آخر الأخبار

"الذاكرة".. مكتبة عائلية تحفظ قرنا من إرث العراقيين الأدبي وحكاياتهم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بغداد- في أول زاوية من شارع المتنبي شريان بغداد الثقافي، تنتصب مكتبة الذاكرة داخل بناية بغدادية بطرازها القديم، تطل شرفاتها العالية على الشارع الذي لا يهدأ، بينما تحتضن خلف أبوابها آلاف الكتب والوثائق التي تحفظ فصولا من ذاكرة العراق الحديث التي نجت من تقلبات أحداثه السريعة.

وخلال جولة الجزيرة نت داخل المكتبة، لم يكن الحديث يدور عن عناوين الكتب فقط، بل عن القصص التي تحملها، ففي كل رف وثيقة، وفي كل صندوق صورة، وفي كل مجلد حكاية تعود إلى عشرات السنين، بينما كان صاحبها ينتقل بين المقتنيات كما لو أنه يستعيد ذاكرة البلاد.

مصدر الصورة جانب من المقتنيات الورقية في مكتبة الذاكرة، التي تضم أرشيفاً من الكتب والمطبوعات العراقية القديمة (الجزيرة)

مشروع العائلة

يقول صاحب مكتبة الذاكرة أحمد عصام، إنها تأسست عام 2001، وانطلقت منذ البداية بفكرة الحفاظ على الذاكرة الثقافية العراقية. بدأت كمكتبة علمية وثقافية في منطقة الأعظمية تُعنى بتوفير الكتب الأكاديمية وتجهيز الجامعات، قبل أن تتحول بعد 10 سنوات إلى دار الذاكرة للنشر والتوزيع.

ومع مرور 25 عاما على تأسيسها، افتُتح الفرع الثاني في شارع المتنبي، المخصص للكتاب العراقي والمطبوعات القديمة، ليؤدي دورا أرشيفيا إلى جانب توفير الإصدارات الحديثة.

ويؤكد عصام أن هذا المشروع لم يولد من فكرة تجارية، بل من شغف عائلي بدأ مع والده، مؤسس المكتبة، الذي غرس حب الكتاب في أبنائه، حتى تكون هذا الأرشيف المتنوع الذي شارك كل فرد من العائلة في جمعه وفق اهتماماته وتخصصه.

وتضم المكتبة اليوم -وفقا له- ما بين 10 و15 ألف عنوان من المطبوعات العراقية، تمتد من عشرينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، إلى جانب عدد واسع من المجلات والدوريات والصور والوثائق لجوانب مختلفة من الحياة العراقية وحركة الفن التشكيلي.

مصدر الصورة المجلد الأول يمين الإحصاء الصناعي 1954 والثاني المجموعة الإحصائية لتسجيل عام 1957 الخاص بوزارة الداخلية (الجزيرة)

أرشيف يتجاوز الكتب

إلى جانب آلاف العناوين، تحتفظ مكتبة الذاكرة بصور فوتوغرافية توثق مراحل مختلفة لمدن عراقية وشخصيات سياسية وثقافية كما بدت قبل عقود، فضلاً عن مجموعات نادرة من الطوابع البريدية والعملات الورقية والمعدنية التي تعكس تحولات الدولة العراقية ورموزها. وكلما انتقلت من غرفة إلى أخرى، بدا المشهد أقرب إلى متحف مصغر منه إلى مكتبة.

إعلان

وخلال الجولة، يعرض عصام عددا من المقتنيات النادرة، من بينها وثائق تعداد عام 1957 أول تعداد سكاني للعراق الذي لا يزال يحظى بالجدل؛ لأنه وضع شروطا صارمة على الانتقال للسكن من المحافظات إلى بغداد، إلى جانب ميزانية الدولة لعام 1939 بمدخولاتها ومصروفاتها، ومجلات ودوريات عراقية قديمة منها مجلة أهل النفط التي أُصدرت عام 1951 ودليل هاتف العراق بنسخته الأولى.

مصدر الصورة زوراء صحيفة عراقية أسبوعية تأسست في بغداد عام 1869 (الجزيرة)

بعيدا عن رفوف الكتب، يخرج أحمد عصام من داخل صندوق صغير مجلدا يحتفظ بأوراق اصفرت أطرافها، لكنها ما زالت تحتفظ بحبرها الأول. إنها مراسلات أصلية بخط يد الكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994)، الذي ارتبط اسمه بالحياة الثقافية العراقية وأسهم في صياغة جانب مهم من المشهد الأدبي العربي.

لا تُعامل هذه الرسائل على أنها أوراق قديمة فحسب، بل بوصفها قطعة نادرة من التاريخ الثقافي، إذ تكشف جانبا إنسانيا وإبداعيا من حياة جبرا. ويصفها أصحاب المكتبة بأنها أثمن كنوزها، لأنها تحفظ أثرا لا يمكن تعويضه.

ولا يقتصر اهتمام المكتبة على جمع المطبوعات، بل يتجاوز ذلك إلى فكرة حفظها للأجيال المقبلة. ويقول عصام إن "الكتاب الورقي يبقى المرجع الأساس لأي عملية أرشفة، وهو الأصل الذي تُبنى عليه النسخ الإلكترونية. لذلك، حرصنا على إنشاء أرشيف خاص بالمطبوع العراقي، لأن الأرشفة الرقمية، رغم أهميتها في تسهيل الوصول إلى المعلومات، تبقى عرضة للفقدان أو التلف، بينما يظل الكتاب الورقي الوثيقة الأكثر موثوقية واستدامة".

مصدر الصورة رفوف مكتبة الذاكرة تحتضن أرشيفاً يوثق تاريخ العراق الحديث عبر الكتب والمجلات والوثائق (الجزيرة)

استعادة التاريخ

تقف نغم الخضيري، وهي إحدى زوار المكتبة، أمام أحد الرفوف، تتصفح كتابا قديما قبل أن تعيده إلى مكانه بعناية. سألناها عن المكان فأجابت أن زيارتها إلى مكتبة الذاكرة بين فترة وأخرى أصبحت جزءا من طقوسها عند مرورها بشارع المتنبي، لأنها لا تأتي لشراء الكتب فحسب، بل لاستعادة شيء من تاريخ العراق.

وأشارت إلى أن كل زيارة تكشف لها كتابا أو مجلة أو وثيقة لم تكن تعرفها من قبل، وتشعر معها وكأنها تتصفح ذاكرة بلد كاملة، لا مجرد رفوف مكتبة. وأكثر ما يجذبها هو تنوع المطبوعات العراقية القديمة، التي تتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على مصادر أصلية بعيدا عن الروايات المنقولة أو المحتوى الإلكتروني.

ومن الموصل، يرى الكاتب والصحفي والباحث في الأدب الرقمي محمود جمعة أن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بمكانته رغم اتساع حضور البدائل الإلكترونية. وأوضح للجزيرة نت أن الكتاب الورقي هو الأصل الذي حفظ الإنسان عبره علومه ومعارفه وثقافته على مدى قرون، حتى أصبح جزءا من التجربة الإنسانية الراسخة.

مصدر الصورة منفضتان للسجائر كانتا توضعان على طاولات النادي العراقي ونادي العلوية في بدايات تأسيسهما (الجزيرة)

ولفت إلى أن الكتاب الإلكتروني يوفر السرعة وسهولة الوصول إلى المعرفة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الورقي، سواء لما قد يسببه من آثار صحية مرتبطة بالشاشات، أو لما أحدثه من تغيرات في عادات القراءة والكتابة.

إعلان

وبرأي الكاتب محمود جمعة، فإن الأجيال الجديدة فقدت جانبا من جماليات الخط اليدوي، الذي يصفه الفلاسفة بأنه انعكاس لهندسة الروح، كما أن اختفاء المكتبات المنزلية يعني خسارة جانب من الحميمية التي ارتبطت بالقراءة عبر العقود.

وحيث ترحل الوجوه وتتبدل الأماكن، تبقى مكتبة الذاكرة شاهدة على زمن لا يزال حاضرا بين صفحات الكتب، لتؤكد أن بعض الذاكرة لا تحفظها الخوادم الإلكترونية، بل الأوراق التي صمدت أمام الحروب والفوضى، لا تزال تنتظر من يفتحها ليقرأ حكاية جديدة عن العراق الذي لا يتوقف عن كتابة تاريخه.

إحدى زوايا مكتبة الذاكرة من الداخل (الجزيرة)

صور متنوعة لملك العراق الراحل فيصل الثاني أثناء جولاته في أماكن عدة (الجزيرة)

صورة تجمع الملك غازي والوصي عبد الإله ورئيس الوزراء في العهد الملكي رشيد عالي الكيلاني الذي اتهم بالتآمر (الجزيرة)

مكتبة الذاكرة مشروع عائلي ورثه الابن عن الأب (الجزيرة)

تذكارات رسمية لأعوام وحقب مختلفة (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار