طهران – في بلدٍ طالما عُرف بأنه "أرض الشعر والكتاب"، أضحت المكتبات قبالة جامعة طهران العريقة تغلق أبوابها بهدوء، و"كأنها تخجل من موت ثقافي لا يجرؤ أحد على إعلانه". هكذا يصف "فاضل"، البائع الخمسيني في شارع الثورة الإسلامية وسط العاصمة، المشهد للجزيرة، وهو يشير إلى رفوف ممتلئة بعناوين لم يعد يسأل عنها أحد.
بعد عقود قضاها شاهداً على الحياة الثقافية التي كانت تتدفق كالنهر في سوق الكتب، يرى فاضل المشهد عقب التوترات العسكرية الأخيرة بأنه "أشبه بسرير مريض يحتضر، يتنفس بصعوبة، وتحيط به عائلة لا تملك ثمن الدواء".
"الأرفف ما تزال واقفة، لكنها تنتظر قراءً لم يعودوا يستطيعون شراء الكتب".
فاضل، بائع كتب في طهران
ويتابع فاضل حديثه بمرارة: "عقب الحرب الأخيرة، ومع انهيار العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف الورق والطباعة والإيجارات إلى مستويات جنونية، لم يعد الكتاب مجرد سلعة ثقافية تُقتنى، بل صار رفاهية تُحسب تكلفتها بالغداء والعشاء. حتى راح أصحاب المكتبات يشكون الركود، والبعض منهم يدرس الإغلاق بصمت، بينما يجلس الكتّاب على مخطوطاتهم كأنهم يحرسون أحلاماً لا تجد من يستيقظ لأجلها".
ورغم هذا الركود، مازال باعة متجولون يفترشون الأرصفة قبالة جامعة طهران لعرض الكتب القديمة تحت مظلات باهتة، لكن شيئاً ما في المشهد قد تبدل؛ فالعيون التي كانت تلتهم يوماً العناوين بشغف أصبحت تمر سريعا، ولا تتوقف إلا نادراً، كأنها تخشى أن يفتنها عنوان لا تستطيع شراؤه.
في هذا السوق، نلتقي بالروائي والمترجم كريم أسدي، الذي بدا "أشبه برجل يعدّ أيامه في مهنة لم تعد تعترف بأبنائها" على حد تعبيره. يوضح أسدي أن "الحرب الأخيرة لم تكتفِ بتدمير ما دمرته في قطاع الأسلحة والسياسة، بل وجهت ضربة قاسية للقطاع الثقافي، حيث تضرر الجميع: المؤلفون والناشرون والباعة".
ويستذكر كريم في حديثه للجزيرة أن معاناة هذا القطاع ليست حديثة، فـ "حتى قبل الحرب كان سوق الكتاب يعاني من قيود خانقة بسبب العقوبات؛ فاستيراد الورق كان يتم بصعوبة بالغة، والتجهيزات لا تدخل البلاد بسهولة ما جعل الكتاب غالياً، وكلما ارتفع سعر الكتاب تراجع بيعه، وتفككت حلقات السلسلة كلها".
ويستعيد الروائي الإيراني تفاصيل تحكي حجم النكسة: "سلمت ثلاثة كتب لناشرين قبل الحرب. الأول توقف لأن الورق لم يعد متوفراً بسعر معقول. الثاني أبلغني ناشره صراحة أنه لا ينوي الاستثمار فيه. أما الثالث، فقد خرج إلى السوق بعدها، وعندما حان وقت مستحقاتي، اعتذر الناشر لأن الكتاب لم يُبع".
ويتوقف أسدي عند صورة تكاد تختصر المأساة ببعدها الإنساني والرسالي: "أعرف زملاء استسلموا وتركوا الكتابة والترجمة، لأنها لم تعد مجدية اقتصادياً، ولا حتى مؤثرة بسبب تراجع القرّاء. أنا شخصياً أصدرت أكثر من 40 كتاباً، كنت أشتري وأقرأ كتاباً كل أسبوع على الأقل. الآن، أجد نفسي مضطراً للاكتفاء بكتاب واحد كل شهرين أو ثلاثة. الحرب لم تسرق منا أرزاقنا فقط، بل سرقت منا قدرتنا على أن نكون قرّاء أيضاً".
وللوقوف على تحديات عمل دور النشر لاسيما بعد الحرب الأخيرة، تواصلنا مع معصومة شمس، مديرة دار نشر "شور شهرزاد"، التي تقر بأنها "لم تتفاجأ بالعواصف التي أعقبت الحرب، فبحر مهنتها كان هائجاً أصلاً من قبل، والحرب لم تفعل أكثر من أنها كشفت حجم الهشاشة".
تقول شمس للجزيرة بصوت يمتزج فيه الحزم بمرارة التجربة، وبإنصاف رسالي لافت: "علينا أن نكون منصفين. صناعة النشر الإيرانية لم تكن بحالة جيدة قبل الحرب. كانت تعاني أصلاً من مشكلات مزمنة ومتراكمة: تضخم مستمر، تكاليف مرتفعة، والقدرة الشرائية في تراجع. الحرب لم تخلق هذه الأزمة من العدم، لكنها جاءت كصدمة مضاعفة فاقمت أزمة السيولة وأربكت الطلب والتوزيع".
"النشر في إيران اليوم لم يعد تجارة، بل فعل مقاومة للعتمة والنسيان".
معصومة شمس، مديرة دار نشر "شور شهرزاد"
وتشرح شمس الأزمة من زاويتها الاقتصادية: "أسعار الورق والكرتون والحبر وألواح الطباعة وكل خدمات النقل، تأثرت بشكل مباشر بسعر العملة الأجنبية وتراجع قيمة الريال. في وضع كهذا، لا يستطيع الناشر حتى تقدير نفقاته بدقة. قد يسعر كتاباً بناء على تكلفته التاريخية، ثم يكتشف أن عائد بيعه لا يكفي لإعادة طباعة العدد نفسه. وهكذا، يتحول الربح الاسمي إلى خسارة حقيقية".
وتضيف شمس أن النتيجة المباشرة هي حلقة جهنمية: تراجع الطلب يؤدي إلى خفض عدد النسخ المطبوعة، وانخفاض العدد يرفع التكلفة مما يفضي إلى رفع السعر، والزيادة هذه تدفع مزيداً من القراء إلى الانسحاب.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، تظل بعض دور النشر تقاوم بصمت كقناديل صغيرة في ليل طويل، وفق شمس، التي ختمت بالقول: "الكتب التي ننشرها اليوم قد لا تُباع، لكنها ستُقرأ غداً، ربما بعد جيل، لأن الكلمة لا تموت حتى لو مات سوقها".
الإصرار على الاستمرار الذي تحدثت عنه شمس يبدو أنه أصبح عملاً استثنائياً بحد ذاته، بيد أن الضغوط قد أطاحت فعلاً بعدد من أصحاب هذه المهنة.
فقد تناولت الصحافة الفارسية مؤخراً تقارير عن مصير عدد من المكتبات ودور النشر التي لم تستطع الصمود. ففي الأيام الأخيرة من العام الإيراني الماضي (انتهى 21 مارس/آذار الماضي)، تعرضت مكتبة "شهر كتاب" جنوبي طهران لأضرار بلغت سبعة مليارات ريال (ما يوازي حوالي 3500 دولار وفق سعر الصرف الحر حينها)* لينتهي المطاف بإغلاق المكتبة أبوابها نهائياً.
ولم تكن هذه الحالة الوحيدة؛ فخلال الأشهر الأخيرة، أغلقت أبواب مكتبات عريقة أخرى بصمت، لتحل محلها مشاريع تجارية أدرّ ربحاً، مثل مكاتب العقارات والمقاهي. ففي غرب طهران تحولت مكتبة "هميشه" إلى مكتب عقارات، وفي مدينة الأهواز أغلقت مكتبة "سي بوك" أبوابها ليحل محلها مقهى "لميز". أما في مدينة بندر عباس العريقة فقد أطفئت أنوار مكتبة "بابيروس"، وحتى في مدينة قم الدينية توقفت أنشطة مكتبة "دنياي كتاب" لأسباب مشابهة.
ويرى مراقبون للشأن الثقافي بطهران، أن هذا التحول لا يروي قصة أزمة اقتصادية فحسب، بل يروي قصة انزياح حضاري أوسع: حين يتراجع الكتاب، لا يحل محله الفراغ فقط، بل تحل محله تجارة أخرى أكثر ربحاً وأقل هشاشة، حتى تتحول الذاكرة الجماعية في تلك المدن إلى أماكن للاستهلاك السريع، وتتحول الكتب إلى بقايا حياة ثقافية تنسحب بهدوء من المشهد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة