في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"كان يمتلك حنجرة ذهبية وقدرة على توظيف حباله الصوتية بطريقة عجيبة، تميز بحفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته بالطريقة العراقية وترك إرثا لا يمكن نسيانه ولا مجاراته"، بهذه الكلمات وصف مدير مركز النعمان الدولي للدراسات القرآنية الشيخ الدكتور ضياء عبد اللطيف المرعي القارئ الراحل الحافظ خليل إسماعيل.
المرعي الذي لازم الحافظ خليل إسماعيل سنوات طويلة أشار إلى أنه يعد مؤسس الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم من حيث المبدأ، وكان يجيد جميع أنواع المقامات المتعارف عليها مع فروعها ووصلاتها بما جعله يتفوق على جميع القراء الآخرين، حتى أضحى مرجعا في المقامات والنغم القرآني.
وبصوته الجهوري وقدرته على تطويع الأنغام والمقامات والوصلات، بات الحافظ خليل إسماعيل رمزا في الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم حتى لقب بالعديد من الألقاب، أبرزها شيخ القراء العراقيين، وألقاب أخرى بينها "قارئ الجنان" و"بستان الأنغام" الذي أطلقه عليه محمد القبانجي (الذي وصف بمطرب العراق الأول)، كما يؤكد المرعي.
ولد خليل إسماعيل العمر الجبوري عام 1920 بمنطقة سوق حمادة بجانب الكرخ في بغداد، وبرز صوته في قراءة القرآن الكريم في سن صغيرة لم يتجاوز 13 عاما، ورغم فقدانه البصر في سن مبكرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة تعليمه وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، تتلمذ في المدرسة العلمية الدينية وتخرج منها عام 1943.
بدأت شهرته وذاع صيته بعد أن تقدم بطلب لدار الإذاعة العراقية ليكون مقرئا فيها، حيث كانت أول تلاوة مباشرة له على الأثير عام 1941 من سورة المؤمنون، بعدها وفي عام 1942 منحته دار الإذاعة لقب "الحافظ" بعد حصوله على المركز الأول في مسابقة ضمت عشرات القراء، حيث شملت اختبارات في القراءة والحفظ ومعرفة الأحكام الشرعية.
ونظرا لإمكانياته الصوتية، تولى الحافظ إمامة العديد من جوامع العاصمة العراقية بغداد، منها جامع السراي عام 1937، ثم مقرئا في مدرسة نائلة خاتون الدينية خلال دراسته فيها، ثم شغل رئاسة محفل القراء في جامع الإمام الأعظم "أبو حنيفة النعمان"، ثم انتقل للعديد من الجوامع الأخرى ومنها جامع صندل والشيخ عمر السهروردي.
أمّ الحافظ المصلين ببغداد على مدى عقود طويلة وكان صوته يعانق السماء في الصلوات الجهرية وصلوات التراويح برمضان، فضلا عن قراءته في المسجد النبوي والمسجد الأقصى خلال رحلة عودته من الحج في ستينيات القرن الماضي قبل النكبة، وفقا لما يؤكده شقيقه الشيخ عميد إسماعيل في حديثه خلال فيلم بثته قناة الجزيرة الوثائقية.
الحنجرة الذهبية وفي حديثه للجزيرة نت، يشير الدكتور ضياء عبد اللطيف إلى أن ما ميز الحافظ خليل إسماعيل هو ما حباه الله به من حنجرة ذهبية استطاع من خلالها تسخير المقامات لخدمة تلاوة القرآن، مع إجادته للقراءة التصويرية، فضلا عن تميزه بأسلوب فريد في التلاوة بطابع حداثي وأهّله ذوقه الخاص لذلك.
مع امتلاكه لحنجرة ذهبية، إلا أن الحافظ خليل إسماعيل امتنع عن إنشاد الموشحات الدينية
ورغم أن الحافظ خليل إسماعيل عاصر العديد من المقرئين العراقيين المعروفين مثل عبد الفتاح معروف والحاج محمود عبد الوهاب والحافظ مهدي والحافظ عبد الستار الطيار، إلا أن إتقان خليل إسماعيل لجميع المقامات بأصولها وفروعها وكثرة التسجيلات الصوتية له، جعلته يستحق لقب شيخ القراء العراقيين، وفق مدير مركز النعمان الدولي.
أما الكاتب والصحفي مروان هشام، فيقول إن ما ميز الحافظ عن أقرانه هو الجمع النادر بين أمرين، أولهما التبحر في الأنغام والمقامات، وإجادتها بدقة، والتنقل بين فروعها ووصلاتها المعقدة بمرونة مذهلة، موظفا إياها لخدمة النص القرآني وتصوير المعنى.
وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف هشام أن خليل إسماعيل كان يمتلك مرجعية علمية، معلقا بالقول "كان مرجعا في الأداء لدى أبناء جيله من القراء ولمن جاءوا بعدهم، ويمتلك ذاكرة توثيقية للنغم، وإحكاما تاما لمخارج الحروف وأحكام التجويد، مما جعل قراءته تُعد المعيار الذي تقاس من خلاله صحة الأداء العراقي من عدمه".
وعن حيثيات الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم وتفردها عن الطرق المصرية والشامية والحجازية وكيف أن الحافظ خليل إسماعيل يعد مؤسسها، يؤكد تلميذه الشيخ عبد المعز شاكر -في حديثه للجزيرة الوثائقية- أنه أوجد المدرسة الإقرائية البغدادية العراقية المعتمدة على النغم، وأنه كان شاهد عيان على قراءته للقرآن الكريم وتطبيقه لـ37 نغما في مدة لم تتجاوز الساعة الواحدة.
وفيما يتعلق بتفرد الطريقة العراقية عن بقية الطرق المصرية والشامية والحجازية، يعلق مدير مركز النعمان الدولي بالقول إنها تميزت بطريقة "الأداء النغمي"، حيث بين أن القراء العراقيين يمكن لهم تأدية الطرق المصرية والشامية، في حين أن هؤلاء لا يمكن لهم مجاراة الطريقة العراقية بسبب تعقيدها وصعوبتها.
ويوضح أن أسباب ذلك عديدة، لعل من أهمها أن الأنغام والمقامات العراقية شاملة وواسعة ملمة لكل المقامات في جميع الحضارات، وهو ما تمتع به الحافظ خليل إسماعيل.
كما أكد أن الطريقة المصرية والشامية لا تتجاوز في قراءتها 7 مقامات أو ما يطلق عليه بالأنغام، في حين أن الطريقة العراقية تتميز بوجود هذه المقامات السبعة الرئيسية إضافة إلى فروعها وأوصالها وتفاصيلها، بما يصل مجموعها إلى 77 نغما مشتقا من هذه المقامات وفق ما أكده الحافظ خليل إسماعيل لتلميذه ضياء عبد اللطيف، وتحولت هذه المقامات إلى فلكلور شعبي يختص به العراق.
ورغم إمكانياته الهائلة، إلا أن الحافظ لم يمارس التدريس للمقام العراقي والتلاوة بطريقة بلاده، وهو ما يؤكده عبد اللطيف، مبينا أن للحافظ 3 تلاميذ فقط، كان هو من بينهم إضافة إلى الشيخ عبد المعز شاكر ومحمد حازم ملا حويش، إضافة إلى مئات الأتباع الذين قلدوه وحضروا بعض مجالس قراءاته دون أن ينهلوا من علمه بطريقة مباشرة ومستمرة.
وعن كيفية تعلم تلاميذه من الشيخ الحافظ، يؤكد مدير مركز النعمان الدولي للدراسات القرآنية أنه وزملاءه استطاعوا أخذ الكثير من الملاحظات حول الطريقة العراقية من خلال الاستفادة من أوقات فراغ الشيخ خليل إسماعيل في جلساته الخاصة.
وعلق بالقول "كنا نجلس في تسعينيات القرن الماضي في مجلس يدعى (الروضة الأدهمية) بمنطقة الأعظمية ببغداد، حيث كان يجلس في نهاية عمره مع مجموعة من القراء والعلماء من مختلف المحافظات ومن بينهم الشيخ رافع الرفاعي، وأسهمت تلك الجلسات في تسجيل العديد من التسجيلات الصوتية التي لا تزال أصداؤها حاضرة في العراق حتى الآن".
ويؤكد الكاتب والصحفي مروان هشام أن الحافظ لم يكن مجرد قارئ، بل كان مؤصلا ومنظرا للمقام العراقي، واستطاع تحويل الأداء من مجرد اجتهادات فردية إلى مدرسة منضبطة، تجمع بين التحقيق الرصين وروح المقام البغدادي، كما يمكن القول إنه هو من ثبت أركان التلاوة العراقية في المحافل الدولية والإذاعية، جاعلا من صوته ما يشبه "المرجع" لكل من أراد تعلم أصول التلاوة العراقية وليس مجرد التقليد.
ورغم جماليتها الأخاذة، واجهت الطريقة العراقية في التلاوة عوائق حالت دون انتشارها العالمي الواسع، وفي مقدمة ذلك الصعوبة والتعقيد، حيث يرى هشام أن الطريقة العراقية تعتمد على المقام الصرف، وهو علم يحتاج لسنوات من الدراسة والتدريب، بخلاف الطريقة المصرية التي تعتمد على التطريب السلس، أو الحجازية المعتمدة على الفطرة والروحانية البسيطة.
وتابع في حديثه للجزيرة نت، أن من الأسباب الأخرى أن الطريقة العراقية مرتبطة وجدانياً ببيئة بعض المدن العراقية وتراثها وفي مقدمتها بغداد والموصل وكركوك، مما جعلها نخبوية نوعا ما، وصعبة المحاكاة لمن هم خارج هذا النسيج الثقافي، لا سيما ما يتعلق بوصلات المقامات وتشعباتها العراقية.
أما مدير مركز النعمان الدولي، فيرى أن انتشار الطريقة المصرية يرجع لوسائل الإعلام، حيث أن مصر ومنذ بدايات القرن الماضي تميزت عن دول العالم الإسلامي بتعدد وسائل الإعلام وسلطتها، فضلا عن أن شخصية القارئ المصري تميزت عن العراقي بطريقة تسويق نفسه إقليميا وعالميا، وهو ما أدى لانتشار الطريقة المصرية، فضلا عن سهولتها مقارنة بالطريقة العراقية التي تعد صعبة على غير العراقيين.
ويضيف عبد اللطيف أن فترات الحروب والحصار الاقتصادي الدولي وما أعقبها لم يسعف القارئ العراقي في نشر طريقته في التلاوة، رغم وجود مساع حقيقية وجادة لإعادة نشر هذه الطريقة وتدريسها من خلال المعاهد القرآنية ومدارس المقام، مبينا ضرورة تأسيس مدرسة خاصة بتلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية لأجل الحفاظ عليها وصبغها بصيغة أكاديمية، لا سيما مع اتساع هذه الطريقة وتعدد مقاماتها.
وبعد عقود من معانقة صوته السماء، توفي الشيخ الحافظ خليل إسماعيل عام 2000 ببغداد عن عمر يناهز 80 عاما، وترك بصمة صوتية لا تزال أنغامها تتردد في قراءة القرآن الكريم والأذان في مختلف الإذاعات العراقية والقنوات الإعلامية، ليبقى أيقونة تلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة