في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تضم محافظة إدلب عدداً من المعالم التاريخية التي تعود إلى العهدين الإسلامي والعثماني، ومن أبرزها خان مراد باشا في مدينة معرة النعمان، الذي تحوّل لاحقاً إلى واحد من أهم متاحف الفسيفساء في المنطقة.
ويكتسب المتحف أهمية استثنائية لكونه يحتضن لوحات فسيفسائية نادرة تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، إلى جانب قيمته المعمارية باعتباره نموذجاً بارزاً للعمارة العثمانية في شمال سوريا.
ويبرز متحف معرة النعمان بوصفه أحد أهم الشواهد على تلك الجهود، إذ تحول خلال سنوات الحرب إلى رمز للحفاظ على الهوية الثقافية في شمال سوريا، بعد أن نجت أجزاء كبيرة من مقتنياته من الدمار بفضل مبادرات محلية هدفت إلى حماية لوحات الفسيفساء والحفاظ عليها.
وقال مدير آثار معرة النعمان، عبد السلام حمو في حديث للجزيرة نت، إن متحف معرة النعمان، المعروف بخان مراد باشا، يعود تأسيسه إلى القرن السادس عشر الميلادي في عهد السلطان العثماني مراد باشا، وذلك ضمن سياسة الدولة العثمانية الرامية إلى إنشاء الخانات والاستراحات على طرق التجارة لتشجيع الحركة التجارية.
وأوضح حمو أن الخان يُعد من أبرز الخانات العثمانية في المنطقة، إذ يمتد على مساحة تقارب سبعة دونمات، ويتميز بتصميم متكامل يضم قاعات للنزلاء وإسطبلات، إضافة إلى مسجد وحمام.
وأضاف أنه استُخدم في بدايات القرن الماضي ثكنة عسكرية، أو ما كان يُعرف بـ"القشلة"، قبل أن تقوم وزارة الثقافة السورية في ثمانينيات القرن الماضي بتأهيله وتحويله إلى متحف تابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف، متخصص بعرض لوحات الفسيفساء.
وأشار إلى أن المتحف يضم نحو 1200 متر مربع من لوحات الفسيفساء، ما يجعله من أهم متاحف الفسيفساء في المنطقة، ويحتوي على أعمال تعود بمعظمها إلى الفترة البيزنطية، إضافة إلى لوحات من العصر الروماني، من أبرزها لوحة “هرقل” الشهيرة التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي.
"تعرض المتحف خلال سنوات الحرب لقصف متكرر، لكن أكاديميين وأثريين محليين تمكنوا من حماية لوحات الفسيفساء النادرة عبر طمرها بكميات كبيرة من الرمال."
وبيّن حمو أن المتحف تعرض خلال سنوات الحرب السورية لقصف متكرر بالصواريخ والبراميل المتفجرة، ما أدى إلى أضرار كبيرة في بنيته الإنشائية. لكنه أكد أن عدداً من الأكاديميين والأثريين المقيمين في المنطقة تمكنوا من حماية لوحات الفسيفساء عبر طمرها بكميات كبيرة من الرمال، الأمر الذي ساهم في الحفاظ عليها بشكل جيد.
وأضاف أنه بعد تراجع العمليات العسكرية بدأت الجهات المحلية، بالتعاون مع الدفاع المدني ومديرية المنطقة، إزالة الرمال والأنقاض ضمن الإمكانيات المتاحة، فيما تعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف حالياً على تنفيذ أعمال ترميم جزئية وعلى مراحل، تمهيداً لإعادة افتتاح المتحف أمام الزوار والمهتمين بالتراث.
وحول طبيعة اللوحات الموجودة في المتحف، أوضح حمو أن معظمها يعود إلى الفترة البيزنطية، إضافة إلى لوحات من العصر الروماني، من أبرزها لوحة “هرقل”، كما يضم المتحف لوحات اكتُشفت في معرة النعمان وريفها، إلى جانب قطع أثرية من مناطق سورية أخرى مثل حمص ومحردة، نظراً لاختصاص المتحف بفن الفسيفساء.
ورغم ما تعرضت له المحافظة خلال سنوات الحرب من دمار واسع طال البشر والحجر، لم تسلم المواقع الأثرية والمتاحف من القصف والتخريب، حيث تضررت أجزاء كبيرة من المعالم التاريخية، وتعرض بعضها للنهب أو التخريب. إلا أن جهوداً محلية بذلها مختصون وأثريون وفرق تطوعية ساهمت في حماية عدد من القطع الأثرية وإنقاذ أجزاء مهمة من الإرث الثقافي السوري.
وتُعد محافظة إدلب واحدة من أغنى المناطق السورية بالمواقع الأثرية والتاريخية، إذ تختزن على امتداد جغرافيتها إرثاً حضارياً يعود إلى آلاف السنين، ويعكس تعاقب حضارات متعددة تركت بصماتها في المدن والقرى والتلال الأثرية المنتشرة في أريافها. فمن مملكة إبلا القديمة التي شكّلت إحدى أهم الممالك السورية في الألف الثالث قبل الميلاد، إلى المدن البيزنطية المعروفة باسم “المدن المنسية”، وصولاً إلى المعالم الإسلامية والعثمانية، تحتفظ إدلب بمكانة خاصة على خارطة التراث الإنساني في الشرق الأوسط.
وتنتشر في المحافظة عشرات المواقع الأثرية التي توثق مراحل تاريخية مختلفة، من أبرزها مدينة إبلا الأثرية قرب تل مرديخ، والتي أسهم اكتشاف ألواحها المسمارية في تغيير كثير من المفاهيم المتعلقة بتاريخ الشرق القديم، إضافة إلى مواقع أثرية بيزنطية مثل سرجيلا والبارة ودير سنبل، التي ما تزال تحتفظ بأبنيتها الحجرية وكنائسها ومعاصر الزيتون القديمة، وتشكل نموذجاً متكاملاً للحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك الحقبة.
وفي السياق ذاته، أفاد أمين متحف معرة النعمان أحمد العنان للجزيرة نت بأن وفداً تابعاً للأمم المتحدة أجرى زيارة إلى مدينة معرة النعمان بهدف الاطلاع على الأوضاع الخدمية والاحتياجات الأساسية للمدينة، في إطار الجهود الرامية إلى دعم مشاريع إعادة الحياة إليها.
وأوضح أن الوفد ضم عدداً من المسؤولين والشخصيات الأممية، حيث شملت الجولة زيارة متحف معرة النعمان والاطلاع على الأضرار والحالة الإنشائية للمتحف، إضافة إلى مشاهدة اللوحات الفسيفسائية التي يُعرف بها المتحف، والتي حظيت بإعجاب أعضاء الوفد.
وأضاف أنه رافق الوفد خلال الزيارة، مقدماً شرحاً حول تاريخ المبنى والفترات التاريخية التي ينتمي إليها، فضلاً عن توضيح المضامين الفنية والتاريخية التي تعكسها لوحات الفسيفساء المعروضة داخله.
وأشار إلى أن فرقاً فنية متخصصة من أبناء المنطقة عملت، خلال سنوات الحرب، وبالتعاون مع منظمات دولية، على تنفيذ مشاريع لحماية القطع الأثرية والحفاظ على الإرث الثقافي للمتحف.
وختم حديثه بالتأكيد على أن الوفد الأممي أشاد بالجهود المبذولة للحفاظ على المتحف، مشدداً على أهمية توفير الدعم اللازم لإعادة تأهيله وتهيئته لاستقبال الزوار من داخل سوريا وخارجها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة