في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كيف يفكك الأدب الإيراني رموز أمته؟ تبدأ الرواية الإيرانية الحديثة كصوت مقاوم لمقص الرقابة، وكمنجم لألغاز الهوية المركبة، وكذاكرة محفورة بتجارب الأجيال. فمنذ أن أصبحت الرمزية والسريالية أدوات للبقاء بعد الثورة الإسلامية (1979)، واجهت الرواية تحديات مصيرية في إثبات شرعيتها وتمرير خطابها النقدي عبر شباك الرقابة لتكون صوتا أمينا لهموم الإنسان الإيراني.
في هذا الحوار للجزيرة نت مع الدكتور عظيم طهماسبي، الأكاديمي والمترجم الإيراني الذي تشكل أعماله جسرا ثقافيا بين الأدبين العربي والفارسي، نتتبع مسار الرواية الإيرانية من العصر الدستوري (1905-1911) إلى اليوم، نحلّل التوتر بين التراث الفارسي العريق والخطاب الديني الشيعي، ونفكك أسرار لغة النخب وجرأة المرأة في الهامش، ونستعرض كيف أعاد الأدب كتابة التاريخ الرسمي وخلق تاريخا مضادا من منظور المهمشين.
نقرأ المشهد الروائي الإيراني لا كفنّ جمالي فحسب، بل كوثيقة اجتماعية وسياسية تكشف نبض مجتمع يعيش على خط الصدع بين التراث والحداثة، والقمع والحرية، وإلى الحوار:
في الحقيقة إن هذا التطور قديم، ويعود لبدايات القرن العشرين. ففي أعمال مثل «البومة العمياء» لصادق هدايت (1937)، نجد صورا سريالية ورموزا غامضة تعكس العزلة والاغتراب، لكنها تحمل أيضا نقدا اجتماعيا وسياسيا غير مباشر. أما «سووشون» لسيمين دانشور (1969) فقد استحضرت أسطورة سووشون وعاشوراء لتقديم نقد للاستبداد والهيمنة الأجنبية.
بعد الثورة، ومع تشديد القيود، تحوّلت الرمزية إلى ضرورة إبداعية. كتب رضا براهني «أسرار بلادي» بلغة رمزية معقدة، وبرزت شهرنوش پارسيپور في «طوبى ومعنى الليل» 1989 التي مزجت الرموز الدينية والتاريخية، و«نساء بلا رجال» التي تروي قصة خمس نساء يهربن من القمع الذكوري ضمن أسلوب الواقعية السحرية. أما زويا پيرزاد فقدمت «أطفئ المصابيح» (2001) التي تكشف عبر الإيحاءات الدقيقة عن أزمة الهوية. الرمزية منحت الأدب الإيراني طاقة ابتكارية وميزته عالميا، لكنها جعلت النصوص نخبوية تتطلب قارئا مثقفا لفك شفراتها.
هذه النظرة أتت انطلاقا من دراسات ما بعد الاستعمار؛ حيث قد يقع جزء من هذا الأدب في فخ تسليع المعاناة، وتُختزل المرأة الإيرانية في صورة الضحية الدائمة لتلبية توقعات سوق النشر العالمي. تُستحضر هنا أعمال مثل «برسبوليس» لمرجان ساترابي و«قراءة لوليتا في طهران» لآذر نفيسي؛ إذ يرى بعض الباحثين أنها قد تنتج صورة نمطية قابلة للاستهلاك الثقافي.
في المقابل، هناك نماذج حافظت على صدق التجربة وعمقها مثل روايات محمود دولت آبادي «كليدر»، وأعمال هوشنغ گلشيري، وشهرنوش بارسيپور. تتميز هذه الأعمال بتعدد الأصوات والاشتغال على التاريخ والسلطة من داخل النسيج الثقافي الإيراني، لا من موقع مخاطبة الآخر.
تفسير هذه الهيمنة يُفهم كنتاج لتقاطع القيود البنيوية مع وعي سردي متقدم. الموقع الهامشي للمرأة دفعها لتطوير أدوات سردية أكثر التفافا وجرأة لمساءلة السلطة، مما جعل الرواية النسائية فضاء لفحص الوجود والجسد والذاكرة كحقول للصراع الاجتماعي والسياسي. هذه الأعمال الأربعة تُعدّ من النماذج القابلة للتأمل في الأدب الفارسي المعاصر لأنها تعكس تجارب النساء وتحولات المجتمع الإيراني:
رواية «طوبى ومعنى الليل» للكاتبة (شهرنوش پارسيپور): تربط بين الدين والأسطورة والهوية.
«أطفئ المصابيح» للكاتبة (زويا بيرزاد): نقد عبر تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة.
«بيت الإدريسيّين» للكاتبة (غزالة علیزاده): صراع الفرد مع مؤسسات السلطة.
رواية «طائري» للكاتبة (فريبا وفي): أزمة الهوية وتصادم رغبة الحرية مع ضغوط المجتمع.
تُعاد كتابة التاريخ عبر نقل مركز السرد من «السلطة» إلى «التجربة». إذ لا تُروى الأحداث الكبرى كحكايات وطنية متجانسة، بل تُعرض كشبكة من الذكريات المتضادة والحقائق المتنازع عليها. تصبح الرواية ساحة للصراع الرمزي على الذاكرة لإضعاف السرد «المؤسسي» الواحد وبهذا تتحول الرواية إلى أداة نقدية لإضعاف هيمنة السرد الرسمي وإعادة إنتاج "تاريخ مضاد".
من الأمثلة البارزة في هذا الاتجاه، «سووشون» لـ سيمين دانشور التي تُحوّل التاريخ السياسي إلى تاريخ الحياة اليومية والمقاومة الصغيرة تحت الاحتلال البريطاني السوفيتي.
وفي رواية «تنغسير» لـ صادق جوبك يدخل صوت الطبقات الدنيا والمناطق الهامشية إلى الأدب.
وفي «كليدر» يكتب محمود دولتآبادي "التاريخ الشعبي" من منظور الفلاحين والعمال، مفككا الهيمنة السردية للدولة.
العنصران متداخلان في تشكيل الهوية. في «كاليدَر»، تُستعاد البنية الأسطورية القديمة (الفرّه، القدر، البطولة) وتُدمج مع الحساسية الشيعية (الشهادة). وفي «طوبى ومعنى الليل»، تتقاطع الأساطير النسوية القديمة مع العرفان الإسلامي؛ فتتجاور رموز "آناهيتا" مع مفاهيم الطهارة. أما «سمفونية الموتى» لعباس معروفي، فتُعامل الأسطورة والدين بوصفهما مواد سردية قابلة لإعادة التشكيل، حيث يظهر البطل ضمن نموذج «السياوشي» الذي يجمع البراءة بالتضحية.
يتجلى ذلك في ثلاثة مسارات: البُعد الأخلاقي والروحي: استعادة مفاهيم المظلومية والكرامة كما في «كاليدَر» و«المكان الخالي لسلوتش».
المقاومة: تقاطع تجربة الحرب مع قيم التضحية الحسينية كما في «الأرض المحروقة» لأحمد محمود و«دا» لزهرا حسيني.
إعادة التأويل والنقد: تفكيك الرموز ضمن سياق حداثي إنساني كما في «سمفونية الموتى»، حيث يفتح الرمز على تأويلات متعددة تتجاوز الطقوس.
يتحول الوطن من حيز جغرافي إلى فضاء ذهني متحوّل. في «العقل الأزرق» لبارسي بور، يتخذ الوطن هيئة فضاء أسطوري. وفي «كان لفريدون ثلاثة أبناء» لعباس معروفي، يظهر الوطن كجرح تاريخي وذاكرة متصدعة. أما في «الهارمونية الليلية لأوركسترا الخشب» لرضا قاسمي، فيصبح المنفى تجربة وجودية خانقة والوطن شظايا ذاكرة لا يمكن الإمساك بها. وفي «الملجأ» لدينا نيري، يغدو الوطن ذاكرة سائلة ومؤلمة.
الفارسية حاملة لإرث شعري وصوفي عميق. حين يكتب الكاتب بلغة أخرى، يفقد جزءا من هذه الحمولة الرمزية ويواجه معضلة نقل تجربة مشبعة بالخصوصية لقارئ لا يشارك الخلفية ذاتها. الكاتب لا يترجم لغة فقط، بل يترجم ذاته وتاريخه. هذا "الفقد" يفتح إمكانات جمالية جديدة؛ حيث يُعاد تشكيل الهوية في مرآة اللغة الأخرى بوصفها أفقا جديدا للكتابة.
تُوظَّف فكرة تعدد الأصوات في «الأمير المحتجب» لنسف مركزية الراوي الواحد، مما يقلل إمكانية استهداف رسالة موحدة. التفكيك الزمني يجعل من الصعب على الرقابة تحديد «مضمون واضح» لحظره. وفي «رقابة على قصة حب إيرانية»، يُدخل الكاتب آليات الرقابة داخل النص نفسه كنوع من "الميتافيكشن". أما التناص مع التراث الصوفي فيمنح النص أقنعة رمزية يصعب تفسيرها حرفيا، فتتحول الكتابة إلى مقاومة ناعمة تختبئ في شقوق اللغة.
ستدخل الرواية مرحلة «تحرير الإنتاج». شكليا، سيتيح ذلك توسيع الأنواع الأدبية وإعادة قراءة التواريخ المقموعة. أما مؤسسيا، فثمة خطر تجانس المحتوى وتفضيل الأعمال المثيرة تجاريا. السؤال الاستراتيجي هو: بعد رفع الرقابة، لأي دور اجتماعي ولأي جمهور ستكتب الرواية الإيرانية؟ الإجابة ستحدد ما إذا كان الأدب سيتجه نحو الانفتاح الصريح فحسب، أم سيعمد إلى تعميق وظائفه النقدية وإعادة بناء الذاكرة الجماعية.
المصدر:
الجزيرة