في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تنتمي السوسيولوجية المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي (1940-2015) إلى رعيل الأقلام الفكرية العربية الأكثر تجديدا على مستوى البحث السوسيولوجي؛ إذ جاءت كتاباتها غزيرة من ناحية الكم وغنية على مستوى النوعية، مستبدلة السوسيولوجيا الأكاديمية الجامدة بأخرى ذات نزعة حفرية تنقّب في الحريم والإسلام والديمقراطية والأيديولوجيا والمرأة والجسد.

وهي موضوعات شكلت أفقا لبناء مشروع سوسيولوجي خرج من رحم الجامعة ليخترق بنية الثقافة العربية المعاصرة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 حين يُفتي خبير الأمن.. لماذا يستحيل الظلم على الله في الإسلام؟
* list 2 of 2 أليكس كارب.. فيلسوف الإبادة الذي باع روحه لترمب وإسرائيل end of list

وجعل هذا المشروع العلمي من المرنيسي إحدى العلامات البارزة في تاريخ السوسيولوجيا المغربية. وحرصت "شهرزاد" المغربية في السنوات الأخيرة من حياتها على تحرير كتاباتها من الرقابة العلمية الأكاديمية المتيبّسة، صوب كتابة حفرية تعطي قيمة أكبر للجسد على حساب العقل.

وتطالعنا مؤلفات من قبيل (نساء على أجنحة الحلم) و(شهرزاد ترحل إلى الغرب) و(سلطانات منسيات) باعتبارها مؤلفات متحررة من السوسيولوجيا الكلاسيكية كما مارسها بول باسكون وعبد الكبير الخطيبي في بداياتهما؛ أي أنها كتابة لم تعد تراهن على المنهج السوسيولوجي الصارم في تحليل الظواهر الاجتماعية بقدر ما أصبحت تتعامل مع التاريخ بوصفه بنية للتحليل، والفكر بوصفه آلية لإدانة الواقع وجرحه.

مصدر الصورة سلطانات منسيات يعتبر من مؤلفات المرنيسي المتحررة من السوسيولوجيا الكلاسيكية (الجزيرة)

التنقيب في الحريم السياسي

اتخذت كتابات فاطمة المرنيسي عن الحريم السياسي طابعا حفريا يعطي قيمة معرفية للماضي، إذ عملت جاهدة على تفكيكه والكشف عن نتوءاته من خلال مفاهيم ترتبط بالحريم في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.

وهذا النزوع صوب الفكر لم يرتبط بالمرنيسي وحدها، بل بمختلف علماء الاجتماع المغاربة الذين وجدوا أنفسهم منذ السبعينيات يكتبون نصوصا فكرية أصيلة تتجاوز التحليل السوسيولوجي الجاف.

إعلان

بيد أن هذا الاختيار الأنطولوجي بالانتماء إلى الفكر على حساب علم الاجتماع لم يكن ثمرة تفكير ذاتي فحسب، بل كان يضمر في ذاته جرحا غائرا؛ بسبب ما ألمّ بعلم الاجتماع آنذاك من تضييق رسمي، تكلل بإغلاق معهد السوسيولوجيا عام 1970.

ووجدت الأقلام البحثية نفسها مضطرة للتخفيف من حدة نبرتها النقدية وتقاريرها الميدانية التي كانت تعري واقع السلطة والجسد والدين والمنظومة الاجتماعية.

ولم يكن اختيار المرنيسي للتنقيب في موضوع "الحريم" مدفوعا بالمنع فقط، بل تبيّن لاحقا أنه خيار ذاتي علمي جعلها تفتح جبهة قوية لمناقشة التراث الفكري الغربي المعاصر. فقد وجهت صاحبة كتاب (ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية) نقدا لاذعا للنظرة الاستشراقية الغربية التي طالما نظرت إلى المرأة العربية الإسلامية وفق آلية أيديولوجية تحصرها في إطار "الغرائبية" (Exoticism) التي كرستها الأقلام الاستشراقية منذ نهاية القرن التاسع عشر.

ولم يسلم هذا الاختيار من التأثر بالمناخ السياسي الذي عاشه المغرب آنذاك، والذي أثر في مسار السوسيولوجيا المغربية، بعدما وضع محمد جسوس وبول باسكون وعبد الكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي دعائم سوسيولوجيا وطنية متحررة من الرطانة الأيديولوجية الغربية، صوب الانفتاح على الواقع المغاربي وما يحبل به من مآزق وتصدعات. ولم تجعل المرنيسي من المغرب وحده مختبرا للتفكير، بل جعلت من الجغرافيا العربية الإسلامية أفقا لطرح الأسئلة الحارقة حول مصير مفاهيم المرأة والديمقراطية والحداثة.

الخطاب السوسيولوجي المرن

وفي حديث خاص مع "الجزيرة نت"، يرى الناقد والأكاديمي د. يحيى بن الوليد أن فاطمة المرنيسي نجحت في ضمان تداول متفرد لخطابها على نطاق واسع ضمن لها تقديرا عالميا؛ إذ صنفتها صحيفة "الغارديان" البريطانية عام 2011 ضمن لائحة المناضلات المئة الأكثر تأثيرا في العالم.

ويضيف بن الوليد: "المرنيسي لم تسقط، في أي من كتبها أو مداخلاتها، في دعاوى الاجتثاث أو الاستفزاز أو إهدار السياق الديني؛ كما أنها لم تقل بـ«الثورة النسائية التي تسبق الثورة الاجتماعية» التي نظرت لها سيمون دو بوفوار في النسوية الغربية، وذلك بفضل طبيعة تحليلاتها المرنة والذكية".

ظلت المرنيسي منتظمة في النقد النسائي طوال مسارها، ولم تسقط في مصيدة السجال مع منتجي «أسلمة المرأة» القائم على التنابذ والتناطح. فالرجل في نظرها ليس هو العدو دائما، لأنه بدوره يقع ضحية الفكر الذكوري الجارف؛ لذا صوبت نقدها نحو التفسير الذكوري للإسلام ونحو «الرأسمالية التبعية»

ويتابع صاحب كتاب «فاطمة المرنيسي: في سياقها المغربي» حديثه للجزيرة قائلا: "مهما كان الخلاف حولها، فقد ارتقت دونما ارتهان لأي مؤسسة -من غير مؤسسة الفكر- إلى بلورة خطاب قوي يعتمد على النقد الفكري والتأويل التاريخي، ودونما تفريط في سند الخيال وتوابل الثقافة الشعبية والتجربة الذاتية".

ولهذا السبب، أدركت المرنيسي كيف تتحرر من "الانغلاق المعرفي السكولاستيكي (Scholastic)" والأكاديمي المتمركز حول الذات، متجهة نحو ما يمكن نعته بـ "المعرفة الملتزمة". ويحيل بن الوليد هنا على مقال السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو (من أجل معرفة ملتزمة) الذي أكد فيه أن التمييز بين الأكاديميا والالتزام هو تمييز مصطنع، وهو الالتزام الذي جعل منجز المرنيسي يفيد في "تهوية التحليل" والابتعاد عن لغة الإبهام.

الخوف من الحداثة

تبدو هذه النزعة المعرفية واضحة المعالم في كتابها "خوف من الحداثة: نزاع الإسلام والديمقراطية"، الذي صدرت ترجمته العربية حديثا بتوقيع الحسين سحبان وتقديم محمد طوزي؛ حيث تستعيض المرنيسي عن وسائل المعاينة السوسيولوجية الميدانية بأدوات التحليل الفكري، لتتحول الكتابة عندها إلى خطاب فكري يتعامل مع الظاهرة الاجتماعية بوصفها قضية فكرية فلسفية.

إعلان

وفي كل سطر من كتاب (خوف من الحداثة)، تجعل صاحبة (الحريم السياسي) من التاريخ أرضية خصبة لاستلهام السياقات بطريقة تبرز المنهج الحفري والتاريخي الذي اعتمدته، متوقفة عند أحداث سياسية معينة لفهم كيف تسهم في التأثير في المسار التاريخي للأفكار والمعتقدات، ليكتشف القارئ عمق الظاهرة انطلاقا من التاريخ لا الواقع الآني.

مصدر الصورة في "خوف من الحداثة: نزاع الإسلام والديمقراطية" تستبدل المرنيسي وسائل المعاينة السوسيولوجية الميدانية بأدوات التحليل الفكري (الجزيرة)

وبرغم أن المنهج التاريخي حظي بنقد كبير من علماء الاجتماع الكلاسيكيين الذين يرون أن السوسيولوجي ينطلق من الحاضر لتفكيك الواقع معتمدا على معطيات داخلية، فإن الوعي بهذه المفارقة دفع فاطمة المرنيسي في مؤلفاتها الأخيرة إلى عدم حصر كتاباتها في نطاق السوسيولوجيا الجافة. لقد اعتمدت على كتابة فكرية تتأرجح بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، تمنح القارئ متعة تلقي الكتاب الفكري كأنه حكاية تروى، لكنها حكاية يتخفف فيها السرد لصالح التأمل والتحليل التاريخي.

ويستغرب القارئ لكتاب (خوف من الحداثة) كيف شرعت المرنيسي في تفسير العلاقة بين الإسلام والديمقراطية عبر تفكيك قضايا تعوق هذه الثنائية؛ مثل الغرب والطاعة وحرية التفكير والفردانية والحجاب، معطية لهذا الاستعصاء طابعا تاريخيا محضا.

وفي هذا الصدد، يقول عالم الاجتماع د. محمد طوزي في تقديمه للكتاب:

تجرأت المرنيسي على منح قيمة إيجابية لمفاهيم مثل الشرك والهوى، على قدر ما منحتها للمفهوم المركزي: الرحمة. وأعادت الاعتبار لمرحلة ما قبل الإسلام عبر تحليل دقيق للآلهة الإناث، لتنسج لحمة يختلط فيها عرب الجاهلية والخوارج والحلاج والمعتزلة، لتقدم تحليلا عميقا وناسفا حول أسس السلطة في بلدان الإسلام وإمكانية تحرير المجتمعات وبلوغ الحداثة

إن هذا السفر المركب في دواليب الزمن (علما أن الكتاب كُتب بالأصل عام 1992) هو ما يمنح النص خصوصيته وصعوبته الفكرية؛ فهو ليس مجرد نص عابر، بل مختبر تنبع منه أطاريح تنحت سيرتها وفق ثالوث: الحداثة والديمقراطية والإسلام. فالخوف من الحداثة له شروط تاريخية في نظر المرنيسي، وأزمة الخوف تنبع من الماضي وليس بسبب رفضنا لها في الحاضر. ومن ثم، ينبغي الاهتمام بتفكيك القضايا الماضية لتخليص المجتمع من التعصب، لصالح إسلام منفتح لا يخاف من الحداثة ومباهجها.