في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لماذا يدفع الإنسان مالا من قوته ليجلس في قاعة مظلمة ويشعر بالرعب؟ يبدو الأمر للوهلة الأولى مفارقة غريبة، لكن السر يكمن في كيمياء الدماغ؛ فعندما نشاهد فيلما مرعبا، يفرز الجسم هرمون "الإبينفرين" (المعروف شاعرياً بالأدرينالين)، وهو الهرمون المسؤول عن تحفيز رد فعل "المواجهة أو الهروب" عند الشعور بالخطر.
ولأن عقولنا تدرك في الوعي الباطن أنها داخل مكان آمن وأن ما تراه على الشاشة مجرد خيال، يتحول هذا التدفق الهرموني المفاجئ والتوتر الخاطف إلى حالة من النشوة والمتعة النفسية.
هنا يتجلى ذكاء المخرج؛ إذ لا يحتاج إلا لفك شفرة المخاوف البشرية الدفينة، ليتلبس شخصية "فوبوس" – إله الخوف في الأسطورة الإغريقية القديمة – وينشر الرعب في النفوس، محولا الصدمات النفسية والجمعية إلى أرباح طائلة في شباك التذاكر.
يقدم الباحث ويليام غي كوستانزو، في كتابه "السينما العالمية من منظور الأنواع السينمائية"، تفسيرا عميقا لهذه الظاهرة، ناقلا عن الباحث بول ويلز أن تتبع تاريخ أفلام الرعب ليس مجرد تتبع لوسائل التسلية، بل هو في جوهره قراءة لمسار القلق البشري عبر التاريخ.
فالأفلام تترجم جروح المجتمعات وندباتها الوطنية – كالحروب الأهلية والقنابل الذرية – إلى مشاهد سينمائية؛ ما يفسر لماذا تفقد أفلام الرعب القديمة قدرتها على إخافة جيل الألفية الجديد الذي تغيرت مسببات القلق لديه وتبدلت حساسيته تجاه العالم.
لم يُعرف مصطلح "فيلم الرعب" رسميا في القاموس السينمائي إلا في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن ولادته الحقيقية بدأت مع بدايات السينما الصامتة. ففي عام 1896، قدم المخرج الفرنسي جورج ميلييس فيلما قصيرا بعنوان "قصر الشيطان"، حيث يتحول خفاش داخل قلعة مهجورة إلى شيطان مرعب.
وفي عام 1898، حرك الأخوان لوميير في فيلمهما "الهيكل العظمي السعيد" عظاما تتفكك وتتجمع تلقائيا، مستغلين الخوف الأسطوري الأزلي للإنسان من الموت والمقابر.
ومع العقد الثاني من القرن العشرين، أحدثت "التعبيرية الألمانية" تحولا فارقا. والمقصود بالتعبيرية الألمانية أسلوب إخراجي لا يهتم بنقل الواقع كما هو، بل يشوه الديكورات ويستخدم زوايا تصوير حادة وظلالا قاتمة ليعكس الاضطراب النفسي الداخلي للشخصيات.
تجسد ذلك في الفيلم الشهير "خزانة الدكتور كاليغاري" (1920)، الذي يروي قصة طبيب يستغل مريضا يسير أثناء النوم لارتكاب جرائم قتل، وهو فيلم يعكس بصريا حالة التفكك والفزع الباطني الذي خلفته الحرب العالمية الأولى في نفوس أجيال من الأوروبيين.
عندما هاجر المخرجون الألمان إلى هوليوود، نقلوا هذا الأسلوب الظلالي القوطي، لتلتقطه شركات الإنتاج الأمريكية وتصنع منه عصر الوحوش الكلاسيكية.
فظهرت شخصيات استُمدت من الأدب الكلاسيكي، مثل "شبح الأوبرا" (1925)، و"دراكولا" (1931) المقترن بمصاصي الدماء، و"فرانكشتاين" (1931) الذي يطرح فزع الإنسان من العلم حين يتجاوز حدوده الأخلاقية، و"المومياء" (1932)، و"الرجل الذئب" (1941).
جاء دخول "الصوت والتقنيات السمعية" للسينما ليكون الانعطافة الأكبر؛ إذ اكتشف المخرجون أن صرير باب خشبي، أو همسة مجهولة في العتمة، أو نقرة موسيقية حادة على آلة الكمان، قادرة على إثارة الرعب في نفوس المشاهدين بأضعاف ما تفعله الصورة وحدها.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم يعد الرعب محصورا في القلاع المظلمة، بل اشتبك مع السياسة؛ ففي فيلم "البشر القطط" (1942)، سُخرت الحبكة لإبراز المخاوف السياسية من الصراعات القادمة من شرق أوروبا والبلقان.
وبعد انتهاء الحرب ودخول العالم عصر الحرب الباردة والرعب النووي في الخمسينيات، تبدلت طبيعة الوحوش:
الكائنات الممسوخة بالإشعاع: كان الدمار الذي خلفته القنبلتان الذريتان في هيروشيما وناكازاكي مصدر فزع كوكبي من التلوث النووي. وهنا ولدت سينما "المسخ النووي"، وأشهر أمثلتها فيلم "غودزيلا" الياباني (1954)، حيث يخرج ديناصور عملاق ممسوخ ومستيقظ من سباته بسبب الإشعاعات الذرية، ليكون رمزا بصريا حيا للصدمة اليابانية من السلاح النووي.
جسدت أفلام الغزو الفضائي والكائنات المجهولة الخوف الشعبي الأمريكي المتبادل مع الاتحاد السوفيتي من الجواسيس والغزو الخارجي المباغت.
وفي الستينيات، غير المخرج ألفريد هيتشكوك قواعد اللعبة تماما بفيلمه الأيقوني "سايكو" (1960). أثبت هيتشكوك أن الرعب الأكثر إيلاما لا يأتي من الوحوش الخرافية أو الغزاة من الفضاء، بل يستوطن العقول المريضة للشركاء في الإنسانية؛ حيث تحول القاتل المتسلسل الشاب ذو الوجه الهادئ إلى مصدر الفزع الحقيقي. ثم أردفه بفيلم "الطيور" (1963)، مظهرا كيف يمكن للطبيعة الوديعة نفسها أن تنقلب إلى كابوس بغير سبب مفهوم.
تطور هذا المفهوم في السبعينيات والثمانينيات ليشكل موجة "أفلام التقطيع" (Slasher Films)، وهي الأفلام التي تعتمد على شخصية قاتل مجهول يحمل سلاحا حادا ويطارد مجموعة من المراهقين والشباب.
تجسد ذلك في سلسلة "مجزرة منشار تكساس" (1974)، و"الفك المفترس" (1975) الذي زرع الفزع من الشواطئ والمياه المفتوحة، و"هالوين" (1978)، و"كابوس شارع إيلم" (1984). وكانت هذه الأفلام تعبيرا غير مباشر عن مخاوف مجتمعية تعتري الشباب من مجتمعاتهم والتغيرات السريعة في نمط الحياة.
مع مطلع القرن الجديد، ابتذلت السينما صيغة "القتلة الملثمين" واستهلكت هجمات الخوف المفاجئة الصاخبة (Jump Scares) التي تعتمد على إفزاع المشاهد بصوت حاد مفاجئ. هنا ظهر اتجاه سينمائي نقدي حديث يُعرف بـ "الرعب المركب" (Elevated Horror).
في هذا النوع الجديد، لم يعد الوحش كائنا قادما من الغابة، بل أصبح مجازا ورمزا بصريا يعبر عن الصدمات النفسية، والعقد العائلية الموروثة، والهواجس الاجتماعية:
تفكيك الصدمات والعقد الأسرية: قدم المخرج آري أستر في فيلميه "Hereditary" (2018) و"Midsommar" (2019) تجربة رعب ذهنية قاسية؛ فالجنون والطقوس السحرية في هذه الأعمال ليست سوى تجسيد لمشاعر الحزن، والفقد، والصدمات النفسية الموروثة داخل الأسرة والتي تأكل أبناءها ببطء.
الرعب الاجتماعي والسياسي: استغل المخرج جوردان بيل في فيلمه "Get Out" (2017) أدوات الرعب التقليدية ليصنع تشريحا نقديا لعنصرية المجتمعات الحديثة؛ حيث يتحول خوف البطل ليس من الأشباح، بل من استغلال جسده وهويته، متجاوزا بالرعب حدود التسلية ليصبح وثيقة نقد اجتماعي حادة.
الخوف من البيئة والعزلة: أظهر فيلم "The Witch" (2015) كيف تحول العزلة والتطرف الديني في المجتمعات القديمة الخوف البشري من المجهول إلى شياطين واقعية تتغذى على الأوهام.
بدأت المحاولات العربية – وتحديدا المصرية – مبكرة في أربعينيات القرن الماضي عبر الاستعانة بالموروث الشفهي عن الجن والسحر في أفلام مثل "ألف ليلة وليلة" (1941). غير أن السينما العربية سرعان ما انزلقت لنحو نصف قرن في فخ النقل الشكلي والتلقين من هوليوود:
فأنتجت أفلاما حاكت الوحوش الغربية بصورة هزلية، كفيلم "حرام عليك" (1953) لإسماعيل ياسين المقتبس من "فرانكشتاين"، وصولاً إلى فيلم "كامب" (2007) الذي نسخ أفلام التقطيع الأمريكية بحذافيرها دون مراعاة لبيئة المجتمع العربي.
واجهت هذه التجارب نقدا مشروعا؛ لأن الشرق يمتلك خزانا ميثولوجيا وفلكلوريا هائلا – من أسرار الفرعونية والمومياوات، إلى أساطير الجن، والسحر، والخرافات الشعبية في الصحاري والقرى – ظل مهملا عربيا، بينما اقتاتت عليه السينما الغربية لعقود.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت نضجا وعودة شجاعة إلى الموروث الثقافي المحلي عبر تجارب عربية لافتة:
السحر والتراث الشعبي المحلي: قدم الفيلم التونسي "دشرة" (2018) للمخرج عبد الحميد بوشناق تجربة صدمت المشاهدين، عبر الغوص في عالم الشعوذة والسحر الأسود في القرى التونسية النائية، مستثمرا المخاوف الفلكلورية الحقيقية لشمال أفريقيا بدلاً من محاكاة المستذئبين والفضائيين.
الرعب النفسي والتاريخي: نجح فيلم "الفيل الأزرق" (بجزأيه 2014 و2019) للمخرج مروان حامد، ومسلسل "ما وراء الطبيعة" (2020) المقتبس عن سلسلة الروايات الشهيرة لأحمد خالد توفيق، في تقديم معالجة بصرية عالية الجودة يمتزج فيها المرض النفسي بالأسطورة الشعبية والتاريخ المصري القديم.
الرمزية والأساطير البحرية: قدم فيلم "سيدة البحر" (2019) للمخرجة السعودية شهد أمين تجربة حالمة اعتمدت على ميثولوجيا عرائس البحر والتقاليد القاسية في القرى الساحلية القديمة، لتطرح قضية الهوية والتمرد في قالب أسطوري أصيل.
أثبتت هذه التجارب المعاصرة أن القارئ والمشاهد العربي لم يكن يرفض سينما الرعب، وإنما كان يرفض النسخ الركيكة، ويرحب بكل معالجة أصيلة تحاكي ذاكرته ومخاوفه الحقيقية.
يكشف التطور التاريخي لأفلام الرعب عن تحول بنيوي في وظيفتها الفنية؛ فبعد أن كانت تفريغا نفعيا وسيكولوجيا للمخاوف الجمعية – يساعد الإنسان على مواجهة فزعه من الظلام أو الحروب أو الأوبئة في مساحة آمنة – باتت اليوم في كثير من جوانبها تجارة ضخمة تحكمها شباك التذاكر ورغبة الشركات في تحقيق الأرباح.
يبقى السؤال الأخلاقي والنقدي قائما: هل ما زالت أفلام الرعب وسيلة نبيلة لمواجهة الندبات النفسية وكسر التابوهات المجتمعية، أم تحولت إلى محرك للتطبيع مع المشاهد الدموية وبث العنف في نفوس الجيل الجديد؟
وأمام جمهور معاصر أرهقت حواسه كثرة المشاهد الصادمة على الشاشات ومواقع التواصل، يظل التحدي الأكبر أمام صناع السينما: كيف يمكن ابتكار تجربة رعب أصيلة تمس العقل والروح وتوقظ الوعي، دون السقوط في ابتذال العنف التجاري الرخيص؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة