في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
واشنطن – في أحد شوارع العاصمة الأمريكية واشنطن -وتحديدا قرب شارع "يو" التاريخي ومسرح هوارد- يقف فنان الجداريات الأمريكي جويل بيرغنر أمام لوحته الممتدة على نحو عشرين مترا، يمرّر طبقة شفافة من الطلاء على وجوه أطفال من غزة، ويعود إليها مرارا لتفقد تفاصيلها.
لم تعد الجدارية مجرد عمل فني منذ إنجازها أواخر عام 2023، حيث تعاون مع الخطاط والفنان البصري الفلسطيني أحمد غصب، بل تحوّلت إلى عمل يستدعي عناية مستمرة، بعد أن تعرّض لمحاولات طمس شوّهت ملامحه قبل أسابيع.
ويروي جويل للجزيرة نت أن الجدارية تعرّضت لتخريب متعمّد في جنح الظلام، حيث "تم طلاء وجوه الأطفال بالكامل بالأسود، كما جرى تشويه الأبيات العربية"، في محاولة لطمس رسالتها الإنسانية. ويضيف -مستندا إلى مقاطع فيديو نُشرت على الإنترنت- أن من يقف وراء ذلك "ينتمي إلى مجموعة صهيونية متطرفة"، مشيرا إلى أن أفرادا منها تبنّوا الفعل عبر حساباتهم على منصة إنستغرام.
غير أن هذه المحاولة لم تُنهِ -بحسب الفنانين- حياة الجدارية، بل منحتها مسارا جديدا. حيث يرى الفنان الفلسطيني أحمد غصب أن ما حدث "جزء من رحلة العمل" وأن إعادة ترميمها لم تكن مجرد إصلاح، بل لحظة تحوّل: "لقد مرّت بمرحلة صعبة، لكنها خرجت منها أقوى مما كانت عليه، وأصبح حضورها الآن أكبر بكثير من قبل".
واختار بيرغنر أن يضع عمله على مقربة من البيت الأبيض، في مواجهة مباشرة مع مراكز القرار، كفعل احتجاجي بصري يربط بين ما يجري على بُعد آلاف الكيلومترات في غزة، وبين مسؤولية تمارس يوميا من داخل العاصمة الأمريكية.
ويشرح جويل للجزيرة نت لحظة التحول التي دفعته إلى تنفيذ العمل قائلا: "عندما بدأت الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة، كنا نتابع ما يجري عن كثب ونحس بعجز كبير. وبالنسبة لي، كوني يهوديا أيضا، لا أوافق إطلاقا على ما تفعله إسرائيل في المنطقة".
"عندما بدأت الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة، كنا نتابع ما يجري عن كثب ونحس بعجز كبير. وبالنسبة لي، كوني يهوديا أيضا، لا أوافق إطلاقا على ما تفعله إسرائيل في المنطقة"
ويتبنى بيرغنر شعار "ليس باسمنا" ليس فقط كفنان من أصل يهودي، بل كمواطن أمريكي يرى أن أموال الضرائب التي يدفعها تُستخدم في تمويل حرب يرفضها، مضيفا: "يمكنك أن تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي أو تشارك في احتجاج، لكنك تشعر بالعجز.. وأنا أعرف كيف أرسم الجداريات، لذلك أردت أن أرسم واحدة، لتظل قصة صمود محفورة على هذا الجدار".
وراكم بيرغنر تجربة طويلة في العمل مع المجتمعات المتضررة من النزاعات حول العالم، من مخيمات اللاجئين إلى مناطق الحروب في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا. ويقوم مشروعه الفني على إشراك الأطفال والشباب في إنتاج جداريات تعكس تجاربهم، ليس فقط كمساحة للتعبير الجماعي، بل كوسيلة لاستعادة الصوت في سياقات يغيب فيها التمثيل والعدالة.
ويظهر هذا المسار بوضوح في تعاونه مع الفنان الفلسطيني أحمد غصب، الذي يؤكد أن هذا العمل يشكّل "امتدادا لتجربة إنسانية يعيشها الفلسطينيون يوميا، وتحديدا الأطفال في غزة"، ويضيف للجزيرة نت: "إنه التزام أخلاقي أكبر منا كفنانين، أشعر أن من مسؤوليتنا أن نحمل صوت الأطفال الذين لا صوت لهم".
ويرى غصب -وهو خطاط وفنان بصري يقيم في الولايات المتحدة– أن استهداف الجدارية يجسّد "مستوى الكراهية التي يحملها البعض تجاه هذه الأصوات البريئة" مضيفا: "أن يكون لدى شخص كل هذا القدر من الكراهية في قلبه لدرجة أنه يريد تشويه صور الأطفال، فعليه أن يراجع نفسه كثيرا".
ورغم ذلك، يعتقد أن ما حدث منح العمل بعدا جديدا، موضحا أن "الجدارية أصبحت كيانا بحد ذاته، يتفاعل معه الناس"، وأنها "خرجت من هذه التجربة أقوى، وبحضور أكبر مما كانت عليه من قبل".
يفكّك بيرغنر الخطاب الذي يربط تلقائيا بين التضامن مع الفلسطينيين ومعاداة السامية قائلا: "أعتقد أن كثيرين، بمجرد رؤيتهم للعلم الفلسطيني، يربطونه بأشياء مثل الإرهاب أو معاداة السامية، بينما هو في الحقيقة ليس كذلك، هو علم شعب مضطهد".
كما يرى أن مسار الجدارية، من إنجازها إلى تخريبها ثم إعادة ترميمها، يحمل بعدا رمزيا أوسع "يشبه ما يحدث هنا في واشنطن، حيث يلتف الناس حول قضية إنسانية"، معربا عن أمله في أن تعكس هذه الرحلة ما يتمناه لغزة نفسها: "أن تنهض من جديد"."
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة