على سفوح جبال المعاضيد في الجزائر، تتناثر أطلال "قلعة بني حماد" وسط صمت الجبال، كأن المدينة التي كانت يوما عاصمة لدولة صاعدة، اختارت أن تترك للحجارة مهمة رواية قصتها.
بين أسوار متهدمة، وبقايا قصور ومساجد ومنشآت عمرانية، يستعيد المكان ملامح زمن كانت فيه القلعة تضج بالحياة، ومنها تصدر القرارات التي رسمت ملامح الدولة الحمادية في المغرب الأوسط. لكن قصة القلعة لم تتوقف عند التأسيس والازدهار، فبعد عقود من المجد، غادر الحماديون عاصمتهم الجبلية واتجهوا نحو الساحل إلى "بجاية"، في انتقال سيصبح وفق دراسة الباحث خالد حموم، أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في تاريخ الدولة.
فلماذا غادر الحماديون القلعة؟ وما الذي وجدوه في بجاية؟ وهل كان الانتقال بحثا عن الأمان فقط، أم أن البحر كان يحمل للدولة مشروعا اقتصاديا وحضاريا جديدا؟
يتتبع الباحث خالد حموم تأسيس الدولة الحمادية، التي ظهرت أواخر القرن الرابع الهجري بقيادة حماد بن بلكين، واتخذت من قلعة بني حماد عاصمة لها عام (398هـ/1007م).
شُيدت القلعة على موقع جبلي وعر فوق سفح جبل "تقربوست"، في منطقة تطل على سهل الحضنة. كان موقعها يمنح الدولة الناشئة حماية طبيعية، في مرحلة كانت فيها القوة العسكرية والأمن عنصرين أساسيين في تثبيت الحكم.
لكن القلعة لم تكن مجرد حصن عسكري، فقد تحولت مع مرور الوقت إلى مدينة مزدهرة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وتعاقب على حكم الدولة فيها 4 أمراء قبل الانتقال. وهكذا، وفر الجبل الحماية، وسمح للحماديين بتثبيت مركزهم السياسي. غير أن الظروف المحيطة بالدولة تغيرت لاحقا، وبدأت المزايا التي قدمها الموقع الداخلي تتراجع أمام حاجات جديدة فرضها توسع الدولة والتحولات الإقليمية.
يضع الباحث زحف قبائل "بني هلال"، والبحث عن الازدهار الاقتصادي، في مقدمة الأسباب التي دفعت الحماديين للانتقال. لم يعد الأمر يتعلق بموقع محصن فقط، بل بمستقبل دولة تحتاج إلى مساحة أكثر أمانا، ومركز قادر على تنشيط اقتصادها وتوسيع اتصالاتها.
لقد غيّرت التحولات التي أعقبت وصول بني هلال المعادلات السياسية والعسكرية في المغرب الأوسط. لكن الخطر الأمني لم يكن العامل الوحيد، فالدراسة تؤكد أن الانتقال ارتبط بضرورة الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي توفرها "بجاية"، وتحديدا موقعها البحري. الحماديون لم يبحثوا عن مخبأ جديد، بل عن مدينة تمنح دولتهم أفقا اقتصاديا وعالميا أوسع.
كانت بجاية مختلفة جذريا، فإذا كانت القلعة تستند إلى الجبل، فإن بجاية جمعت بين الجبل والبحر. لم يكن الانتقال قرارا عشوائيا، إذ زار الأمير "الناصر بن علناس" المدينة بنفسه، واطلع على حصانتها الطبيعية وأهميتها الاقتصادية قبل اتخاذ قرار الانتقال.
الموقع الجديد منح المدينة حماية طبيعية، وفتح أمامها في الوقت ذاته منفذا بحريا واسعا، لتجتمع ميزتان: الأمان، والقدرة على التواصل التجاري. وتحدد دراسة حموم الانتقال بعام (461هـ/1069م)، في عهد الأمير الخامس الناصر بن علناس، الذي أطلق عليها اسم "الناصرية". رغم أن الباحث يعرض اختلاف المؤرخين كالحموي وابن الأثير والذهبي وابن الخطيب، الذين يرجحون عام 457هـ/1065م، وهو خلاف تاريخي يثري البحث.
كان الانتقال يعني تحولا في البنية الاقتصادية للدولة. ففي قلعة بني حماد، غلب الطابع البري وتجارة القوافل، بينما حوّل ميناء بجاية النشاط نحو "التجارة البحرية".
لم تعد التجارة حبيسة الداخل، إذ أصبحت السفن قلب اقتصاد المدينة، وبدأت بجاية تتصل بالمجال المتوسطي مباشرة. هذا الميناء، كما يرى الباحث، لعب دورا حاسما في انفتاح الحماديين على العالم الخارجي، وربطهم تجاريا بأسواق الأندلس وأوروبا والعالم الإسلامي. لقد تغيرت وظيفة البحر، لم يعد حدودا طبيعية، بل طريقا للحركة ومصدرا للقوة.
يشير الأستاذ الباحث في التاريخ، محمد غرتيل، إلى أن الموانئ لا تستقبل البضائع فقط، بل تستقبل التجار والرحالة، ومعهم تنتقل اللغات والأفكار. هذا الميناء جعل العاصمة الجديدة نقطة تقاطع بين المغرب الأوسط والمجال المتوسطي.
انعكس هذا الانفتاح في صورة تطور علمي جعل المدينة قبلة للعلماء. توافد إليها الطلبة من المغرب الإسلامي والأندلس والمشرق، بل وأوروبا أيضا، حيث تعلم فيها العالم الإيطالي فيبوناتشي الأرقام العربية ونقلها للغرب. تنوعت العلوم بين الرياضيات والفيزياء والفلسفة والعلوم الشرعية.
وينقل حموم عن أبي حامد الصغير المسيلي أن بجاية ضمت في أواخر القرن السادس الهجري نحو 90 مفتيا، إلى جانب حشود من الأطباء والفلاسفة. هذا الحضور العلمي، بحسب غرتيل، يؤكد أن العلم لم يكن منفصلا عن صعود المدينة، بل كان جزءا من منظومة غذتها التجارة والاستقرار.
عمرانيا، شيد الحماديون في بجاية المساجد والأسواق والقصور لتليق بمكانة العاصمة الجديدة، ومن أشهرها "قصر اللؤلؤة"، الذي وصفه صاحب كتاب "الاستبصار" بإعجاب، واعتبره ابن خلدون "من أعجب قصور الدنيا".
لكن حموم يلفت بإنصاف إلى أن قلعة بني حماد نفسها عرفت تطورا عمرانيا مذهلا قبل الانتقال، وشُيدت فيها قصور عظيمة مثل: "دار البحر"، وقصور "المنار"، و"الكوكب"، و"السلام"، و"حماد"، و"العروسين". هذا يؤكد أن الانتقال لم يكن من مدينة بدائية إلى مدينة متقدمة، بل كان انتقالا فرضته "الوظيفة والجغرافيا الجديدة"، لا غياب العمران عن العاصمة الأولى.
ولدعم هذا التحول، شجع الناصر بن علناس سياسة الانفتاح الديمغرافي، فأسقط بعض الضرائب، وسمح لليهود والمسيحيين بممارسة التجارة وشعائرهم الدينية، مما عزز صورة بجاية كمدينة عالمية متسامحة وجاذبة للاستثمار.
لم تفقد قلعة بني حماد قيمتها الحضارية بمجرد رحيل الأمراء، فقد ظلت مركزا علميا وعمرانيا، واحتفظت بمساجدها وقصورها. لكن انتقال السلطة حوّلها تدريجيا من عاصمة تصنع القرار، إلى شاهد تاريخي على مرحلة التأسيس.
يخلص حموم إلى أن الانتقال من الجبل إلى البحر لم يكن مجرد صدفة، بل قراءة ذكية للظروف الأمنية والاقتصادية. حَمى الجبلُ الدولةَ الحمادية في طفولتها، لكن البحر منحها أفقا أوسع لمشروعها التوسعي.
ولعل الدرس الأهم في هذه الحكاية أن الجغرافيا لا تكتب مصير الدول وحدها، فالقرار السياسي هو القادر على إعادة قراءة المكان، وتحويل موقع كان "حدا للدولة" إلى "نافذة على العالم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة