يتوقف سائح عند مدخل حي سيدي عبد العزيز بالمدينة العتيقة، أمام نافورة صغيرة تتوسط ساحة فندق عتيق تحول إلى فضاء سياحي مجدد. يلتقط لها صورة، ثم يرفع عينيه نحو لوحات فنية ملونة تتدلى من الشرفات العلوية، وسط موسيقى هادئة تصدح بين الأعمدة الحجرية.
لا يدرك هذا الزائر أن الساحة نفسها كانت، قبل سنوات قليلة، ورشة صاخبة بالجلود الخام وصوت العمل الذي يعلو على أي شيء آخر.
على الطراز المعماري نفسه، يقف فندق آخر قريب لم تتغير وظيفته منذ عقود، أدواته القديمة تملأ ساحته، وعماله يتحركون بالإيقاع ذاته الذي عرفه آباؤهم. وفي زاويته، ينهمك الحرفي الستيني عبد السلام الخمسي في إتمام قطعة جلدية فريدة.
يستحضر عبد السلام مصير المبنى المجاور، ويقول لـ "الجزيرة نت ": "المكان الذي كان يشبه هذا تماما تغير أكثر مني، كنا نعرفه ورشة تعمل من الصباح إلى المساء، واليوم لا نكاد نسمع فيه غير أصوات سياح يبحثون عن تذكار ".
على بعد دقائق من الفندقين، تحول باب خشبي بسيط في حي المواسين، كان يفتح على بيت عائلي متواضع، إلى مدخل مزخرف لغرفة ضيافة داخل "رياض " فندقي. النافذة التي كانت تطل على الزنقة أضيف لها زجاج عازل للصوت، والفناء الذي كان يتوسط غرف العائلة بات موزعا بين ركن استقبال وطاولة إفطار للنزلاء.
يصف باحث السياحة والتراث هشام صدوا، هذا التحول بـ "الجنترة السياحية " (الاستطباق)، شارحا إياه بأنه انتقال تدريجي للمكان من خدمة السكان المحليين إلى خدمة زبائن جدد، حتى تصبح القيمة التراثية "بناء اجتماعيا متغيرا" لا حقيقة ثابتة؛ مهدت له الدولة والملاك الأجانب وحتى تقييمات اليونيسكو. ويرى صدوا أن إحياء هذه المباني يمكن أن يخلق قيمة مضافة دون تدمير النسيج الاجتماعي، لكن نجاح ذلك مشروط بحوكمة تشرك السكان الأصليين في القرار.
في المقابل، يرفض باحث الأنثروبولوجيا الثقافية أبا صدقي، اختزال المشهد في خسارة كاملة؛ فما يجري بوصفه "سيفا ذا حدين "، أنقذ عبر عمليات التوظيف السياحي عشرات المباني من الانهيار، وأحيا حرفا كادت تندثر.
لكنه يحذر في الوقت ذاته من تحول بعض هذه الرياضات إلى إقامات سياحية مغلقة أمام السكان المحليين الذين لا تسمح لهم قدرتهم الشرائية بدخولها، مما يخلق فجوة اقتصادية واجتماعية داخل "الدرب " الواحد.
في حومة "درب ضباشي " بمدخل المدينة القديمة، يحمل حمام تقليدي على بابه لائحة أسعار جديدة: تدليك بزيت الأركان، حمام مغربي "فاخر "، عناية بالوجه؛ كلها مكتوبة باليورو. الأقواس الحجرية والقبة المثقبة لا تزالان كما كانتا، لكن الإضاءة الخافتة والموسيقى الهادئة استبدلتا صخب الحمام الشعبي بهدوء أقرب إلى صالات "السبا " الفندقية.
وتلاحظ الباحثة في جامعة السوربون سارة أوعزيز، أن أماكن كهذه تصبح في نظر كثير من السكان موجهة "للآخر، للسائح، للثري "، فلا يشعرون بأنهم معنيون بها، مما يجعل حمام درب ضباشي -وغيره في الرحبة القديمة- مكانا يمرون أمامه أكثر مما يدخلونه.
بالمنطق نفسه، يشرح الأكاديمي صدقي هذا التحول بمبدأ بسيط: "التراث يتشكل من الوعاء والمحتوى ". الحمام التقليدي مؤسسة اجتماعية مرتبطة بالطهارة والصلاة، لا مجرد مكان للنظافة. وحين يتحول إلى سبا فاخر، يبقى الوعاء وتتبخر الدلالة الاجتماعية. الجدران تبقى، لكن الوظائف وإيقاع المكان يتغيران في حالة يصفها بأنها "إعادة تشكيل؛ منزلة بين منزلتين ".
هذا التغير يهدد أيضاً الورشات الحرفية؛ فالمكان مدرسة غير نظامية تنقل المهارة من معلم لمتعلم، وحين يغيب المتعلم، تنقطع السلسلة حتى لو بقيت الواجهة والأدوات.
في حومة سيدي بن سليمان، من مر من هنا قبل سنوات لن يتعرف اليوم إلا على القليل من الوجوه. عبد السلام نفسه يتوقف عند باب مغلق بإحكام، يتأمله لحظة، ثم يواصل طريقه بأسى:
"الدروب التي كنا نعرف فيها الحصى حجرة حجرة والجار بالاسم، صارت اليوم ممرات غريبة عنا. تلاشت بعض علاقات العمر، وحلت محلها حقائب السفر وصمت الرياضات المغلقة. لم نعد نملك الحومة، صرنا فقط نمر منها "
تصف الباحثة أوعزيز هذا الإحساس بـ "حاجز رمزي " يتشكل بين السكان والأماكن المجددة، ويتجسد أحيانا في تذاكر الدخول المدفوعة، وحتى إن سُمح للجيران بالدخول المجاني، فإن ذلك الشعور بالاغتراب لا يكفي لدفعهم للحضور.
على الطرف المقابل، يقف شاب عشريني عند مدخل رياض مجاور بزي أنيق، يستقبل الزوار الأجانب بابتسامة. لم يكن يعمل هنا قبل خمس سنوات حين كان البيت مهجورا، واليوم يحمل مفتاح غرفة الاستقبال بديلا عن بطالة قسرية في الحي.
ورغم هذا "التثمين التراثي " الذي أخرج بعض ملامح المدينة العتيقة من التهميش، يرى أستاذ الجغرافيا السياحية عبد العزيز بنعدي، أن صون الإرث "لا ينبغي أن يقتصر على الجدران والواجهات، بل يجب أن يحافظ أيضا على الإنسان، والممارسات الاجتماعية، والذاكرة الجماعية، وحق السكان في مدينتهم ".
الدكتور عبد العزيز بنعدي (الجزيرة)في ساحة جامع الفنا، تضاء الأنوار كل مساء على المشهد نفسه الذي عرفه أجداد سكان المدينة. لكن الساحة التي كانت تضج بعفوية مروضي الأفاعي، وحلقات الحكواتيين، ودخان الشواء الشعبي الممزوج بغبار الأرض، رُصفت اليوم من جديد، وأنيرت بإضاءة حديثة منظمة. هذا التحسين المادي، على ضرورته، لا يجيب وحده عن سؤال الذاكرة الحية.
يكمل بنعدي رصده موضحا أن فناء الدار الذي صُمم للخصوصية العائلية أصبح فضاء للاستقبال التجاري، وتحولت الأسطح إلى منصات ومطاعم مفتوحة للسياح. ويصف محصلة ذلك بـ "ارتقاء طبقي سياحي " يحافظ على المظهر مقابل تراجع الوظائف الاجتماعية.
تحول أسطح البيوت العتيقة إلى مطاعم ومنصات استجمام.. ارتقاء طبقي سياحي يحافظ على المظهر الخارجي ويغير النسيج الاجتماعي (الجزيرة)ويخلص الباحث صدوا إلى أن أحياء كثيرة فقدت سكانها الأصليين لصالح ملاك أجانب، لتبقى ملكية المكان وقراره بيد شركات عابرة للحدود، محذرا من أن mآل هذه التحولات ليس مكتوبا سلفا، بل هو رهن بمن يمتلك حوكمة المدينة.
مع اقتراب المغيب، يخفت الضوء تدريجيا على الفندقين معاً. في الأول، تضاء أنوار زخرفية فوق طاولات العرض. وفي الثاني، تُطفأ آخر أنوار الورشة فوق أكوام الجلد. صرحان بُنيا في الزمن نفسه، وسيقفان في المكان نفسه غداً، لكنهما يرويان، كل مساء، نصف الحكاية نفسها فقط، والنصف الآخر يرويه الجار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة