في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في قلب الصحراء الكبرى، تقف مدينة تمبكتو وحيدة في مواجهة رياح الأزمات الأمنية والاقتصادية، التي تشتد يوما بعد آخر جارفة أمامها قدرة السكان على حفظ بلادهم وتراثهم الإنساني العريق.
فالمدينة الواقعة شمال مالي تمثل حلقة الوصل بين أطراف الصحراء، وتمتلك تاريخا كبيرا من العلوم والثقافة والفنون، التي صيغت على وقع خطى القوافل وحكايات الرحَّالة والتجار عن الذهب والملح والقلم، كما قال بابا ولد حرمة في تقرير أعده للجزيرة.
لكن المدينة التي مثلت لعقود منارة علمية ودينية في قلب الصحراء الأفريقية، تبدو اليوم خالية، يتهددها الخوف ويحاصرها الفقر، بعدما غادرها أغلب سكانها ولم يبق بها إلا من عجزوا عن الرحيل، حسب الفادي وانغارا، مدير مدرسة جامع سيدي يحيى.
فالأزمة التي تعيشها تمبكتو منذ سيطرة الجماعات المسلحة عليها قبل 15 عاما دفعت جل سكان المدينة القدامى للفرار، رغم خروج هذه الجماعات من المدينة لاحقا.
فالضغوط الأمنية والاقتصادية والمناخية أيضا عززت فكرة الرحيل عن المدينة ودفعت المشرفين على المكتبات المحلية، إلى نقل مخطوطات إلى العاصمة باماكو، قبل أن يعاد بعضها مؤخرا.
حتى السياح الذين كانوا يعززون اقتصاد المدينة لم يعودوا يزورونها كما كانوا في سنوات ماضية مما دفع غالبية النزل والمحال لإغلاق أبوابها.
ومع ذلك، لا يزال "ألفا ميغا" متمسكا بالنزل الذي شيده أبوه قبل عقدين، ويواصل العمل فيه حتى مع ندرة الزائرين. فمنذ عام 2009، تراجعت أعداد السياح بشكل كبير وكادت المدينة تخلو منهم تماما.
لكن بعض المبادرات ساهمت في جلب بعض السياح مثل مهرجان العيش المشترك والمهرجان الفني السنوي اللذين استقطبا عددا كبيرا من الأمريكيين، كما قال ميغا.
ووسط كل أسباب الصمت، لا تزال المدينة تضج بالذكريات والآثار، فعبر أجيال كثيرة من التزاوج الثقافي وتمازج الألسنة والأعراق ترسخت مكانة تمبكتو الثقافية والعلمية.
راكمت المدينة تقاليد معرفية وفنية صقلتها القرون، فخطى العابرين ومن عمروا الديار باقية في الدروب والمآذن والأصداء، التي تحاول المدينة الاتكاء عليها وهي تحاول تبديد شبح العزلة والانكسار.
ففي المكتبات وما تضم من مخطوطات تتجلى شواهد نهضة المدينة ومن عبروها ذات يوم، والتي تعرضت للكثير من الإتلاف وضحى البعض بحياتهم لإنقاذ ما تبقى منها.
ومن بين الصروح المهمة في المدينة، معهد أحمد بابا التمبكتي، والذي يحمل اسم أحد أعلام المدينة ورواد نهضتها العلمية قبل أكثر من 4 قرون. وفي هذا المكان، تحاول تمبكتو لملمة شتات ما خطه النساخون وخطته الأقلام من علوم وفنون على مدار سنين طويلة.
ويجاهد القائمون على المعهد لحفظ آلاف المخطوطات التي تهددها الظروف الطبيعية القاسية وتمتد إليها يد الإنسان أحيانا بالحرق والإتلاف، كما حدث عندما سيطرت الجماعات المسلحة على المدينة مطلع عام 2013، وهو السيناريو الذي يخشون تكراره مستقبلا، بعدما استعادت هذه الجماعات السيطرة على العديد من المدن الكبرى في شمال البلاد خلال الشهور القليلة الماضية.
فعندما دخلت الجماعات المسلحة المدينة، حاول القائمون على المعهد إخراج المخطوطات بصعوبة ونجحوا في نقل كثير منها إلى العاصمة باماكو، بعدما ضحى شباب بأنفسهم وحملوا 780 مخطوطا في حقائبهم، كما يقول رئيس مصلحة المخطوطات بالمعهد أبو بكر ميغا.
ومع تفاقم الأزمات الأمنية والمعيشية، تتراجع قدرة السكان على حماية تراث وآثار المدينة، واضعة هذه الثروة الإنسانية على شفا التلف أو الضياع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة