للوهلة الأولى قد تبدو المشهدية مأخوذة من فيلم غربي: رجل يمتطي الحصان ويقطع المراعي من أجل حراسة الماشية . لكننا لسنا في تكساس، بل في كانالي مونترانو، حيث يجسد البوتيرو – راعي الماشية التقليدي – تاريخ وهوية منطقة ماريمّا في لاتسيو.
هنا لا يُعد الحصان رمزا للماضي بقدر ما هو أداة عمل ورابط مباشر مع تقليد عمره قرون ما زال يطبع هذه الأرض، من خلال ممارسات تُنقل من جيل إلى آخر وتحميها خصوصا جمعية "بوتيري دي كانالي مونترانو".
وعلى خلاف رعاة البقر في الولايات المتحدة، الأحدث عهدا، يعود أصل شخصية البوتيرو إلى تقاليد ضاربة في القدم، ويعتبرها كثيرون امتدادا لإرث الحضارة الإترورية، إذ يُعتقد أن ما يملكه هؤلاء من معارف وصل إلينا شبه كامل.
يأتي مصطلح بوتيرو من اليونانية βουτόρος، أي "من يَحثّ الثيران"، وقد كان على مدى قرون شخصية أساسية في تربية الأبقار في المراعي المفتوحة ومحورا لحياة المجتمعات الريفية. حتى اليوم تعيش الأبقار الماريمّانية حصرا في المراعي المفتوحة، ولجمعها يعتمد الرعاة على مهارتهم في ركوب الخيل، وهي عنصر جوهري في المهنة، فهم فرسان متخصصون في ما يعرف بـ"الركوب لأغراض العمل".
ومع تطور التكنولوجيا كادت مهنة البوتيرو تختفي، غير أن شغف المتمسكين بهذا الأسلوب من الحياة ساهم في الحفاظ على هذا الدور.
ويقول رينالدو كاميليتي، وهو بوتيرو وصاحب مزرعة لتربية الأبقار والأغنام في كانالي مونترانو يديرها مع ابنه تشيزاري: "كان لدي الأعمام وأبناء خالتي يعملون في هذا المجال. ومن أجل الحفاظ على الذكرى وإبقاء التقاليد حية لم نتخلَّ عنها أبدا، حتى في حدود إمكاناتنا المتواضعة".
بالنسبة إلى مارتا بابا، طبيبة بيطرية وبوتيرا شابة تبلغ من العمر 27 عاما، يتمثل هذا الدور أقل في قيادة القطيع وأكثر في "مرافقة الماشية، لأن خيولنا وأبقارنا وُلدت وترعرعت هنا، وبالتالي كل ما أستطيع فعله هو أن أكون إلى جانبها وأرافقها".
هي وشقيقها أليساندرو، البالغ من العمر 21 عاما، تأثرا بدورهما أيضا بجذور العائلة وارتباطها بالأرض في اختيار طريق البوتيري، غير أن مارتا شددت كذلك على أنها "تحب كثيرا العيش في هذا المحيط، فهو بالنسبة إلي حقا بمثابة جرعة من الهواء النقي".
في الماضي "لم يكن على البوتيرو أن يهتم بإدارة قطعان الأبقار فحسب، بل كان عليه أيضا أن يتولى إدخالها إلى الحظائر (أي إدخالها إلى الحظائر، المحرر) وفطام العجول". ومع الخيول المدربة التي كان يمضي معها معظم ساعات يومه، كان الراعي يجمع القطعان، ويفطم العجول، ثم يسوقها إلى حظائر تُبنى من أعمدة الكستناء تُعرف في المنطقة باسم "الريميسيني"، كما يوضح كاميليتي.
ولتأدية هذه المهام كان البوتيري يستعينون أيضا بكلاب مدربة، تُستخدم غالبا لإعادة الحيوانات إلى الطريق الصحيح "بحكم أننا في منطقة تلال ذات تضاريس صعبة في بعض المواقع"، بحسب كاميليتي. وما إن تدخل الأبقار الحظائر حتى تُعتنى بها وتُوسم كي يسهل التعرف إلى القطيع، خصوصا أن أكثر من 70 في المئة من سكان المنطقة كانوا يعيشون حينها من الزراعة وتربية المواشي، ولم تكن هناك بعد رقاقات إلكترونية أو رقع أذن تعريفية.
وكان الوسم بالنار – المعروف باسم "merca" والمستخدم للتعرف إلى الحيوانات حتى من مسافات بعيدة – يشكل محطة أساسية في الحياة الريفية، إذ يعد مناسبة احتفالية للجميع: لصاحب القطيع، وللمزرعة، ولكل البوتيري والمجموعات التي شاركت في العملية.
اليوم أُعيدت قراءة هذه التقاليد وتكييفها مع العصر. تقول مارتا: "في السابق كانت طريقة القيادة والإدارة وأيضا التعرف إلى الماشية مختلفة، إذ كان كل بوتيرو وكل مجموعة من البوتيري تعرف جيدا حيواناتها، وأين ترعى وكيف تتحرك، وهنا مثلا كانت لدينا تقليد "merca" أي وسم الحيوانات"، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب حُظر منذ زمن بموجب القوانين.
كما تغيرت الوسائل التي يستخدمها البوتيرو للوصول إلى الحيوان، "فلم يعد الاعتماد حصرا على الحصان، بل أيضا على الجرارات والآلات الزراعية، وقد أصبحت المزارع أكثر كفاءة من وجوه عدة، ما أدخل تغييرات تيسّر العمل إلى حد ما"، تضيف مارتا.
وترى البوتيرا الشابة أن هذه التحولات حملت مزايا كثيرة ولكن أيضا سلبيات للبوتيري وللقطعان، "فالكثير من الناس لم يعودوا يمارسون هذه المهنة، أو لم تعد مصدر رزقهم الأول، وربما صارت نشاطا هامشيا أكثر، سواء من حيث العدد أو من حيث الممارسة العملية نفسها". وفي ما يخص الماشية، تقول إن "صغائر العناية اليومية التي ربما كان البوتيرو يوليها اهتماما قبل 50 أو 70 عاما بدأت تضيع، لأن طبيعة العمل مع الحيوان اليوم تختلف عما كانت عليه قبل أعوام".
ومن أجل إبقاء ذاكرة الماضي حية، تنظم جمعية "بوتيري دي كانالي مونترانو" كل عام في شهر أيار/مايو احتفالا يسمى "ريارتو"، يستعيد اللحظة التي تسبق بدء الترحال الموسمي للقطعان، الذي كان يتم مرتين في السنة، حين يجتمع البوتيري لتبادل السلع والتنافس في مسابقات مهارة. ومن بين هذه المسابقات أكثرها تميزا هي مطاردة العجل، وهي إعادة تصور لطقس وسم الماشية؛ إذ يتعين على فرق مؤلفة من ثلاثة فرسان الإمساك بالحيوان باستخدام "lacciara"، وهي حبل غير صلب، خلافا للحبال المستخدمة في مسابقة "الرويو" في الولايات المتحدة، ما يزيد صعوبة المهمة. وبعد الإمساك بالعجل يُوسم بشكل رمزي بالطباشير.
مرحلة أساسية أخرى في حياة البوتيرو كانت ترويض الخيول، وهي عملية لها أساليب مختلفة. يوضح كاميليتي أن "الترويض كان يجب أن يتم بطريقة خاصة، باستخدام لجام نسميه هنا 'a mazzetto'. كان على الفارس أن يمسك بلجام الحصان بيد واحدة فقط وأن يُبقي اليد الأخرى حرة ليتمكن من القيام بمهام أخرى مع الحيوانات".
وكان هذا العمل شاقا للغاية، لأن الخيول في ذلك الوقت كانت أقل ألفة مع البشر مقارنة باليوم، وكانت "حيوانات صعبة الطباع بعض الشيء لأنها تأتي من مراعي الجبال المفتوحة"، وفقا لما يرويه المربّي. وكان البوتيرو يروض الخيول لنفسه أو لحساب الآخرين، وكانت هذه المهمة حيوية "لأن الوسائل الميكانيكية لم تكن موجودة آنذاك".
كما كان لا بد من ترويض الأبقار، "إذ كانت هناك عربات خشبية كبيرة جدا تُجر بواسطة ثيران من سلالة ماريمّا، وهي ثيران معروفة أيضا بطباعها الصعبة".
وعندما لا يكون على صهوة حصانه، كان البوتيرو، الذي يمضي أشهرا بعيدا عن بيته لرعاية الماشية، يستريح في أكواخ بسيطة في المراعي تُشَيَّد من الأغصان والنباتات، وفي داخلها موقد للنار. ومن الأطباق التقليدية في حياته اليومية طبق "الأكوكوتا"، وهو حساء يُحضَّر من الخضار البرية الموسمية، كما يشرح كاميليتي. أما الحانة فكانت مكان اللقاء والتواصل الاجتماعي، وغالبا ما يرتادها الرعاة في فترات بعد الظهر التي تتاح لهم.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة