آخر الأخبار

تجريف التاريخ لصالح العقارات.. تحقيق يكشف كواليس “التنقيب الاستثماري” في آثار العراق

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بغداد – من بابل جنوب بغداد، المدينة التي ارتبط اسمها بأول القوانين في التاريخ، بدأت رحلة هذا التحقيق الذي يفتح ملف التجاوزات على المواقع الأثرية في عدد من المدن العراقية، لتقصي كيف وصلت المشاريع الاستثمارية إلى محيط مواقع حساسة يفترض أنها تتمتع بحماية قانونية وأممية من قبل منظمة "اليونسكو".

عند مدخل المدينة الأثرية، اصطفت شاحنات محملة بالحنطة بمحاذاة الموقع الأثري في مشهد رافق موسم تسويق الحنطة. وتقول السلطات المحلية إن تغيير مسار هذه الشاحنات نحو الطريق المحاذي للمدينة مجرد إجراء مؤقت لتخفيف الاختناقات المرورية داخل مركز الحلة حتى انتهاء الموسم.

مصدر الصورة شاحنات محملة بالحنطة بمحاذاة المدينة الأثرية في بابل مطلع يونيو/حزيران (الجزيرة)

غير أن المشهد لم يقتصر على الشاحنات؛ فالمناطق المحيطة بأسوار بابل أقيمت عليها مزارع سياحية ومنازل شُيدت على أراضٍ مصنفة زراعيا. ورغم أن السكان يؤكدون إقامتهم خارج حدود السور الأثري، فإن مختصين يوضحون أن طبيعة بابل تجعلها أشبه بـ"منجم أثري" مفتوح؛ إذ لم تكشف أعمال التنقيب سوى عن نحو 10% فقط من المدينة التاريخية حتى الآن، ما يعني أن أجزاء واسعة من آثارها لا تزال مدفونة تحت الأرض.

مصدر الصورة مزرعة شيدت داخل أسوار المدينة الأثرية في بابل (الجزيرة)

وفي المقابل، تتداخل مبررات أصحاب المنازل الذين يؤكدون شراء أراضيهم بموجب سندات زراعية نافذة بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالطابو مع أزمة السكن، بينما توضح إدارة مدينة بابل الأثرية التي رفضت الحديث الرسمي لـ"الجزيرة نت" أن جزءا من المشيدات يقع على أملاك خاصة بسندات عثمانية، فيما حُسمت بعض التجاوزات بتعويضات مالية مع استمرار رفض آخرين للإخلاء، فضلاً عن وجود مساكن مخصصة لموظفي الموقع شُيدت وفق مخططات رسمية قديمة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 عودة الحفريات إلى لبدة الكبرى تكشف أسرار مدينة رومانية مدفونة تحت رمال ليبيا
* list 2 of 2 "قاعة مسجد وهوى عثماني".. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى "إسطنبول مصغرة"؟ end of list

التنقيب الاستثماري.. شبهات وفساد

لا يقتصر الخطر الذي يهدد المواقع الأثرية في العراق على التجاوزات العمرانية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ"التنقيب الاستثماري"، الذي تحوّل من وسيلة يفترض أن تخدم البحث العلمي إلى نشاط تحيط به شبهات استغلال وفساد.

مصدر الصورة جانب من المنشآت والمعالم الأثرية المنقبة وسط تحذيرات من عمليات التنقيب الاستثماري السريع (الجزيرة)

وفي هذا السياق، يكشف علي طبر، موظف هيئة الآثار والتراث العراقية والناشط في توثيق التراث، لـ"الجزيرة" عن آلية يصفها بالكارثية؛ إذ يشتري بعض المستثمرين حصصا عقارية داخل الأراضي التي تضم مواقع أثرية بأسعار متدنية، ثم يثبتون ملكيتهم قانونيا قبل التقدم بطلبات للحصول على موافقات بالتنقيب.

إعلان

ويضيف أن هذه الآلية سمحت بتنفيذ أعمال تنقيب واسعة عبر مجسات سريعة تمتد على مساحات شاسعة لا تستند للأسس العلمية، مستشهدا بمدينة البصرة القديمة التي مُنحت موافقة لتنقيب نحو ألف دونم في 8 أشهر فقط، في حين لا تستطيع البعثات الأثرية الرسمية والأجنبية خلال موسم كامل يتجاوز 6 أشهر فتح أكثر من 6 مربعات تنقيب لا تتجاوز مساحتها 600 متر مربع.

تجريف الآثار في سامراء والهاشمية وتأويل القانون

وفي سامراء، يوثق طبر حادثة يصفها بأقسى الوقائع خلال عمله في التوثيق الرقمي للمواقع الأثرية، حيث كشفت أعمال التنقيب عن كنائس وقصور ومبنى "ديوان الخراج الأعظم" الممتد على أكثر من 20 دونما والموثق في المصادر التاريخية القديمة.

ورغم احتفاظ تلك المباني بجدرانها وزخارفها الجصية، فقد جرت إزالتها بالكامل بذريعة نقلها للمتحف. ولا يتوقف الأمر عند سامراء، بل يمتد لمدينة الهاشمية بالأنبار التي شهدت تنقيبات بمحاذاة المدينة التاريخية دون مراعاة المناطق العازلة المحيطة بمواقع التراث العالمي.

ويشكك طبر في السند القانوني لهذه الموافقات، مؤكدا أن الاستناد إلى المادة (9/ رابعا) من قانون الآثار والتراث الخاصة بالمشاريع ذات الأهمية القصوى يمثل تفسيرا خاطئا لا يبرر تجريف المدن التاريخية لصالح مجمعات سكنية، كما أن المادة (30/ أولا)، وإن كانت تمنح الآثاري صلاحية التنقيب، فإنها لا تخوله إزالة المواقع أو تغيير معالمها التي تشكل الشاهد المادي الوحيد على تاريخ العراق.

وحاولت "الجزيرة نت" التواصل مع الهيئة العامة للآثار والتراث في بغداد للحصول على تعليق حول الموافقات الاستثمارية وطريقة تفسير المواد القانونية، إلا أنها لم تتلقّ ردا حتى لحظة نشر هذا التحقيق.

الكوفة.. المقابر تتحول إلى مقالع وتجريف تل الصياغ

أما في الكوفة بمحافظة النجف، فيتحدث علي طبر عن إزالة مقابر أثرية ومنح موافقات لإنشاء مقالع للرمل دون تنقيبات مسبقة أو العودة للهيئة العامة للآثار والتراث.

مصدر الصورة كتاب من عضو النواب العراقي أحمد الشرماني موجه للهيئات المعنية لإيقاف المشروع الاستثماري في تل الصياغ (الجزيرة)

ويضيف عضو مجلس النواب العراقي عن محافظة النجف، أحمد الشرماني، توثيقا بالفيديو والوثائق لتجاوزات تطال موقع "تل الصياغ الأثري" الممتد لأكثر من 1400 عام بين مسجدي الكوفة والسهلة، حيث يجري تمهيد الموقع لتحويله إلى مشروع سكني رغم صدور أمر ولائي من محكمة بداءة النجف عام 2022 بإيقاف الأعمال، ومخاطبة السلطات المحلية وهيئة الاستثمار دون جدوى.

مصدر الصورة وثيقة صادرة عن محكمة بداءة النجف بإيقاف إنشاء المجمع السكني فوق موقع تل الصياغ الأثري (الجزيرة)

تشوه المشهد البصري وتبديد ما لا يُعوض

ويرى الباحث والخبير في علوم السياحة والآثار عايد الطائي أن التداخل في ملكية أراضي بابل الأثرية يستدعي تنسيقا عاجلا بين دوائر الآثار والتسجيل العقاري والزراعة والتخطيط العمراني، محذرا من أن التجاوزات العمرانية وتغيير المشهد البصري بمواد إنشائية حديثة يهددان القيمة التاريخية للمواقع المصنفة ضمن الفئة الأولى ويخفضان تصنيفها لدى اليونسكو.

وتكشف نتائج التحقيق أن ما يهدد المواقع الأثرية ليس التجاوزات العفوية، بل نمط إداري غلّب قيمة الأرض الاستثمارية على قيمتها التاريخية.

تمدد بناء المساكن والمشاريع على أراضٍ مكشوفة تدخل ضمن الحرم الأثري أو المناطق العازلة (الجزيرة)

ورغم ارتباط هذا النمط بملفات فساد استنزفت تريليونات الدولارات، فإن تبديد شواهد التراث يمثل الخسارة الأشد قسوة؛ فالأموال يمكن تعويضها مع الزمن، أما طمس الأدلة الحضارية في بلد يمثل مهد الكتابة والقوانين فلا يمكن استعادتها مهما أُنفقت الأموال.

إعلان
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار