافية والتحقيقات الميدانية المعنية بجمع الذاكرة الشفهية.
"الذاكرة الشفهية تقاوم السردية السلطوية المكتوبة وفق أنظمة أرشفة بيروقراطية تتعامل مع الإنسان بوصفه رقما مجردا. قد تكشف الوثائق حجم الانتهاكات، لكن شهادات المهمشين تنقل الحقيقة بلا مونتاج، وتعيد الاعتبار لأصوات الضحايا " – الصحفي الاستقصائي ميزر كمال لـ "الجزيرة نت "
ويرى كمال أن السينما هنا تكمل دور الصحافة؛ فالصحافة توفر المادة الخام، والسينما تحوّلها إلى تجربة بصرية وعاطفية يصعب نسيانها. هذا التداخل بين الوثيقة والكاميرا ينتج ما يمكن تسميته بالأرشيف الشعبي القادم من الأسفل، وهو أرشيف يحمي الذاكرة الجماعية من المحو، ويقاوم اختزال التاريخ في رواية السلطة وحدها.
وفي سياق التحولات العمرانية المتسارعة، تستعاد تجربة المصور التركي آرا غولر، الملقب بـ "عين إسطنبول "، والذي كرّس عدسته لتوثيق المدينة القديمة قبل أن تغيّرها الحداثة العمرانية. واليوم تحولت صوره إلى ذاكرة بصرية أساسية للأتراك، بعدما اختفت كثير من ملامح إسطنبول القديمة من الواقع. ومن هنا، تبدو مهمة صناع الأفلام والموثقين أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ فالكاميرا تحولت إلى وسيلة لحفظ الأمكنة والأصوات والتفاصيل اليومية قبل اندثارها.
تحديات التمويل والوصول
رغم الأهمية الثقافية الكبيرة لسينما الذاكرة، فإن صناعها في الجنوب العالمي يواجهون تحديات معقدة، أبرزها ضعف التمويل المحلي، والاعتماد على جهات تمويل خارجية قد تحاول فرض زوايا رؤية محددة، فضلا عن الرقابة الحكومية التي تنظر بريبة إلى أي توثيق حر للواقع.
يشير المخرج والمصور محمود الدخيل، في حديثه لـ "الجزيرة نت "، إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في الوصول الحقيقي إلى المجتمعات المهمشة بعيدا عن الصورة النمطية التي ترغب بعض الجهات في تصديرها عن بلدان الجنوب. ويقول إن الرهان الحقيقي يكمن في "البحث عن القصة الجمعية دون الارتهان لفكرة البطل الخارق "، مؤكدا أن الجمهور بات أكثر حساسية تجاه أي تلاعب بصري أو عاطفي قد يفرضه المونتاج أو البناء الدرامي.
ومع ذلك، فتحت الثورة الرقمية نافذة جديدة لهذه السرديات. فصعود المنصات الرقمية، وانتشار أدوات التصوير منخفضة التكلفة، سهّلا عملية التوثيق والوصول إلى الجمهور، بعدما كانت هذه الأفلام رهينة لدور العرض التقليدية وشروط الموزعين. كما ساهمت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي في منح الموثقين فرصة للأرشفة الفورية للحياة اليومية قبل اختفائها. وهكذا أصبحت القصص المحلية قادرة على الوصول مباشرة إلى جمهور عالمي، متجاوزة قيود الرقابة التقليدية.
ولعل واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن قوة "سينما الذاكرة " اليوم تتجلى في الأفلام التي خرجت من غزة خلال الحرب الأخيرة، حيث تحولت الكاميرا إلى شاهد حي على تفاصيل الإبادة والحياة اليومية معا. ويبرز هنا الفيلم الوثائقي الذي تناول حكايات أطباء غزة داخل المستشفيات المحاصرة، والذي حصد جائزة "بافتا " (BAFTA)، بوصفه مثالا على قدرة الصورة المحلية على اختراق السردية العالمية والوصول إلى جمهور واسع خارج حدود الجغرافيا والسياسة.
الفيلم، إلى جانب توثيقه للحرب، يحاول إنقاذ الذاكرة الإنسانية لمن عاشوا تحت القصف؛ أطباء يجرون العمليات تحت انقطاع الكهرباء، ووجوه منهكة تواصل العمل وسط الركام، وأصوات منشغلة بالنجاة أكثر من انشغالها بالبطولة. وهكذا تتحول الكاميرا مرة أخرى إلى أداة لحماية الحقيقة من التلاشي، وإلى أرشيف بصري يواجه محاولات المحو والنسيان.
فـ "سينما الذاكرة " في الجنوب العالمي تبدو اليوم أقرب إلى مشروع لحماية الحكاية الإنسانية من الضياع؛ محاولة مستمرة لاستعادة أصوات الناس العاديين قبل أن تتلاشى بفعل الصمت أو الخراب.