آخر الأخبار

المكارثية واستهداف المهاجرين بأمريكا.. قراءة في كتاب "اللجنة" لوالتر غودمان

شارك

في أروقة السياسة الأميركية المعاصرة، لم يعد الاشتباه مجرد أداة إجرائية تخضع لضوابط التحقيق الجنائي الصارم، بل استحال في كثير من المفاصل إلى "مناخ عام" يلف بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.

لكن ما يحدث اليوم من استقطاب حاد، ونقاشات صاخبة حول هويات المهاجرين، واختبارات الولاء الضمنية، وتمدد الرقابة بدعوى الأمن القومي، ليس إلا إعادة إنتاج لأزمات قديمة نشأت بعد استهداف فئات مجتمعية تحت دعوى حماية الدولة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مصطفى العقاد.. مخرج حمل رسالة الإسلام إلى هوليود
* list 2 of 2 هكذا تشوّه أفلام هوليود صورة العرب والمسلمين end of list

تعيد اللحظة الراهنة، بما تحمله من إجراءات استثنائية كالاحتجاز الإداري والتدقيق الموسع تحت شعارات "الوقاية الاستباقية"، استدعاء هواجس تاريخية ظن الكثيرون أنها ووريت الثرى.

ومن قلب هذه المناخات الملبدة بالريبة، يبرز كتاب الصحفي والكاتب الأميركي والتر غودمان المرجعي "اللجنة: المسيرة الاستثنائية للجنة مجلس النواب للأنشطة غير الأمريكية" (U.S. House Committee on Un-American Activities) كمرآة كاشفة للمآلات التي قد يصل إليها المجتمع حين تشرعن السلطة "ثقافة التخوين".

يشرح غودمان في كتابه، الصادر عام 1968، مسيرة لجنة (HUAC)، منذ نشأتها عام 1938 وحتى ذروة نفوذها في الخمسينيات، مقدما تشريحا بيروقراطيا لكيفية تحول جهاز رقابي إلى "محكمة تفتيش" عصرية.

مصدر الصورة الكاتبة والسيناريست ليليان هيلمان رفضت "قص حناجر الآخرين لإنقاذ نفسها" (غيتي إيميجز)

يُعدُّ استدعاء هذا الكتاب اليوم ضرورة لمراجعة الحالة الأميركية الحالية؛ فمن خلال تفكيك المكارثية في مهدها، نكتشف أن الآليات التي حطمت حياة المثقفين والفنانين قديما هي ذاتها الأدوات التي تهدد اليوم بتآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية، محولة الدولة من مظلة جامعة إلى خصم يترصد ضمائر مواطنيه.

وظيفة اللجنة

يستهل غودمان دراسته الموثقة برصد التحول النوعي في وظيفة "اللجنة"؛ فبينما تأسست في البداية كجهاز رقابي لرصد النشاطات المناهضة للدولة بشكل عام، فإنها مع بزوغ فجر الحرب الباردة انزلقت لتصبح مسرحا سياسيا مكتمل الأركان.

إعلان

لم تعد جلسات الاستماع تهدف إلى الوصول للحقيقة القانونية بقدر ما كانت تهدف إلى هندسة "الريبة العامة".

أدركت اللجنة مبكرا أن قوتها لا تكمن في إصدار الأحكام القضائية، بل في قدرتها على "مسرحة" الاتهام أمام عدسات الصحافة وبث مقتطفات الجلسات لتشكيل رأي عام يرى في "المختلف فكريا" عدوا وجوديا.

هذا الربط بين التحقيق والإعلام هو تحديدا ما نراه اليوم في عصر "المحاكمات الرقمية" والتدقيق في خلفيات الأفراد عبر الفضاء السيبراني، حيث يتم اغتيال الشخصية معنويا قبل أن تثبت ضده أي تهمة رسمية.

في قلب هذا المناخ، كان السؤال الجوهري الذي صاغته اللجنة: "هل أنت الآن أو كنت يوما عضوا في الحزب الشيوعي؟" يمثل قمة الفخ البيروقراطي.

يوضح غودمان ببراعة أن هذه الصياغة الثنائية لم تكن تطلب معلومة، بل كانت تطلب "صك استسلام". وُضع المثقفون والفنانون أمام خيارات صفرية؛ فالاعتراف يعني الانتحار المهني، والإنكار يفتح أبواب السجن بتهمة الحنث باليمين، أما الصمت المستند إلى الدستور فيفسر كدليل قاطع على "عدم التعاون" و"ازدراء المؤسسات".

يجد هذا النوع من الضغط صداه المعاصر في اختبارات "الولاء الثقافي" و"الاصطفاف الأيديولوجي" التي تُفرض على الأكاديميين والموظفين اليوم، حيث يصبح الحياد أو الامتناع عن تبني خطاب السلطة السائد قرينة اتهام ضمنية بالخيانة أو التواطؤ.

هوليود تحت المجهر

يتوقف غودمان طويلاً عند ملف "هوليود تحت المجهر"، وتحديدا قضية "عَشَرَة هوليود" الذين تحولوا إلى رمز للمواجهة.

وتبرز القضية الأهم في الكتاب وهي "العقوبة خارج القانون"، إذ لم تكن الأحكام بالسجن هي الأداة الأكثر فتكا التي استخدمتها الدولة، بل كانت "القائمة السوداء".

أصبحت الاستوديوهات والشركات أذرعا تنفيذية لإرادة اللجنة، حيث تم عزل المبدعين مهنيا واجتماعيا. ويجسد دالتون ترومبو، الذي فاز بجوائز الأوسكار بأسماء مستعارة، مأساة المبدع الذي تضطره الدولة للعيش كشبح لمجرد أن أفكاره لا تروق للجنة التحقيق.

وتشبه هذه السياسة الإقصائية بشكل مذهل مع ما يُعرف اليوم بـ "ثقافة الإلغاء" أو "التهميش الإداري"، حيث يمتد العقاب ليشمل مصادر الرزق والسمعة الاجتماعية دون الحاجة إلى نص قانوني صريح، مما يجعل الدولة قادرة على "الخنق الصامت" لخصومها المفترضين.

وعبر نماذج متباينة مثل الكاتبة والسيناريست ليليان هيلمان التي رفضت "قص حناجر الآخرين لإنقاذ نفسها"، والمخرج إليا كازان الذي اختار النجاة الفردية عبر "الوشاية"، يقدم غودمان دراسة في الانهيار الأخلاقي للفرد تحت وطأة ترهيب الدولة.

فرضت الدولة على مواطنيها أن يصبحوا "مخبرين" ضد بعضهم البعض، وهو المنطق الذي يغذي، اليوم، مناخات "الوشاية الرقمية" والتقارير الكيدية التي تُرفع ضد الأفراد بناء على تصنيفات عرقية أو سياسية فضفاضة.

أظهر غودمان أن استخدام مصطلحات هلامية مثل "غير أميركي" هو السلاح الأمضى في يد اللجنة؛ فعدم تحديد الجريمة بدقة يسمح بتوسيع دائرة الاتهام لتشمل كل من يغرد خارج السرب، وهو تماما ما نلمسه في استخدام لغة سياسية معاصرة تتلاعب بمفاهيم "الوطنية" و"الأمن" لتبرير التضييق على الحريات المدنية.

إعلان

تصل دراسة غودمان إلى ذروتها في تحليل قضية المحامي والمغني الأميركي بول روبسون الذي لم يسجن، بل سحب جواز سفره ومنع من السفر.

يشير المؤلف إلى أن "العقوبة الإدارية" هي الأخطر لأنها تتم بعيدا عن صخب المحاكم وضمانات الدفاع. وتمتد ممارسات مثل تجميد الحسابات البنكية، والمنع من السفر، ووضع الأفراد على قوائم ترجع إلى تلك الحقبة التي حللها الكتاب.

مصدر الصورة المخرج إليا كازان اختار النجاة الفردية عبر "الوشاية" حسب ما أورد كتاب غولدمان "اللجنة" (غيتي إيميجز)

نقلت الدولة الأميركية "الاشتباه" من المجال القانوني إلى مجال "السيادة المطلقة"، وذلك باستخدام صلاحياتها الإدارية كأداة تأديبية، ليصبح الفرد رهينة لقرار مكتب غامض لا يملك القدرة على مواجهته علنا.

سقوط اللجنة

لا يقدم غودمان نهاية درامية لسقوط اللجنة، بل يصف تآكلا تدريجيا نتج عن تدخل المحكمة العليا وتغير المزاج الشعبي الذي سئم من مناخ الخوف. لكن الأثر الذي خلفته تلك الحقبة ظل كامنا في بنية الدولة، ليعود للظهور مع كل أزمة أمنية أو سياسية كبرى.

تبرز قيمة الكتاب اليوم في تذكيرنا بأن المكارثية ليست مجرد حقبة زمنية انتهت، بل هي "نزعة سلطوية" كامنة تتحين الفرص للبروز حين يطغى الخوف على العقل، ويظهر التشابه بين الماضي والواقع الحالي في تحول "الهوية" أو "الانتماء الفكري" إلى قرينة اتهام تسبق الفعل الجرمي، وهو ما يجعل من كتاب "اللجنة" نصا أساسيا لفهم كيف يمكن للدولة أن تبتلع مواطنيها باسم حمايتهم.

يظل كتاب غودمان تحذيرا صارما من مناخ تتحول فيه "الريبة" إلى سياسة عامة تُدار بها شؤون الناس، وليست اختبارات الولاء التي تُجرى اليوم، سواء لمهاجر يُشتبه فيه بسبب خلفيته، أو لمثقف يُحاصر بسبب آرائه، إلا استمرارا لنفس الماكينة البيروقراطية التي شرّحها غودمان.

أما الدرس الأكبر الذي يقدمه هذا العمل التاريخي هو أن حماية الدولة لا تنفصل عن حماية حق الفرد في الاختلاف؛ فالدولة التي تحاكم الأفكار وتنصب المشانق المهنية لخصومها، تنتهي بالتحول إلى "لجنة" ضخمة تراقب الجميع وتفقد في طريقها جوهر وجودها القائم على الحرية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار