آخر الأخبار

عشرون دقيقة سينمائية من العتمة الكوبية بدلا من ساعات التقارير الإخبارية

شارك

أمستردام – خمسة أيام كاملة غرقت فيها كوبا في الظلام الدامس، خمسة أيام تعطلت فيها شبكة الكهرباء الوطنية بالكامل في أكتوبر/تشرين الأول 2024، تاركة 11 مليون نسمة تقريبا بلا ضوء ولا تبريد ولا اتصالات، فهل يعيد التاريخ نفسه في 2026؟

كان يمكن لهذه الأزمة أن تكون مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار العالمية، فقرة قصيرة معتادة عن "دولة اشتراكية فاشلة" ونائية قبل الانتقال إلى موضوع آخر؛ لكن ثلاثة شباب إيطاليين صادفوا وجودهم في قلب تلك العتمة قرروا أن يصنعوا منها شيئا مختلفا تماما هو قصيدة بصرية بالأبيض والأسود.

"أحلام الظلام" (Blackout Dreams)، عشرون دقيقة وثائقية فقط، شاهدتها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ضمن مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (IDFA)، وتركت في نفوس من شاهدوها أثرا يتجاوز مدتها القصيرة بكثير، وأهم دليل أني استدعي لقطات الفيلم "المظلمة" كلما قرأت أخبار كوبا "المعتمة" هذه الأيام.

وبينما تقرأ عزيزي القارئ هذه السطور تفيد الأخبار ‎أن كوبا، اليوم نهاية يناير/كانون الثاني 2026، تعيش أسوأ أزمة اقتصادية منذ ثلاثة عقود؛ فالنظام الكهربائي الوطني الذي بني معظمه في الثمانينيات خلال الحرب الباردة ويعتمد على محطات توليد نفطية متهالكة عمرها يتجاوز ثلاثين عاما، يكافح للبقاء على قيد الحياة بعد أن دمرته الأعاصير المدمرة وسوء الإدارة المحلية والحصار الاقتصادي الأمريكي المفروض منذ 1962 والذي شدده دونالد ترامب في ولايته الثانية، ما يخنق قدرة البلاد على استيراد الوقود أو قطع الغيار، وواردات النفط من فنزويلا وروسيا والمكسيك تتناقص.

الفيلم الذي أخرجه الثلاثي الإيطالي غابرييلي ليكيلي، وفرانشيسكو لوروسو، وأندريا سيتيمبريني من المجموعة الإبداعية "Broga Doite Film"، لا يحكي قصة انقطاع الكهرباء في كوبا بقدر ما يحكي قصة كيف يستمر البشر في الحلم حتى حين تنطفئ كل الأضواء.

مصدر الصورة جانب من عرض وثائقي "أحلام الظلام" في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية" (الجزيرة)

الأزمة المعتمة كفرصة فنية

القصة تبدأ بالمصادفة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وصل الثلاثي الإيطالي إلى كوبا للمشاركة في ورشة عمل سينمائية في مدرسة سينمائية مشهورة تحت إشراف مخرج كبير حائز على أوسكار هو جيانفرانكو روزي.

إعلان

"لم يكن لدينا أدنى فكرة عما سنصوره بالضبط"، اعترف المخرجون خلال جلسة النقاش التي أعقبت العرض في أمستردام، وقالوا لنا أنهم كانوا يبحثون عن موضوع، أو عن قصة تستحق الرواية، حين فاجأتهم كوبا بأكبر انقطاع للكهرباء في تاريخها الحديث.

ليلة الجمعة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2024، انهارت شبكة الكهرباء الوطنية الكوبية بالكامل بعد تعطل محطة توليد رئيسية. خمسة أيام من العتمة الشاملة تلت ذلك، وبالنسبة لمعظم الناس، كانت كارثة. لكن بالنسبة لثلاثة صانعي أفلام يحملون كاميرات كانت فرصة لتوثيق كيف يواجه مجتمع بأكمله الظلام.

التحديات كانت هائلة، حكى لنا الثلاثي بعد أن شاهدنا الفيلم كيف تشحن بطاريات الكاميرا في بلد بلا كهرباء؟ استخدموا مولدات في المدارس أحيانا، واضطروا للعمل بوقت محدود جدا للمونتاج خلال الفترات النادرة التي عادت فيها الكهرباء لساعات متقطعة.

لكنهم قرروا الاستمرار مدفوعين بشعور أن ما يحدث أمامهم استثنائي ويستحق التوثيق، كما قالوا لي بعد مشاهدة الفيلم.

كوبا اليوم

ما لم يكن المخرجون الثلاثة يعرفونه وقتها أن انقطاع الكهرباء الذي صوروه كان نذيرا لأزمة أعمق فاليوم، في أواخر يناير/كانون الثاني 2026، لا تزال كوبا تعاني من انقطاعات يومية متكررة للكهرباء، بعضها يمتد لساعات طويلة، خاصة في المناطق خارج العاصمة هافانا والنظام الكهربائي المتهالك، الذي يعتمد على محطات توليد قديمة تعمل بالنفط الثقيل، يكافح للصمود بلا جدوى.

والأزمة الاقتصادية في الجزيرة تتعمق فالتضخم يأكل قيمة العملة المحلية، الطوابير أمام المخابز ومحطات الوقود تطول، والشباب الكوبي يهاجر بأعداد قياسية نحو الولايات المتحدة بحثا عن مستقبل أفضل.

ففي 2023 وحدها، غادر أكثر من 400 ألف كوبي بلادهم وهو رقم مذهل لدولة يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة فقط.

الحكومة الكوبية تلقي باللائمة على الحصار الأمريكي، بينما يشير المنتقدون إلى سوء الإدارة والفساد وفشل النموذج الاقتصادي المركزي.

لكن "أحلام الظلام" اختار ألا يكون مجرد توثيق للأزمة كما الفقرتين الصحفيتين أعلاه، الفيلم لا يهتم بالأساس بالأرقام والإحصاءات والتحليلات الاقتصادية، ويهتم بشيء آخر هو: كيف يعيش البشر العاديون، كيف يتأقلمون، كيف يحافظون على كرامتهم وإنسانيتهم حين تنطفئ الأنوار؟

مصدر الصورة مشهد من وثائقي "أحلام الظلام" عن كوبا (مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية)

حيوات تستمر بلا كهرباء

هل يذكر قارئ هذه السطور مشاهد شبيهة معتمة عندما يغرق بيت طفولته في الظلام الدامس لدقائق أو سويعات؟ هذا ما يصوره الفيلم في شوارع كوبا الغارقة في عتمة حالكة.

تلتقط عدسة الفيلم مشاهد رمزية محملة بالمعاني، مثلا راكب دراجة يظهر من السواد كشبح أبيض ثم يختفي (ستلاحظ تراقص الظلال طوال الفيلم)، وأطفال يلعبون على الأرصفة بضوء المصابيح اليدوية، وضحكاتهم تقطع صمت الليل (فالصوت ينتقل أقوى في العتمة!) وعائلات تتجمع تحت وهج المصابيح المحمولة، لا شكوى ولا نحيب بل غناء وسمر عفوي.

مشاهد الفيلم جائت هكذا، كاهن يقرأ من سفر التكوين على ضوء الشموع: "وقال الله: ليكن نور، فكان نور"، غالبا الاقتباس استعارةة مقصودة، ففي الظلام، يبحث الناس عن معنى وأمل وعد بعودة الضوء.

إعلان

مغن مسن أعمى يعزف الغيتار لزوجته في غرفة نومهما المظلمة؛ ولا يحتاج الرجل إلى الضوء ليرى، لم يكن يرى غيتاره أصلا لكن موسيقاه تضئ الغرفة بالدفء، وبجوار بيتهما صبي ومعلمه يلعبان الشطرنج على طاولة بالكاد يضيئها فانوس ضعيف واللعبة بطيئة ومتأنية كطريقة لشحذ العقل وقتل الوقت في زمن الانتظار.

صياد يخوض المياه الساحلية ليلا بفانوسه الوحيد، يلقي شباكه والعمل لا يتوقف، فالحياة تستمر، رغم كل شيء.

في منزل متواضع، جيران وأفراد عائلة يتحلقون حول مصباح محمول، يغنون معا أغاني إسبانية قديمة، الأزمة تحولت إلى حفلة عفوية، لحظة إنسانية نادرة تكسر حياة مليارات البشر الآخرين في زمن العزلة الرقمية.

"لم نصور بالنهار لأن المساء هو الذي يمنحنا فرصة التقاط الظلال والضوء وتشكلاتهما"

"لم نصور بالنهار لأن المساء هو الذي يمنحنا فرصة التقاط الظلال والضوء وتشكلاتهما"، شرح المخرجون اختيارهم الجمالي.

وجاء التصوير بالأبيض والأسود كحل تقني لقلة الإضاءة أو ربما كان خيارا فنيا واعيا من المخرجين، فالأبيض والأسود يمحوان الحدود بين الواقع والحلم.

أين الشرطة؟

خلال جلسة النقاش التي أعقبت العرض في مهرجان إدفا، سأل أحد الحضور "لم أر شرطيا واحدا في الفيلم. لماذا؟" السؤال ربما يكشف افتراضا ضمنيا: نحن في الغرب نتوقع أنه حين تنقطع الكهرباء، ستنهار الأمور، سيسود الهلع، ستظهر الشرطة في كل زاوية لحفظ النظام.

"لم أر شرطيا واحدا في الفيلم. لماذا؟"

أجاب المخرجون: "بسبب طول مدة انقطاع الكهرباء، تأقلم السكان مع الظلام وواصلوا حياتهم معه" ويعتقد الثلاثي أن الكوبيين لم ينتظروا أن تحل السلطة المشكلة، ولم ينهاروا في فوضى. ببساطة، واصلوا العيش.

هذا الصمود ليس جديدا على كوبا، فهي بلد عانى ستة عقود من الحصار الاقتصادي، وانهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينيات (ما يسميه الكوبيون "الفترة الخاصة" التي شهدت مجاعات ونقصا حادا)، وأزمات متكررة، تعلم المرء كيف يعيش بالقليل، والأزمة الحالية، رغم قسوتها، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

لكن "أحلام الظلام" لا يقدم هذا الصمود ك"فضيلة رومانسية" أو يدعو للاحتفاء بالفقر؛ ف الفيلم يوثق واقعا قاسيا، لكنه يرفض تصوير الكوبيين كضحايا عاجزين. يصورهم كما هم: بشر يواجهون التحديات بكرامة وحكمة وقدرة على التأقلم الإبداعي.

مصدر الصورة مشهد من وثائقي "أحلام الظلام" عن كوبا (مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية)

إنهاء الاستعمار البصري

وصول "أحلام الظلام" إلى مهرجان إدفا 2025 كان في سياق خلص فالمهرجان اختار التركيز على ثيمة "إنهاء الاستعمار" ومنح صوت للجنوب العالمي والفيلم يجسد هذه الثيمة بطرق متعددة، بعضها واضح وبعضها خفي.

يرفض الفيلم السردية الاستعمارية المعتادة عن كوبا التي تظهر في الإعلام الغربي، كوبا إما "جنة اشتراكية" أو "دولة فاشلة قمعية" وهما صورتان تختزلان واقعا معقدا، بالمقابل لا يقدم الفيلم دعاية للنظام ولا يشيطنه وإنما يقدم ببساطة حياة الناس العاديين كما هي.

والملفت أن المخرجين الثلاثة، رغم أنهم إيطاليون "أجانب"، لم يأتوا بنظرة استعلائية. هم أنفسهم من كالابريا، أقصى جنوب إيطاليا، منطقة فقيرة مهمشة اقتصاديا تعاني من البطالة والهجرة، وربما هذا الأصل الجغرافي والطبقي يمنحهم حساسية مختلفة: يفهمون معنى الهامش والنقص، ويصورون كوبا ليس ك"آخر غريب".

ومنح الفيلم الكوبيين الكلمة دون وساطة ولا تعليق صوتي خارجي يشرح أو يحكم، فقط الصور والأصوات: أصوات الكوبيين أنفسهم وهم يغنون، يصلون، يلعبون، يعيشون. هذا بحد ذاته فعل تحرري: السماح للآخر بأن يرى ويسمع كما هو، دون فلترة أو تفسير قسري. (الحق في الرواية كما سماه إدوارد سعيد).

ويقلب الفيلم يقلب السردية المعتادة عن "التقدم" و"التخلف"، ففي الغرب، انقطاع الكهرباء لساعات يعتبر كارثة تستدعي إعلان الطوارئ. في كوبا، كما يظهر الفيلم، الحياة تستمر بهدوء، أو ربما لأن الكوبيين لم يفقدوا المهارات الأساسية للعيش خارج الاعتماد الكلي على التكنولوجيا.

جماليات الصمت

من الناحية السينمائية، "أحلام الظلام" تحفة بصرية وصوتية ف التصوير بالأبيض والأسود يمنح الفيلم طابعا تاريخيا إذ يمكن أن تكون اللقطات من الخمسينيات أو من المستقبل ولدى المشاهد وقتا للتأمل،و للانغماس في إيقاع الحياة الليلية الكوبية الهادئ.

إعلان

و التصميم الصوتي هو ما يمنح الفيلم روحه الحقيقية في زمن سيادة الصورة وطغيانها ؛ ف مع اختفاء الطنين الكهربائي المستمر للثلاجات والمكيفات والتلفزيونات، تعود أصوات الطبيعة إلى الواجهة وتسمع الرياح تحرك أوراق النخيل، الصراصير والضفادع تملأ الليل بأصواتها، نباح كلب بعيد، خطوات على الحصى، حفيف ملابس، أوتار الغيتار تنبض في العتمة، همهمات الصلوات.

في نهاية الفيلم، لا تعود الكهرباء على الشاشة وأنما ينتهي العرض كما بدأ.. في الظلام. الشاشة تصبح سوداء، والصالة تغرق في صمت قصير قبل أن ينفجر التصفيق، ربما من إعجاب بالصوت والصورة وإعجاب أهم بقدرة البشر على الحلم حتى في أحلك الليالي

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار