في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في فضاء مفتوح، في زغوان، لم ينتظر الأطفال هذه المرة طويلا للذهاب إلى قاعة سينما لمشاهدة فيلم، بل اجتمعوا حول شاشة كبيرة لمتابعة عروض سينمائية والمشاركة في ورشات فنية، ضمن تظاهرة “السينما جاية” التي تستضيفها المحافظة، في تجربة تحاول أن تجعل السينما أقرب إلى جمهور لا تتوافر في مدينته قاعات عرض.
لا تقتصر التجربة على مشاهدة الأفلام، إذ ترافقها ورشات موجهة إلى الأطفال والشباب، من بينها ورشات الرسم وصناعة لافتات مرتبطة بالأفلام والسينما، إلى جانب لقاءات وأنشطة ثقافية مختلفة.
وتقول رحمة العياري، وهي تلميذة من زغوان، في حديث للجزيرة نت، إن التجربة كانت فرصة لاكتشاف أشياء لم تكن تعرفها من قبل، مشيرة إلى أن المدينة لا تتوافر فيها فضاءات تتيح للأطفال الاطلاع على مثل هذه التجارب.
وتكشف شهادة رحمة جانبا من المشكلة التي تحاول هذه المبادرات معالجتها: فالوصول إلى السينما والثقافة في تونس لا يرتبط دائما برغبة الجمهور فيها، وإنما بوجود البنية الثقافية القادرة على استقباله.
من هذه الفجوة انطلقت فكرة “سينما تدور”، وهي مبادرة ثقافية تقوم أساسا على قاعة سينما متنقلة داخل شاحنة كبيرة، تنتقل إلى المناطق الداخلية التي تفتقر إلى دور السينما، وتقدم فيها عروضا سينمائية.
وتقول منسقة مبادرة “سينما تدور” خلود ميلي، في حديث للجزيرة نت، إن المشروع لا يقتصر على عرض الأفلام، إذ يتضمن أيضا ورشات متنوعة للأطفال والشباب. وفي زغوان، عُرضت أفلام تونسية، بينها أعمال جديدة، إلى جانب تنظيم أنشطة فنية موازية.
وتختلف طريقة حضور المشروع من منطقة إلى أخرى. ففي زغوان، كانت العروض في الهواء الطلق، ورافقتها ورشات للأطفال، فيما سبق للمبادرة أن وصلت إلى مناطق أخرى واستثمرت في فضاءات مختلفة، بما فيها مواقع تاريخية وثقافية، مثل معبد المياه، إضافة إلى مدن ومناطق مثل الناظور.
وبذلك لا تصبح السينما مجرد نشاط يقام داخل قاعة، وإنما وسيلة لإعادة اكتشاف الفضاء العام وتحويله مؤقتا إلى مكان للعرض والتعلم والتفاعل.
وتقول ميلي إن الهدف هو الوصول إلى المناطق الداخلية التي تفتقر إلى دور السينما، بما يتيح لسكانها مشاهدة الأفلام والاستفادة من الأنشطة المصاحبة لها.
وتقول الناقدة الثقافية جيهان التركي في حديثها للجزيرة نت إن الدعم الموجه إلى السينما يتراوح سنويا بين 5 و6 ملايين دينار (نحو 1.6 و1.9 مليون دولار)، معتبرة أن هذه الموارد لا تسمح بالحديث عن إنتاج سينمائي بالمعنى الذي يمكن أن يجعل القطاع صناعة قائمة بذاتها.
وفي المقابل، تصف التركي تجربة “سينما تدور” بأنها رائدة، لأنها تحمل السينما إلى مناطق نائية لا يوجد فيها حضور فعلي للسينما ولا قاعات عرض.
وتقول إن وصول الأفلام إلى هذه المناطق “أمر رائع”، معتبرة أن المجتمع المدني يؤدي في هذا مجال دورا كان يفترض أن تضطلع به الدولة، من خلال الوصول إلى المناطق المحرومة وتنظيم عروض سينمائية فيها.
وترى الناقدة الفنية أن "سينما تدور" تجربة رائدة تحتاج إلى مزيد من التمويل، مشيرة إلى أن المجتمع المدني ساهم بدرجة كبيرة في إنجاحها.
لا تستطيع مبادرة متنقلة أن تعوض غياب قاعة سينما دائمة أو بنية ثقافية متكاملة. لكنها تمنح المناطق التي تفتقد هذه البنية فرصة للوصول، ولو بصورة مؤقتة، إلى الأفلام والتجارب الفنية.
وفي زغوان، لا يتوقف الأمر عند عرض فيلم. الأطفال يشاركون في ورشات، ويتعرفون إلى طرق مختلفة للتعبير، فيما يكتشف آخرون للمرة الأولى جوانب من صناعة السينما لم تكن متاحة لهم في مدينتهم.
وهنا تكتسب التجربة معناها الأوسع: فالعدالة الثقافية لا تعني فقط توفير الإنتاج الثقافي، وإنما ضمان وصول الجمهور إليه، مهما كان موقعه الجغرافي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة