آخر الأخبار

حين غاب "القدر" حضرت "التروما"

شارك

"أرى زوجتي السابقة بجمالها الحزين وفستانها الأبيض يوم الطلاق… وأتساءل: هل سامحتني حقا؟ أم أن مرارتها لا تزال في الأعماق، فنالني من ظلمي لها ما نالني؟"

بهذه الكلمات روى لنا رجل في الأربعينيات عذابات ضميره وطيف زوجته الذي يحاصره، في رسالة عنوانها "الثوب الأبيض" نُشرت عام 1989 في صحيفة الأهرام المصرية، ضمن صفحة "بريد الجمعة"؛ الصفحة التي كان القرّاء في مصر يبثّون عبرها حكاياتهم عن الفراق والخسارة والمرض والحب والأبناء. أتوقّف عند هذا الرجل وأسأل: لو أنه كان يملك لغة الصدمة والاضطراب والحدود، أكان سيروي الحكاية ذاتها؟ أم أن اللغة وحدها كانت كفيلة بأن تغيّر الحكاية من جذورها؟

في السنوات الأخيرة اجتاح حياتنا ما يُعرف بـ"الخطاب النفسي" وهو خطاب يستند إلى أدبيات علم النفس والصحة النفسية، تسربت مفرداته عبر البرامج الحوارية وكتب المساعدة الذاتية وخوارزميات مواقع التواصل، ودورات الإنترنت وحسابات "المعالجين" و"الخبراء" على إنستغرام وفيسبوك، وحلقات البودكاست وإعلانات "الكوتشينغ" .

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 يطالعها ترمب يوميا.. ماذا تحوي الصحيفة الأكثر سرية في العالم؟
* list 2 of 2 جويل تيتلباوم.. الحاخام الذي لعن إسرائيل أمام البيت الأبيض end of list

لم تعد لغة العلاج النفسي حبيسة العيادات والأكاديميات؛ بل غزت علاقات الحب، ومشاجرات الأصدقاء، وبيئات العمل، وتربية الأبناء، وحتى علاقتنا بأجسادنا وطعامنا. ومع هذا الحضور المتمدّد لم تنتشر مفردات جديدة فحسب، بل تمدّدت معانيها، وصارت مصطلحات مثل النرجسية والإدمان وأزمة الهوية والصدمة وفرط الحركة والتوحّد تُمتص في اللغة اليومية حتى تميعت. هذا ما أسماه نيك هاسلام وزملاؤه الباحثون في جامعة ملبورن "الزحف المفاهيمي" ، أي تسلل المفردات النفسية من حقولها الأكاديمية إلى الحياة العامة، لتشمل ظواهر وحالات لم تكن تشملها من قبل.

"لم تعد لغة العلاج النفسي حبيسة العيادات والأكاديميات؛ بل غزت علاقات الحب، ومشاجرات الأصدقاء، وبيئات العمل، وتربية الأبناء، وحتى علاقتنا بأجسادنا وطعامنا"

غير أن هذا التوسّع لم يبدّل طريقتنا في وصف أنفسنا فحسب، بل بدّل الأطر التي نفهم بها تجاربنا. فالكلمات ليست مفردات صماء محايدة، وكل كلمة تحمل داخلها شحنة من المعاني والافتراضات الضمنية، وبالتالي فإن تغيير التسمية لا يعني استبدال كلمة بكلمة، وإنما يعني إعادة تشكيل التجربة نفسها.

إعلان

مثلا إذا وصفت حادث سيارة بأنه "تروما" أي صدمة، فإن ذلك يحيل فورا نحو التركيز على الأعراض النفسية والمخاوف والشعور بفقدان السيطرة التي أصابت من تعرض لهذا الحادث، كما أنه يدفع هذا الشخص نحو السعي إلى "التعافي التقني" ومجموعات الدعم. لكنك إذا وصفت الحادث نفسه بأنه "محنة"، انتقل الموضوع إلى سياق الحكايات الإنسانية عن الحياة، وارتبط الحدث بالقدر والابتلاء، ويستدعي ذلك بالضرورة مواقف قيمية كالصبر والقبول، باعتبار المحن جزءا أصيلا من الحياة.

قد يتجاور المعنيان في الخطاب الواحد، لكن تجاورهما لا يُلغي أن كل مفردة تُبرز جانبا وتُهمش آخر. وهكذا فإن المفردات التي نصف بها تجاربنا هي التي تحدد السردية التي تؤطرها. وإذا كانت المفردة تستدعي إطارا تفسيريا يحدّد معنى التجربة، فإن دخول مفردات جديدة إلى حياتنا الشخصية والحميمة ليس وصفا لغويا محايدا، بل إعادة خلق لتجاربنا تُبرز منها جوانب، وتطمس أخرى.

مصدر الصورة لغة العلاج النفسي لم تعد حبيسة العيادات والأكاديميات (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لغة المعاناة

كان "بريد الجمعة" في الأهرام المصرية، وهو الذي اتسعت شعبيته في عهد الكاتب عبد الوهاب مطاوع في الفترة من الثمانينيات إلى مطلع الألفية، وثيقة اجتماعية تكشف عن اللغة التي كان الناس في مصر يعبرون بها عن معاناتهم، ويفهمونها بها.

في تلك الرسائل لغة تختلف عما نكتبه اليوم على مواقع التواصل (بغض النظر عن التحرير الأدبي الذي تعرضت له الرسائل قبل نشرها). كان أصحابها يبدأون السرد من لحظة تبعد سنوات عن مشكلتهم. يعودون إلى الماضي لا ليفسروا به الحاضر، بل ليرسموا السياق الواسع الذي خرجت منه التجربة. ويقدّمون أنفسهم عبر أدوارهم الاجتماعية: "الابن الأكبر"، "أم لثلاثة أبناء"، أو عبر خلفيتهم الاجتماعية: "نشأت في أسرة بسيطة"، "أنا سيدة من الجنوب نشأت يتيمة الأب". يرسم الراوي أولا الأرض التي نبتت فيها الحكاية، ثم يحكيها.

حضرت اللغة النفسية في رسائل الأهرام، فمعظمها لحائرين مثقلين بالهموم، لكنها لم تكن المهيمنة ولا الوحيدة. كانت تجاورها لغة دينية وأخرى أخلاقية وثالثة وجودية. تُسرَد التجربة من خلال مفاهيم القدر والاختيار والمسؤولية والحظ، بمفردات "قريبة من الخبرة"، أي مفردات عفوية من اللغة التي نستخدمها في الحياة اليومية تعبّر عن التجربة مباشرة، لا مفردات قادمة من علوم النفس أو الاجتماع.

"اللغة المستخدمة قديما لم تكن تفسر الفعل من داخل الذات الإنسانية، بل ترفعه إلى مستوى العالم"

في رسالة "الثوب الأبيض"، يصف الرجل مشاعره بعد تشخيصه بمرض مهدد للحياة بأنها "حزن عميق". وفي رسالة أخرى، يصف شاب خيبته المهنية بأنه أُصيب بـ"نوبة يأس". وتصف زوجة في رسالة ثالثة، قلقها بأوصاف جسدية: "ومرّت الأيام وأنا مسهدة لا أنام إلا ساعة أو ساعتين". وقد تُستحضر صور وذكريات لتحمل المشاعر، كما في العبارة التالية في إحدى الرسائل: "أرى زوجتي السابقة بجمالها الحزين وفستانها الأبيض يوم الطلاق".

أما الأحداث الكبرى، كالخيانة والطلاق وتقلبات العمر، فتُحكى بلغة تضعها في سياقها الطبيعي: "استسلمتُ للمصير"، "تعجّبتُ من تصاريف القدر". لغةٌ تُبقي الإنسان داخل العالم، أو في علاقة معه، وتحمل اعترافا بالمحدودية الإنسانية في مواجهة الطبيعة والحياة والقدر والقضاء الإلهي، بدلا من الميل إلى تفسير كل شيء عبر التاريخ الشخصي والدوافع اللاواعية والبحث عن أنماط متكررة في سلوك الشخص لتصنيف شخصيته بصفة نفسية معينة. فاللغة المستخدمة قديما لم تكن تفسّر الفعل من داخل الذات الإنسانية، بل ترفعه إلى مستوى العالم والسياقات التي تتجاوز الشخص ودوافعه وبنيته النفسية، حيث يصير الحدث علامة على محدودية الإنسان لا على مركزيته.

لا تأتي المفردات التي يسرد بها الناس آلامهم من فراغ، بل من السرديات التي توفرها الثقافة. تاريخيا، عملت السرديات الكبرى كأطر تفسيرية للألم: فالسردية الدينية منحت الألم أفقا متجاوزا للواقع المادي، باعتباره نابعا من المشيئة الإلهية، ووضعت الفقد والخسارة في إطار "الحياة العادية"، فلم تُسرَد بوصفها حالات نفسية معزولة، بل في سياق القدر والمسؤولية. حتى إن مشكلات كالبطالة والفقر كانت تُؤطَّر بوصفها خللًا في النظام الاجتماعي، وأوضاعا غير عادلة، فالفاعل فيها مواطن لا فرد منعزل. أما المعاناة الأخلاقية، كمشاعر الذنب والخزي والغضب، فكان يُنظر إليها كانعكاس للقيم التي يعتنقها الإنسان. اشتركت السرديات الثلاث، الوجودية والاجتماعية والأخلاقية، في شيء واحد: أنها ربطت معاناة الإنسان بوجوده في العالم.

إعلان

في رسالة "الثوب الأبيض"، يعرض رجل سلسلة من التحولات الدرامية في حياته، بدأ حياته مثقلا بالمسؤوليات الأسرية، حتى تزوج من فتاة أحبها، لكنه بعد سنوات من تأخرهما في الإنجاب بدأ يعاني من صراع الرحيل أو البقاء، حتى طلق زوجته، وتزوج بأخرى، وأثمر زواجه عن طفلة، واستقرت سعادته، وبلغ نجاحه المهني ذروته حتى باغته مرض مهدد للحياة، فجرّ هذا الحدث تساؤلات وجودية ودينية: هل مرضه صدى ظلمه لزوجته الأولى؟ وما معنى أن يأتي مرضه في ذروة سعادته؟ إلى جانب مشاعر الذنب التي لا تهدأ.

"تتعامل اللغة النفسية مع تساؤلات الخطأ والشعور بالذنب بوصفها أعراضا مرضية أو مؤشرات على الاكتئاب"

سؤال الرجل، هل المرض عقاب، يحمل افتراضا ضمنيا بأن العالم به مسحة من العدالة، وأن الأحداث فيه تحدث لمعنى معين، وليست عشوائية، فأن أكون مخطئا مستحقا للعقاب رغم قسوته، يمنح الحدث معنى، ويعكس غائية العالم، لكن المفردات النفسية قد تتعامل مع هذه التساؤلات بوصفها أعراضا مرضية أو مؤشرات على الاكتئاب، لا بوصفها قضايا أخلاقية تناولها الدين والفلسفة. عن ذلك تقول عالمة الاجتماع إيفا إيلوز إن علم النفس هو أول سردية ثقافية في التاريخ تتخلص من ثيوديسيا الشر (معضلة الشر)، فتحول مثل هذا السؤال من بحث عن العدالة الإلهية إلى سؤال عن "إدارة المشاعر".

تستطيع الثقافة العلاجية أن تُخرج أي معاناة من موت رجلٍ يصارع المرض، إلى طلاق أو فقد، أو مشاجرةٍ عابرة بين صديقين، من إطار "الحياة العادية" لتؤطرها كصدمات واضطرابات. تشير إيفا إيلوز إلى أن مشاعر ذات مضمونٍ أخلاقي كالغضب والذنب والإهانة جرى نزع جانبها الأخلاقي، واختزالها إلى علامات على "عدم النضج العاطفي" أو "الخلل الوظيفي".

ويمتدّ هذا التحوّل كما تبيّن عالمة النفس البريطانية ماري بويل، إلى مستوى أوسع، حين يمارس الخطاب النفسي "تطهيرا" لمشكلاتٍ بنيوية، فيصوغ الفقر والبطالة والأزمات السياسية بوصفها اضطرابات فردية تخصّ طباع المرء وتاريخه، لا نتائج لشروط اجتماعية واقتصادية. يظهر هذا في عالم العمل: فبعد أن كان يُناقَش بمفردات الاستغلال وحقوق العمال والأجور والعمل النقابي، صار يُناقَش بمفردات الاحتراق الوظيفي والضغط النفسي و"المدير السام"، فتحوّل الفرد من مواطن يعاني غياب العدالة إلى موظّف يحتاج مهاراتٍ في "إدارة الضغوط".

مصدر الصورة المفردات التي نسرد بها آلامنا لا تأتي من فراغ، بل من السرديات التي توفّرها الثقافة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

اللغة بين خلق التجربة ووصفها

لا يقف أثر هذه اللغة عند تجريد التجربة من معانيها الكبرى؛ بل إنها تمنح الأفراد قاموسا نفسيا جديدا يعيد تشكيل الشعور من الداخل. حين عبّر رجل بريد الجمعة عن خوفه على علاقته بزوجته وابنته فقال: "أخاف على سعادتي من غدر الزمان"، كان يصف علاقة بالقدر والمجهول. ولو تُرجم القول إلى القاموس النفسي لصار "مخاوف هجر" أو "نمط تعلّق قلِق" أو "اضطراب قلق". وليس هذا اختلافًا في الوصف وحسب، بل انتقالٌ من الإطار الإنساني إلى الإطار المرضي.

"لا تكمن خطورة اللغة العلاجية في أنها تسير عكس اتجاه لغة الفن والأدب، بل في كونها تسير عكس اللغة اليومية بعفويتها واستعاراتها"

لا تكمن خطورة اللغة العلاجية في أنها تسير عكس اتجاه لغة الفن والأدب، بل في أنها تسير عكس اللغة اليومية بعفويتها واستعاراتها. فبينما تحتفظ تلك اللغة اليومية بغموض التجربة واتساعها، تفرض اللغة التقنية قوالب جاهزة. هنا "قلق الهجر" ليس وصفًا عابرًا، بل سيناريو متكامل: يفسّر الشعور، ويحدّد محفّزاته ويشير إلى منبته، ويرسم مساره السلوكي، فيتحوّل من أداةٍ للتعبير إلى "سكربت" يُملي على الفرد كيف ينبغي أن يشعر وكيف يتصرّف، حتى يجد نفسه بوعي أو بدون وعي ممتثلًا لمساره ونتائجه. وهكذا تُقولب المشاعر، وتفقد كلُّ تجربةٍ فرادتها؛ فأوصاف كالاعتمادية العاطفية والتعلّق المرضي وجرح الرفض تصف أنماطا مرضية بعينها، وتوسيعها في الاستخدام اليومي يعني "مرضنة" للتجارب الطبيعية، وإخراجها من خصوصية القصة الشخصية إلى حالة عامة.

إعلان

هنا يبرز ما يسميه الفيلسوف إيان هاكينغ "التأثير الحلقي" . فالأشياء في الطبيعة كالجزيئات لا يعنيها أن نسميها، ولا تتبنّى الوصف ولا ترفضه. أما البشر فيتفاعلون مع التصنيفات التي نطلقها عليهم أو يطلقونها على أنفسهم. والتصنيف النفسي الذي نضع أنفسنا تحته لا يصف ذواتنا فحسب، بل يعيد صياغتها لتطابق القالب الجاهز، فيسلك المرء في حياته ويتصرف وفق المعايير التي حدّدها المصطلح.

ولا تكتفي هذه المفردات بإعادة صياغة الحاضر، بل تمتدّ إلى الماضي لتعيد تشكيله بأثر رجعي. فالماضي كما يرى هاكينغ لا يوجد في الذاكرة كأنه "فيلم وثائقي" ثابت، بل هو مادة قابلة لإعادة السرد. والأوصاف الجديدة (صدمة، إساءة، إهمال عاطفي) ليست ملصقات نضعها على أحداث قديمة، بل تعيد تشكيل الحدث وتلونه بلونها، حتى إنها لتصف أفعالا لم تكن، أو تمحو أفعالا كانت.

"لا تكتفي هذه المفردات بإعادة صياغة الحاضر، بل تمتد إلى الماضي لتعيد تشكيله بأثر رجعي"

لا يكتمل الفعل الإنساني إلا بوصف لغوي. فالفتاة التي كانت أمها تتركها أمام التلفاز ساعات طويلة، أو وحدها في البيت، قد تحمل عن ذلك ذكرى غير سارّة وحسب؛ لكنها إن اكتسبت مفردات نفسية جديدة، فقد تعيد تعريف أمها بأنها "غائبة عاطفيًّا"، ووحدتها بأنها "إهمال عاطفي"، فتتلوّن الذكريات من جديد: الأم التي كانت لا تستقبلها بحفاوة، أو تنام مبكرا، تُصبغ الآن بصبغة "الإهمال"، وربما تعيد تلك الفتاة (والمرأة الناضجة لاحقا) صياغة حاضرها بوصفها "ضحية إهمالٍ عاطفي"، فتؤدي "سكربت" الإهمال، وتفسّر يومها من منظوره.

هل يعني هذا أن ما عاشته المرأة مجرد إعادة تأطير لا واقع نفسي؟ قطعا لا. فمعاناة الطفولة واقع شعوري حقيقي، لكنه واقع لا يوجد مستقلا تماما عن اللغة التي يُروى بها. اكتشاف المصطلح ليس اكتشافا لحقيقة كانت مخبأة، بل تحديد لما يمكن رؤيته في التجربة وما يُهمَل منها؛ وقد يعني ذلك طمسَ الظروف المحيطة، وإعادةَ تقديم التجربة كحالة نفسية معزولة.

ويضرب هاكينغ مثلًا آخر: جنود الحرب العالمية الأولى الذين أُعدِموا رميا بالرصاص بتهمة الفرار، ثم سعت تشريعاتٌ حديثة إلى تبرئتهم بحجة أنهم لو حوكموا اليوم لشُخصوا باضطراب ما بعد الصدمة. لقد أعاد المصطلح الحديث صياغة الفعل نفسه، وحوّل الجنديّ من هاربٍ خائن إلى ضحية؛ فلم يكتفِ بتغيير الوصف، بل حذف فعل الهروب ليحل محله فعل المعاناة.

مصدر الصورة لغة العلاج لا تسمي التجربة فقط، بل تعيد تشكيلها (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

خطاب العجز

ثمّة فارق في وصف الناس بين اللغة العادية واللغة النفسية. فعلى عكس الكلمات القصيرة المختزِلة على شاكلة "متلاعب"، "نرجسي"، "تجنبي"، "صدامي"، كانت أوصاف بريد الأهرام أقرب إلى النعوت الأخلاقية: تصف امرأة شقيقها بأنه "وحشٌ مفترسٌ داخل الأسرة، مجرد من الإنسانية والرحمة، وكأننا لم نعرفه من قبل"، وتصف سيدةٌ نفسها بأنها "أم ظالمة قاسية"، وقد تأتي الأوصاف استعارية مواربة، كرجل يصف اعتماديته وتهرّبه من المسؤولية بأنه "شجرة لبلاب تحتاج دائما إلى دعامة تستند إليها لتنمو، ولا تستطيع أن ترتفع إلا بغيرها".

في رسالة "شجرة اللبلاب" تلك، يقدّم رجل في أواخر الأربعينيات نفسه ثريا مترفا، يعيش وحده في شقته المطلّة على النيل، لم يعمل يوما، يعيش على إرث أبيه، ولا يكلّف نفسه حتى عناء تحصيل إيراد العقارات فيتركه لأخيه. يحاول الزواج لينقذ نفسه من وحدته، فلا تقبله أسرة لأنه بلا عمل، ويبحث عن عمل، فلا يجد ما يناسب مواعيد نومه: يستيقظ في الرابعة عصرا، ويقضي يومه في القراءة والتنزّه ودور السينما والمسرح، وينام بعد أن تكون الإذاعات العالمية قد أوقفت بثها فجرًا. ويرجو من المحرر أن يساعده دون أن يطلب منه الخروج إلى العمل صباحًا أو إدارة أملاكه.

يشخّص المحرر مشكلته بلغةٍ أخلاقية: "شلل الإرادة" الناتج عن سنوات الفراغ الطويلة والعادات الضارّة، واتّكائه على إرث الأب وجهد الأخ، حتى انفصل عن إيقاع الحياة العملية وصارت روحه، بتعبير المحرر، عاجزة عن أن يحركها شيء أو يثير حماستها شيء. وتوصيفُ المشكلة بـ"شلل الإرادة" يُبقي صاحبها في حيّز "الفاعل" وإن تعطّلت فاعليته؛ على عكس المفردات التي تنشرها اللغة العلاجية.

قد يكون هذا الرجل مصابًا فعلا باضطراب في الشخصية يعيقه في عمله وعلاقاته، وهذا لا يُبطل صحة وصف الكاتب، لكن كلَ وصفٍ يعيد تحديد موقع الفاعل على نحو مختلف. فاللغة العلاجية تقدّم ما يسمّيه كينيث غيرغن "خطاب العجز": خطاب يعرّف الفرد عبر نواقصه، ويعيد تفسير سماته بوصفها نتيجة لأسباب داخلية.

إعلان

وهكذا بات ينشر في كلام الناس اليومي مفردات مثل الاكتئاب و"أو سي دي" (الوسواس القهري)، و"إيه دي إتش دي" (اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة)، إضافة إلى "بي تي إس دي" (اضطراب ما بعد الصدمة)، وبي بي دي (اضطراب الشخصية الحدية)، مع استخدام غير دقيق لها غالبا. إنها جميعا تترجم السلوك على أنه نتائج لخلل مرضي واضح: فإذا تحدّثتُ بعدوانية مثلا، فلأن لديّ خللا في تنظيم المشاعر، أو محفّزًا لصدمة قديمة، أو رد فعل دفاعيًّا على تهديدٍ متصوَر. في كل الأحوال صارت العدوانية شيئا يحدث لي، لا شيئًا أحدثتُه أنا.

مصدر الصورة كل وصف يعيد تحديد موقع الفاعل على نحو مختلف؛ فاللغة الأخلاقية تبقي الشخص في حيّز المسؤولية، بينما تقدّم اللغة العلاجية خطابا يعرف الفرد عبر نواقصه (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الحب بوصفه اضطرابا

ولعله لا مجال تبدّلت مفرداته كما تبدّلت مفردات الحب والعلاقات. صار نادرا أن يعبّر الناس عن مشاعرهم بالغرام والاشتياق والكلمات الحارّة، فصاحب ذلك يُنظر إليه أو ينظر إلى نفسه على أنه يعاني "اعتماديةً مفرطة" و"تعلّقًا مرضيا".

فبعد أن أعادت الثقافة العلاجية صياغة الحب، تبدّل معناه: من توجُّهٍ نحو الآخر إلى تمركز حول الذات عبر الآخر. في كتابٍ مثل "لا بطعم الفلامنكو" للدكتور محمد طه، وهو منتَجٌ ثقافي يعكس مضامين الثقافة النفسية الرائجة، يُقدَّم "الحب الصحي" في مقابل "الحب غير الصحي"؛ فالثاني تكرارٌ لسيناريوهاتٍ قديمة من العلاقة بالوالدين، يندفع فيه المرء نحو آخر بدافع مرتكزات لاواعية. أما "الحب الصحي" فيتميّز بـ"الاستقلال النفسي" و"حماية الحدود" وعدم الذوبان في الآخر، ويُختزل إلى "إشباع الاحتياجات النفسية".

يتبني الكتاب لغة نفسية تركز على "الذات" حيث يدور كل شيء حول "أنا محتاج"، "أنا عايز"، "أنا حقي" فيما يغيب الآخر بوصفه متلقيا للحب، ويظهر إما بوصفه مغذ للذات من خلال إشباع احتياجاتها، وإما معطل يُدفع بعيدا عبر خلق "الحدود". بالتالي فُرغ الحب من معناه العاطفي، وصارت مشكلاته تُعرَض بمفردات "ضعف الحدود" و"التلاعب النفسي" و"التعلّق المرضي".

"بينما تعرف الثقافة النفسية الحب بالاستقلال وإشباع الحاجات، كان بريد الأهرام يعرفه بما نفعله تجاه الآخر"

بينما تعرّف الثقافة النفسية الحبَّ بالاستقلال وإشباع الحاجات، كان بريد الأهرام يعرّفه بما نفعله تجاه الآخر، كما يصف شاب علاقته بزوجته: "إن كلا منا يعرف في أعماقه أن أمامنا أيامًا صعبة لن يخفّف منها سوى عطف كل منا على الآخر وحمايته له". لغة تصحبها مفردات: "الترفع عن الصغائر"، و"حسن المعاشرة" و"التضحية". وحتى مشكلات الحب كانت تُعرَض اجتماعيةً أو أخلاقية: تعارُض رغبة الفتاة ورغبة الأهل، فجوة اجتماعية أو ثقافية، طباعٌ لا يُحتمَل التعايش معها كالعدوانية والخيانة. فهنا أيضًا يبقى الحب موصولًا بالآخر وبالعالم وبسياقات أوسع من الذات.

نعود إلى السؤال الذي افتتحنا به: هل كانت مفردات الاضطراب وجلد الذات والتروما لتستوعب ثقل ما كان يطرحه رجل "الثوب الأبيض" من تساؤلاتٍ عن حكمة الله من مرضه، وعذابات ضميره تجاه امرأة ظلمها؟

أحسب أن الجواب صار واضحا: حين يعرف الإنسان ألمه وذنبه وخوفه وحبّه من داخل لغة تقنية، قد يخسر دون أن يدري، صلته بالعالم. فاللغة النفسية لم تُضِف فهمًا جديدًا بقدر ما حوّلت اتجاه السرد من الخارج إلى الداخل، ممارِسةً ما تسمّيه ماري بويل "تغييب العالم".

ليست المشكلة في اللغة النفسية ذاتها، بل في اتّساع رقعتها وهيمنتها على ما سواها. فهي، وإن اتّصلت بتجاربنا اليومية، لغةٌ تقنية صيغت لسياقاتٍ علمية محدّدة. وحين يعرف المرء مشاعره وذاته وتجاربه بها وحدها، فإنه يتبنّى دون قصدٍ نظرة طبية إلى نفسه، ويحجب عن عينيه أبعادَ وجوده التي تأبى أن تندرج تحت أي تصنيف.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار