في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في قلب العاصمة الكويتية، وتحت قباب المسجد الكبير -أكبر مساجد الكويت وأبرز معالمها الدينية- يرتفع صوت يحمل مزيجا من الخشوع والقوة والطمأنينة، صوت ارتبط لدى آلاف المصلين بليالي رمضان، وبآيات تتردد في أروقة المسجد فتسكن القلوب قبل الآذان.
إنه صوت الشيخ القارئ فهد الكندري، أحد أبرز الوجوه القرآنية والإعلامية في الكويت والخليج، والذي تحول حضوره في المحراب إلى حالة روحية خاصة، تتجاوز حدود التلاوة إلى أثر عميق في النفوس.
لا يعد صوت الكندري مجرد أداء لأحكام التجويد، بل تجربة شعورية كاملة تجذب المصلين من كل حدب وصوب حيث يتسع المسجد لعشرات الآلاف من المصلين، وتستوعب قاعة الصلاة الرئيسية فقط نحو 10 آلاف مصلين فضلا عن الساحات الخارجية.
وفي هذه الأجواء لا يكون حضور الكندري مجرد إمامة اعتيادية، بل موعدا سنويا ينتظره المصلون ويقصدونه من مختلف مناطق الكويت، حرصا على أداء صلاتي التراويح والقيام خلفه.
تتدفق الجموع إلى المسجد الكبير قبل وقت الصلاة بوقت طويل، وتمتد الصفوف في أروقته وساحاته، في مشهد يعكس مكانة الصوت في الوجدان العام، ويجعل من حضوره إحدى العلامات البارزة لرمضان في الكويت.
واكتسب الكندري هذا الحضور والشهرة نتيجة مسار طويل بدأ منذ الطفولة، حين تعلق بالقرآن حفظا وتجويدا، واختار أن يجعل من صوته وسيلته لخدمة كتاب الله، ومع مرور السنوات، تحول ذلك الشغف المبكر إلى مشروع متكامل يجمع بين الإمامة، والعمل الدعوي، والإعلام الهادف، ليصبح اسمه مرتبطا في ذاكرة المصلين بصوت يفتح أبواب الخشوع، ويمنح اللحظة معناها الأصدق.
وُلد فهد بن سالم بن علي الكندري في 28 يونيو/حزيران 1982 في دولة الكويت، ومنذ طفولته، بدأت علاقته بالقرآن الكريم بوصفها علاقة عشق مبكر، لا مجرد دراسة تقليدية حيث أحب الحروف قبل أن يحفظها، وأدرك أن للصوت رسالة، وأن للتلاوة أثر يتجاوز حدود المسجد.
عام 1999 بدأت رحلته الرسمية مع الإمامة في مسجد العمير بمنطقة اليرموك، حيث أمَّ المصلين حتى عام 2001، قبل أن ينتقل إلى مسجد الكليب في منطقة قرطبة، ومع مرور السنوات، اتسعت دائرة حضوره، ليس فقط كإمام، بل كصوت يرتبط في أذهان الناس بالخشوع والترتيل المتقن.
امتدت تجربته خارج الكويت، فشهدت الدوحة حضوره في مسجد محمد بن عبد الوهاب عام 2012، حيث أمَّ المصلين في صلاة التهجد خلال ليالي 21 و22 و23 من رمضان لعام 1433 هـ، وكانت تلك المحطة الخليجية تأكيدا على أن صوته تجاوز الحدود الجغرافية، ليصبح جزءا من المشهد القرآني في المنطقة.
ومنذ سنوات، يشغل الشيخ فهد الكندري منصب إمام المسجد الكبير في العاصمة الكويتية، أكبر وأهم مساجد البلاد، حيث يلتقي المصلون من مختلف الأعمار والجنسيات خلف صوته في صلاة التراويح والقيام، في مشهد تتعانق فيه الروحانية مع الهيبة المعمارية للمكان.
ولم يتوقف طموح الكندري عند حدود الإمامة التقليدية، فقد أدرك مبكرا أن الرسالة القرآنية يمكن أن تصل إلى جمهور أوسع عبر الإعلام، فدخل المجال التلفزيوني، وقدم واحدا من أبرز برامجه الدعوية وهو "بالقرآن اهتديت"، الذي استضاف فيه مسلمين جددا من أوروبا، ليرووا رحلتهم مع الإسلام قبل وبعد اعتناقه.
ثم جاء برنامج "مسافر مع القرآن"، الذي حمل المشاهدين إلى تركيا ومصر والمغرب وموريتانيا والشيشان، في رحلة بحث عن حفظة كتاب الله وأسرار الإتقان، كما قدّم برنامج "عبدا شكورا" على قناة الوطن، وشارك في عدد من المحاضرات والمؤتمرات داخل الكويت وخارجها، في كندا والولايات المتحدة والإمارات وغيرها، جامعا بين الطرح التربوي والطرح الدعوي بأسلوب هادئ ومباشر.
قدّم الكندري نموذجا للقارئ والداعية المعاصر الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، بين صوت المحراب وعدسة الكاميرا، كما أصدر العديد من التسجيلات القرآنية بصوته والتي لاقت قبولا واسعا لدى الجمهور الذي كان ولا يزال يشيد بأدائه في التلاوة والذي يتميز بالوضوح في مخارج الحروف، والالتزام بأحكام التجويد، مع مسحة عاطفية تمنح التلاوة بعدا وجدانيا عميقا.
وشارك الكندري في مسابقات قرآنية متعددة، وتُوِّج بالمرتبة الأولى في المسابقة الدولية للقرآن الكريم بدولة الكويت، وهو إنجاز عزز مكانته بين القراء الشباب في جيله كما حقق العديد من الأرقام المميزة خلال مسيرته ومنها:
ينتمي فهد الكندري إلى جيل جديد من القراء الذين أدركوا تحولات العصر، فاستثمروا وسائل الإعلام الحديثة لنشر القرآن الكريم، فلم يعد الصوت حبيس جدران المسجد، بل صار يعبر القارات عبر الشاشات والمنصات الرقمية.
ومع ذلك، يبقى المشهد الأصدق هو ذاك الذي يبدأ بتكبيرة الإحرام في المسجد الكبير، حيث يصطف المصلون في خشوع، ويعلو صوته بآيات تعيد ترتيب الداخل، وتمنح اللحظة معنى مختلفا.
وهكذا تتشكل سيرة الشيخ فهد الكندري من طفل يقود المصلين في مسجد الحي في عمر الرابعة عشرة، إلى إمام للمسجد الأكبر في وطنه، ومن قارئ شاب إلى إعلامي يحمل القرآن رسالة عابرة للحدود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة