آخر الأخبار

متحف بطشقند.. 4 حقب و10 شخصيات تروي تاريخ الإسلام في أوزبكستان

شارك

طشقند- في قاعات فسيحة بمبنى تعانق قبته السماء وتضاهيها في زرقتها، ترقد آلاف التحف والقطع الأثرية والوثائق الحافلة بقرون من تاريخ الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وتروي فصولا من نهضة شعب مزج بين ثقافة آسيا الوسطى وما وصله من ثقافة العرب منذ القرن السابع الميلادي، وصهرهما في بوثقة فريدة لُحمتها الإسلام.

من الخارج تكسو جدرانَ مبنى مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (يقع في العاصمة طشقند) زخارف بالخط العربي، وتحيط به ساحة وحديقة فسيحتان يأوي إليهما سكان المدينة بعد أن تتوارى الشمس إلى مرقدها، وعلى بعد عشرات الأمتار منه تتطاول إلى السحب منارات مجمع حضرة الإمام، وهو مجموعة مبان تاريخية يقول مرشدنا أثناء زيارتنا لها إنها تشكل مقاما يخلد ذكرى العالم والولي الصالح أبو بكر القفال الشاشي (عاش في القرن العاشر الميلادي) وكانت طشقند من قبل تسمى بسببه مدينة "شاش".

كل شيء في هذا المتحف -الذي يضم نحو ثمانية آلاف قطعة وتحفة ويتبع مركز الحضارة الإسلامية- يتضافر ليروي فصولا من تاريخ "بلاد ما وراء النهر"، كما كانت تسمى هذه المنطقة من قبل. الحجر والطين والخشب والورق والمعادن والخزف والقماش، كلها تتجاور هنا ليروي كل منها قصصا من تاريخ شعب أوزبكستان منذ كان أسلافه يعيشون في الكهوف ويدونون قصصهم رموزا على صخورها.

مصدر الصورة حجر من القرن الـ14 بمتحف الحضارة الإسلامية في أوزبكستان قيل إن الأمير تيمور لنك نقش عليه بيده (الجزيرة نت)

تحف عريقة وتقنيات حديثة

تتزاوج بين جدران هذا "الديوان التاريخي" التقنيات الحديثة والتحف القديمة، فإلى جانب نقود مسكوكة من البرونز والنحاس، تجد جِرارا طينية وأواني خزفية وحليا وجواهر، وسيوفا قديمة وأسلحة تقليدية، وآلات موسيقية وأجزاء من تماثيل، ولوحات فسيفساء ومنمنمات ومجسمات لشخصيات تاريخية أو لحرف تقليدية قديمة.

ولا تكتمل فائدة هذه التحف التي تعود إلى العصور الغابرة إلا بتقنيات حديثة من العروض ثلاثية الأبعاد والشاشات التفاعلية التي تنطق نيابة عن هذه القطع الجامدة وتترجم ما تكتنزه من قيمة تاريخية إلى نصوص وفيديوهات تشرح مضامينها لنحو 5000 آلاف شخص يزورون هذا الصرح كل يوم، نحو 90% منهم سكان محليون والباقي سياح وزوار من خارج البلاد، حسب ما أفاد به الجزيرة نت المرشد في المتحف سوبتجون أوريبوف.

إعلان

تجولنا مع أوريبوف في هذا المتحف، الذي يمتد على مساحة 7000 متر مربع، ويضم 5 قاعات رئيسية للعرض، إحداها سميت قاعة القرآن الكريم، وتعرض مخطوطات نادرة لمصاحف خطتها أيدي بعض الشخصيات التي طبعت تاريخ البلاد، وأخرى تعرض مقتنيات وبقايا من حضارات ما قبل الإسلام، فيما تجسد الثالثة فترة النهضة الأولى لأوزبكستان وآسيا الوسطى (من القرن 9 إلى القرن 13 ميلادي)، والرابعة توثق لفترة النهضة الثانية، أو ما يعرف أيضا بالنهضة التيمورية (من القرن 14 إلى القرن 16 ميلادي).

مصدر الصورة مخطوطة مصحف عثمان في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (الجزيرة نت)

قاعة لمصحف عثمان

وسط قاعة القرآن الكريم منصة محاطة بسياج "يحرس" ما يقول القائمون على المتحف إنها أقدم نسخة محفوظة للقرآن الكريم ومعروفة حتى الآن، وهو "مصحف عثمان" بن عفان رضي الله عنه، وهي مخطوطة من 338 صفحة بالخط الكوفي، تعود إلى القرن السابع الميلادي مكتوبة على جلد غزال، وقد أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة ( يونسكو) عام 1997 على قائمة التراث العالمي.

وتقول الروايات التاريخية إن الأمير تيمور لنك نقل هذا المصحف من بغداد إلى سمرقند في القرن الـ14 الميلادي، وبين عامي 1868 و1869 نقل إلى المكتبة العامة الإمبراطورية بمدينة سانت بطرسبورغ في روسيا القيصرية، التي كانت تسيطر آنذاك على آسيا الوسطى.

وفي عام 1923 أعيدت مخطوطة مصحف عثمان النادرة إلى طشقند في قطار خاص بعد مطالب ملحة من علماء ووجهاء المسلمين، وأودعت في مدرسة موئي مبارك بمجمع حضرة الإمام، ثم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نقلت إلى قاعة القرآن في متحف مركز الحضارة الإسلامية.

مصدر الصورة سوبتجون أوريبوف المرشد في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (الجزيرة نت)

بقايا حقب تاريخية

أما القاعة المخصصة لتاريخ ما قبل الإسلام في أوزبكستان فتعرض بقايا تراث يمتد من الألف العاشرة قبل الميلاد إلى منتصف القرن السابع الميلادي، يوم وصلت طلائع الإسلام إلى أحفاد السُّغديين والباختريين والخوارزميين. وتضم القاعة جدارا ضخما يمتد على 260 مترا، وعليه نقوش ورسوم تروي نحو ثلاثة آلاف سنة من تطوّر الأوزبك من عصر الزراعة إلى عصر المدَنية والتجارة على طريق الحرير العظيم.

رؤوس سهام حجرية تعود لقرون وتؤرخ لأولى مواجهات إنسان هذه الجبال مع حيواناتها، وتمثال غزال من البرونز يعود للألف الأولى قبل الميلاد، ونقوش على صخور يتجاوز عمرها عشرة آلاف سنة تجسد أنشطة للصيد ورموزا أخرى يقول أوريبوف إنها تعبر عن بعض المعتقدات القديمة.

وتحاكي خرائط تفاعلية وفيديوهات على شاشات شكل المدن والتجمعات القديمة في البلاد، كما تعيد تمثيل الأصوات والآلات التي كانت سائدة في ذلك الزمن، وتحكي جزءا من قصة تطوّر الزراعة وصناعة المعادن آنذاك.

وفي القاعة الثالثة معروضات من فترة النهضة الأولى لبلاد ما وراء النهر، وفيها تنعكس شواهد الاندماج الأول والانصهار بين الثقافة المحلية والثقافة العربية والإسلامية، وتلخص أكثر من 4 قرون من التمازج الحضاري، وفيها مقتنيات من عهد الأمويين والعباسيين والسامانيين والقراخانيين والغزنويين والسلاجقة والخوارزميين والمغول.

مصدر الصورة مجسم لباب الكعبة المشرفة في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (الجزيرة نت)

ولا تخطئ العين رواقا واسعا يعكس اهتمام الأوزبك بالحج ومواكبه ورحلاته، إذ خصص جزء كبير منه لعرض مجسمات للكعبة وكسوتها ولمقام النبي إبراهيم عليه السلام، وفيه كسوة صنعت للكعبة عام 1859، وبالقرب منها نسخة تحاكي باب الكعبة ونسخة من مفتاحها نقشت عليه الآية 27 من سورة الحج (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).

إعلان

عصر التيموريين (من القرن 14 إلى الـ16 ميلادي) أفرد هو الآخر بقاعة تزهو بعصر الأمير تيمور لنك ودولته وخلفائه، وهي فترة عرفت فيها البلاد ازدهارا وغدت مدنها منارات علمية وعلى رأسها سمرقند وهرات. هنا تجد ما يذكر بقصور تيمور ومدارسه ومساجده، وحتى مؤلفاته، وتجد أيضا ما ينبئ عن عظمة مرصد العالم والفلكي ميرزا أولوغ بيك وتلاميذه أمثال علي القوشجي وغياث الدين جمشيد، وكذا منمنمات الفنان والرسام الشهير كمال الدين بهزاد.

وفي الطابق الثاني من مركز الحضارة الإسلامية مكتبة غنية -ليست جزءا من المتحف-، تضم 266 مقعدا، وعلى رفوفها 300 ألف كتاب مطبوع، ومثلها من الكتب الإلكترونية، ومن خلال الوصول إلى قواعد البيانات المحلية والدولية، تتيح الاستفادة أيضا من أكثر من عشرة ملايين مورد إلكتروني.

مصدر الصورة رواق رحلة الحج في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (الجزيرة نت)

معرض الشخصيات العظيمة

تفتخر أوزبكستان أيضا بشخصيات كبيرة وتاريخية، بينها 14 يقدمها متحف مركز الحضارة الإسلامية باعتبارها أيقونات شاهدة على الازدهار العلمي الذي كانت المنطقة منبعا له، ويعرّف الزوار عليها في قاعة خاصة أطلق عليها اسم "معرض الشخصيات العظيمة".

قاعة فسيحة ومزركشة بالرسوم، تضم صورا ضخمة لتلك الشخصيات على لوحات من الرخام تزن كل واحدة منها طنين، وطولها 8 أمتار وعرضها ثلاثة، استُخدمت فيها 110 أنواع من الرخام الملون المجلوب من إيطاليا، ورخام أبيض مجلوب من تركيا.

يشرح لنا المرشد سوبتجون أوريبوف هذه الصور قائلا إن سبعا منها تعود لأشهر رواد النهضة الأولى في آسيا الوسطى وأوزبكستان، منهم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي أحدث ثورة في علم الجبر باختراعه الصفر، وولد في منطقة خوارزم شمال غرب أوزبكستان.

وإلى جانبه أحمد الفرغاني، العالم والمهندس والفلكي الذي عمل في بيت الحكمة في بغداد، وترجمت أعماله في الفلك والجغرافيا إلى اللاتينية، وألهمت المستكشف البرتغالي كريستوف كولومبوس والفيزيائي الإيطالي نيكولاس كوبيرنيكوس، وهو مخترع مقياس النيل في مصر -يقول مرشدنا-، الذي استُخدم لقياس مستوى المياه في نهر النيل طيلة فترة 1100 عام.

شخصية تيمور طرغاي بركل -المعروف بتيمورلنك– هي الأخرى تنتصب بين هذه الشخصيات العظيمة، ويعتبره الأوزبكيون بطلا قوميا ومؤسس نهضتهم الثانية وفاتح إمبراطورية خوارزم، كما أسس إمبراطورية امتدت إلى دول مجاورة.

مخطوطات قديمة من القرآن الكريم في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (الجزيرة نت)

ولا يمكن الحديث عن هذه الفترة من تاريخ أوزبكستان دون ذكر أئمة علم الحديث، وعلى رأسهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري والإمام الترمذي، اللذين يخلد المتحف أيضا اسميهما وجهودهما في جمع وتحقيق الحديث النبوي الشريف. وبجانبهما أيضا العالم والطبيب والفيلسوف أبو علي الحسين ابن سينا، أحد أهم المفكرين الموسوعيين في العصور الوسطى، والذي نبغ في العديد من العلوم والمعارف قبل سن العشرين.

أبو الريحان البيروني هو الآخر من "المخلّدين" في قاعة الشخصيات بالمتحف، وقد كان عالما في الرياضيات، وكان أول من أنشأ مجسما كرويا للغلاف الجوي للأرض. ويقول مرشدنا "في معروضات متحفنا، يمكنك رؤية تجسيد أحدث لمجسم الغلاف الجوي الخاص بالبيروني".

ويليهم أبو النصر الفارابي، الذي ولد في منطقة فاراب، ويعتبره أهل المنطقة "المعلم الثاني" بعد الفيلسوف اليوناني أرسطو، وقد جمع الفارابي بين علم الفلسفة وعلوم الشريعة والتصوف الإسلامي. وإلى جانبه كمال الدين بهزاد "مؤسس" فن المنمنمات في آسيا الوسطى، والذي أطلق عليه الرسامون والمؤرخون الأوروبيون لقب "رافاييل الشرق"، قياسا على الرسام والمهندس المعماري الإيطالي الشهير رفاييل سانزيو دا أوربينو.

إعلان

ومن الشخصيات التي يخلد المتحف ذكرها أيضا العالم الفلكي ميرزا ألوغ بك، الذي اشتهر في سمرقند وأسس فيها مرصدا فلكيا، وفيها مدرسة تُسمى باسمه، إضافة إلى ظهير الدين محمد بابر، وهو من سلالة الأمير تيمور، وقد ولد في مدينة أنديجان بوادي فرغانة، ثم انتقل إلى الهند وأنشأ إمبراطورية للمغول، عرفت على نطاق أوسع في آسيا الوسطى باسم الإمبراطورية البابرية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار