وُلدت "كيالا" (المصدر باللغة البرتغالية) من فكرة راودت إلغا فونتيش في ذهنها منذ سنوات: إيجاد مساحة في سوق النشر البرتغالي للكتاب السود. دخلت العلامة التابعة لدار النشر "فيـرغولا دِ إنتِرّوغازاو" السوق رسميا في شهر أيار/مايو من هذا العام، وتهدف إلى نشر كتب مؤلفين سود حصرا، غير أن مؤسِستها ترفض القول إن ذلك يعني إنشاء فضاء مغلق أو فئة أدبية قائمة بذاتها.
توضح إلغا فونتيش أن "كيالا" كلمة بلغة "الكيمبوندو" (إحدى لغات البانتو في أنغولا) وتعني "إضاءة" أو "جلب النور"، وقد وجدت في الاسم خلاصة لما أرادت أن تبنيه. بدأت الفكرة تتبلور قبل نحو عامين، حين عرضت، بصفتها محررة في دار "فيـرغولا دِ إنتِرّوغازاو"، المشروع على مديرة الدار ديانا ألميدا. وبعد أن حصلت على الضوء الأخضر، أمضت نحو عامين آخرين في بناء العلامة.
جاءت الحاجة إلى هذه العلامة الفرعية جزئيا من تجربة إلغا فونتيش نفسها كقارئة وكعاملة في القطاع. فقد حللت، خلال دراستها للماجستير، فهرس إحدى دور النشر البرتغالية، ولاحظت أنه من بين مئات الكتب الصادرة خلال الأعوام الثلاثة التي درستها، لم يكن سوى نحو عشرة في المئة منها لمؤلفين غير بيض. لاحقا وسّعت ملاحظاتها لتشمل مجموعات نشر أخرى، وتابعت أيضا الإصدارات التي تعلن عنها دور نشر ترتبط بها كشريكة في مجال صناعة المحتوى.
تقول في حديث لـ"يورونيوز" إن الخلاصة كانت متشابهة: "كان هناك، وما زال، نقص في المساحة المتاحة لكتب المؤلفين السود". وتضيف أنها لا تعرف، في البرتغال اليوم، أي دراسة رسمية أو منصة ترصد بشكل منهجي التمثيل العِرقي في سوق النشر.
برأي إلغا فونتيش، لا يمكن تحميل مسؤولية المشكلة لطرف واحد في سلسلة نشر المخطوطات، من الناشرين والوكلاء الأدبيين والنقاد، وصولا إلى القراء أنفسهم وما يبحثون عنه. فالسوق البرتغالي صغير وهش، ودور النشر تبحث عن عناوين ذات إمكانات تجارية، وشبكات التواصل الاجتماعي تميل إلى تضخيم حضور الكتب التي تحظى أصلا باهتمام. وفي الوقت نفسه، هناك قراء أقل استعدادا للإقبال على أعمال تخرج عن ما يُعد معيارا سائدا، على ما ترى مؤسِسة "كيالا".
وتقول: "لا يوجد مذنب واحد. كما أن "كيالا" لا تهدف إلى توجيه النقد بقدر ما تريد أن تكون حافزا إضافيا".
أحد المبادئ التي توجه عمل "كيالا" هو الابتعاد عن الفكرة القائلة إن أدب المؤلفين السود يجب أن يتمحور بالضرورة حول التجربة العِرقية. فبالنسبة إلى الناشرة والمؤسِسة، الحديث عن "تجربة سوداء" بصيغة المفرد تبسيط مخل؛ إذ توجد تجارب مختلفة بين الأشخاص السود، حتى إن كانت بعض هذه التجارب تتقاطع في مشكلات مشتركة مثل العنصرية.
وتسعى الدار أيضا إلى كسر الربط الآلي بين الكُتّاب السود وسرديات الألم. وتشرح قائلة: "أردنا، من خلال "كيالا"، تفكيك هذه الفكرة قليلا؛ فكرة أن الشخص الأسود لا يمكنه سوى الكتابة عن العنصرية والمعاناة".
وتشير إلى أن المشكلة تكمن أيضا في طريقة تقييم الأعمال نفسها: "نميل إلى النظر إلى إبداعات الأشخاص السود على أنها استثناء، لا على أنها أعمال ذات طابع كوني". فالمؤلف الأبيض يمكن أن يكتب عمليا عن أي موضوع، وأن يُعترف بقيمة عمله بغض النظر عن الموضوع، أما بالنسبة للمؤلفين السود، فترى أن هذا المبدأ لا يطبَّق دائما.
لذلك لا تبحث "كيالا" فقط عن الكتب التي تتمحور حول القضايا العِرقية. فالكتاب الأول الذي أصدرته الدار، وهو "Feminismo na Periferia" (المصدر باللغة البرتغالية) للكاتبة والناشطة والناقدة الثقافية الأميركية "ميكي كيندل"، "كتاب غير خيالي يشكك في نسوية تُقدَّم على أنها كونية، ويتناول قضايا مثل العِرق والطبقة والفقر والعنف".
أما العنوان الثاني، المقرر صدوره في تشرين الثاني/نوفمبر، فسيكون "A Morte de Vivek Oji" للكاتبة النيجيرية "أكويكي إيمِزي". وهو رواية حازت تقديرا واسعا، صدرت بالإنجليزية عام 2020، وتتناول قضايا الهوية والاكتشاف والأسرة، وتدور أحداثها أيضا في سياق جوانب من المجتمع النيجيري.
اختيار العناوين يخضع لعدة معايير؛ فالفريق يحاول أن يفهم "أي نقاش يمكن أن يفتحه هذا الكتاب أو يواصل طرحه في البرتغال"، وما الذي يمكن أن يجده القراء فيه. وتلخص إلغا فونتيش الأمر بقولها: "الكتاب الجيد هو الذي لا ينتهي أبدا من قول ما لديه. هذا هو بوصلة اختيارنا لكتبنا؛ كتاب لديه الكثير ليقوله".
تعتمد العلامة المعيار العِرقي أداةً لمواجهة لا مساواة تعتبرها إلغا فونتيش ملموسة، لا معيارا كافيا بحد ذاته للنشر.
وتوضح: "المعيار العِرقي لدينا أداة محضة"، مضيفة: "ليست هناك أي محاولة للقول إن المؤلفين السود يشكلون فئة أدبية متجانسة يجب حصرها في فضاء واحد".
وعندما تُطرَح إمكانية أن تسهم "كيالا" في وضع المؤلفين السود في هامش منفصل عن بقية السوق بدلا من إدماجهم الكامل فيه، ترفض المسؤولة هذه القراءة.
وتقول: ""كيالا" حاضرة في مجمل سوق النشر، بقدر ما يسمح لنا به واقعنا. نحن لا نملك مكتبة خاصة باسم "كيالا" فقط، ولا نملك زاوية صغيرة هي المكان الوحيد الذي يمكن للكتاب السود أن يُعرضوا فيه. هدفنا وعملنا هو بالضبط إدراج أصوات المؤلفين السود في الأماكن التي لا توجد فيها بعد أو توجد فيها بأعداد قليلة، لأن "كيالا" علامة لـ"إجراء تمييز إيجابي" أُنشئت من أجل تصحيح حالة نقص تمثيل محددة في سوق النشر".
لذلك تريد "كيالا" أن تكون حاضرة في سوق النشر التقليدي، لا أن تكتفي بإنشاء مسار مواز للمؤلفين السود. والهدف هو "تطبيع فكرة أن يدخل المرء مكتبة برتغالية ويجد مؤلفين سوداً من بلدان مختلفة، وفي أجناس أدبية ومنظورات متعددة، من دون أن يُنظر إلى ذلك على أنه أمر استثنائي".
وتقر العلامة نفسها بأنها قد تُرى على أنها دار نشر متخصصة في مجال ضيق، وربما حتى على أنها دار عنصرية. وتقول: "التصورات متعددة، لكن ليس من دوري أن أراقب ما يظنه الناس عن "كيالا"، دوري الوحيد هو نشر كتب لمؤلفين سود".
وتمتد هذه الحساسية تجاه التمثيل إلى الفريق الذي يُنتِج الكتب؛ فالمصححون والمترجمون والمصممون وغيرهم من المهنيين يجب أن يستوفوا معايير الجودة، لكن "كيالا" تسعى أيضا إلى إشراك مهنيين سود. وترى المؤسِّسة أن هؤلاء المهنيين موجودون في البرتغال، إلا أن وصولهم إلى السوق أكثر صعوبة، "لأن الواقع أن العاملين فعليا مع دور النشر منهم قليلون جدا".
ولا تُعد "كيالا" أول مشروع من هذا النوع؛ فعلى المستوى الدولي، تشير إلغا فونتيش مثلا إلى دار ومكتبة "New Beacon" في المملكة المتحدة، التي تنشر حصريا مؤلفين سود. وفي البرازيل هناك دار "Malê" المتخصصة في الأدب الأفرو-برازيلي. وفي الولايات المتحدة توجد دار "Black Classic Press" التي تنشر فقط كلاسيكيات الأدب لكتاب سود. وفي قلب باريس، هناك دار "Présence Africaine Editions" التي أنشئت عام 1949 بهدف توفير "صدى" للمفكرين والكتاب والباحثين في إفريقيا والشتات، حتى تحظى أعمالهم الأدبية والعلمية بظروف أفضل للنشر والوصول في مختلف أنحاء العالم.
وتقول إلغا فونتيش: "هناك كثيرون قاموا بهذا العمل قبل زمن طويل من "كيالا". وأعتقد أن "كيالا" موجودة بفضل هذا العمل وبفضل هؤلاء الأشخاص".
لا تزال "كيالا" حتى الآن دارا صغيرة الحجم؛ ففي 2026 ستنشر كتابين، وفي 2027 يُتوقَّع أن يرتفع العدد إلى ثلاثة كتب. وقد أُغلِق بالفعل برنامج إصدارات 2027، وسيتكون بالكامل من أعمال روائية. أما في 2028، فتنوي الدار نشر مؤلفين برتغاليين.
وتوضح أن الطموح ليس أن تصبح دار نشر كبرى بأي ثمن، بل أن تبني فهرسا مرجعيا وأن تُظهر أنه من الممكن التوفيق بين الجودة التحريرية والاستدامة الاقتصادية، وبين "الاستمرار مع الرهان على مؤلفين سود".
وتقول إلغا فونتيش: "بالطبع نود أن نسترد الاستثمارات التي نضخها في كتبنا، فهذا سيكون مثاليا بالنسبة إلينا كي نتمكن من مواصلة نشر مزيد من الكتب".
ومن أبرز العقبات التي تواجهها الدار التوزيع، وتكاليف الإنتاج، وسعر الورق، وصِغر حجم السوق البرتغالي. وتشير أيضا إلى تكاليف المعيشة وعادات القراءة في البلاد باعتبارها عوامل تجعل استدامة دور النشر المستقلة أمرا بالغ الصعوبة.
وتضيف: "على مستوى عادات القراءة، رغم أنها تحسنت كثيرا في الأعوام الأخيرة، ما زلنا من الدول التي تقرأ أقل على الصعيد الأوروبي. ومن هنا تأتي ضرورة أن تكون الكتب أغلى ثمنا، لأن دور النشر بحاجة إلى تحقيق أرباح لتتمكن من الاستمرار، ومن دفع رواتب العاملين، وتكاليف إنتاج الكتب".
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، ثمة هدف تعتبره أهم من نمو "كيالا" نفسها: الوصول إلى اليوم الذي تغدو فيه العلامة غير ضرورية.
وتقول: "أتمنى كثيرا أن تصبح فكرة "كيالا" قديمة، غير لازمة، بل سخيفة". ولتحقيق ذلك، يكفي أن ينجح عمل الدار في تشجيع دور نشر ومشاريع أخرى على الرهان أكثر على المؤلفين السود.
وإلى أن يتحقق هذا، ستواصل "كيالا" البحث عن أصوات ترى مؤسِستها أنها ما زالت لا تحظى بمساحة كافية في المكتبات البرتغالية. ومن بين الغيابات التي تفاجئها أكثر غياب أعمال "Octavia E. Butler"، الكاتبة الأميركية من أصول إفريقية والمعتبرة مرجعا في أدب الخيال العلمي، والتي لم يبدأ نشر كتبها في البرتغال إلا منذ أعوام قليلة.
والفكرة، في الجوهر، هي أن يكف المؤلفون السود عن كونهم استثناءً في فهارس المكتبات، وأن يُقرأوا ببساطة لما يكتبونه، سواء كان حول الهوية أو الفانتازيا أو الفكاهة أو الخيال العلمي أو الأسرة أو أي موضوع آخر. وتختتم إلغا فونتيش بالقول: "هناك الكثير من كتب المؤلفين السود التي لا تدور حول العنصرية، وهذا أمر جيد".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة