آخر الأخبار

أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة: هل انتصرت الخوارزميات على العقل البشري؟

شارك

لعب الذكاء الاصطناعي دورا كبيرا في التأثير في العالم العربي، ذلك أن تأثيره يبدو بارزا اليوم داخل مشهد ثقافي عربي بات يعيش نوعا من حيرة الانتماء.

إذ على الرغم من الاعتراف الرسمي من شركات تكنولوجية عالمية عملاقة بالأثر الذي أصبحت تحدثه الخوارزميات والمتمثل في استثمار نحو 155 مليار دولار في عام 2025، إلا أن تبني المثقفين ما زال ضعيفا ويطبعه نوع من المواربة والغموض، لكونهم يظلون يستندون في أذهانهم إلى "فرضية" تفوق العقل على التقنية .

في كل المراحل التاريخية لعبت التكنولوجيا دورا مهما في تحديث الممارسة الثقافية

لكن هناك فئة قليلة حولت الذكاء الاصطناعي إلى آلية لتحرير النصوص الأدبية واستلهام أفكار جديدة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي ينتج أفكاره لا أفكارهم. وهذا الأمر جعل العديد من النصوص الأدبية تفقد بريقها الجمالي على مستوى حرارة النص وحميميته.

في كل المراحل التاريخية لعبت التكنولوجيا دورا مهما في تحديث الممارسة الثقافية. ذلك أن أثر وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) مثلا، ساهم في نقل الثقافة من بعدها المحلي صوب العالمي. بل هناك بعض الكتاب والأدباء العرب، لم يسبق للقراء أن تعرفوا عليهم، بحكم صعوبة توزيع الكتب وتنقلها كسلع تجارية بين دولة وأخرى.

لذلك كانت منصات التواصل الاجتماعي بمثابة الحامل الذي نقل أفكارهم ومفاهيمهم ورؤاهم وأحلامهم صوب قراء جدد، بل والتفاعل الآني مع نصوصهم وما تضمره من أسئلة قلقة ذات صلة بالثقافة والسياسة والاجتماع.

بما جعل الأمر يتطور لاحقا إلى مجموعات أصبحت تُعرف بـ "كتاب الأدب الرقمي" وهو نمط أصبح يتنزل منزلة رفيعة داخل يوميات الثقافة العربية، بسبب جدية بعض الأقلام وشهرتها في البحث عن قراء، إضافة إلى ما تطرقه من موضوعات في غاية الأهمية، لا سيما أن هناك أدباء استطاعوا عبر منصات التواصل الاجتماعي اختراق مكبوت الأدب العربي المعاصر، عبر طرح بعض من القضايا التي طالما تدخل ضمن المحرمات (Taboos).

إعلان

بيد أن الأدب الرقمي، بقدر ما جدد فعل الكتابة وخلق نوعا من الدمقرطة الثقافية (Cultural Democratization) التي تكسر مفهوم النموذج الواحد وتحطم الحدود والأسيجة كافة على مستوى التخييل، فقد ساهم إلى حد كبير في "تفريخ" العديد من النصوص الأدبية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى البعد التخييلي والصناعة الجمالية وأصالة المفاهيم وكثافة الرؤى.

الدمقرطة الثقافية تكسر مفهوم النموذج الواحد وتحطم كافة الحدود والسياجات على مستوى التخييل

وذلك على أساس أن مفهوم التطور التكنولوجي يظل دائما يتأرجح بين المنزلتين، فتارة يكون نعمة على الثقافة حيث يجدد منابعها ويقوم بتأصيل خطابها، بينما يكون في أحيان أخرى سببا في فسادها وارتباكها وهجانتها، كما يحدث اليوم مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

من ثم، فإن أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة يتوقف على كيفية استعماله والطريقة التي نسمي بها الأشياء، لأن الخوارزميات وإن كانت تتفوق من ناحية الذكاء بسنوات ضوئية على البشر، فإنها تظل ذات أثر محدود.

لذلك تعد ثنائية الذكاء الاصطناعي والإبداع من أخطر الموضوعات التي ما زالت تحرك الأهواء بين الأدباء والفنانين، إذ غالبا ما تجعل المثقفين الحقيقيين ينفرون منه حين يتعلق الأمر بفعل الكتابة الذي يظل ممارسة وجدانية لها ارتباط عضوي بلغة الأحشاء الدفينة المنسابة عبر اللاوعي، فبدون الجسد تصبح الكلمات باردة لا أثر لها ولا قوة يستطيع من خلالها الأدب أن يحققها، لأن الشرط الإنساني-الجسدي يبقى من العناصر المهمة لبلورة كتابة حقيقية مؤثرة في القارئ.

يمنح الذكاء الاصطناعي الإنسان طاقات مضاعفة على جميع المستويات في الفكر وتداول الثقافة وتوفير إمكانات المعرفة على مستوى كوني

العلم في ظل الذكاء الاصطناعي

في حديثه الخاص مع "الجزيرة نت" يرى المفكر والشاعر اللبناني المقيم في باريس عيسى مخلوف أن "الذكاء الاصطناعي حدث كبير في تاريخ البشرية مهد له التطور العلمي خلال العقود الأخيرة. لقد دخلنا الآن لحظة تحول لم يعرف التاريخ شبيها لها، لأنها تمس الدماغ نفسه والمسار المعرفي بأكمله، بل مصير الإنسان على الأرض".

أما أثر هذا التحول على الثقافة وسواها من الحقول والميادين فيتحدد بطريقة التعاطي معه باستخدامه إيجابا أو سلبا كحال معظم الابتكارات الجديدة.

يتمثل الجانب الإيجابي في نظر مخلوف في "أنه يمنح الإنسان طاقات مضاعفة على جميع المستويات في الفكر وتداول الثقافة وتوفير إمكانات المعرفة على مستوى كوني والعمل على إيجاد حلول للاحتباس الحراري مثلا، وللأمراض المستعصية".

أما الجانب السلبي "فهو في خطورة أن يتحول الإنسان أداة في يد الآلة لا العكس، لا سيما حين يستعمل التطور في خدمة التجسس على البشر ومزيد من الاستغلال والاستعباد وجعل الحروب أكثر فتكا وقدرة على القتل والدمار".

من ثم، يطرح صاحب "رسالة إلى الأختين" السؤال حول: "نفع اختراق المجهول وبلوغ المجرات في الكون، في حين لم تتمكن البشرية بعد من وضع حد للحروب والمجاعات. ومن هنا يتبدى الخوف عند بعض العلماء من إساءة التعامل مع الاكتشافات الجديدة الفريدة من نوعها في التاريخ والتي بقدر ما تعد بالخلاص تلوح بما هو أدهى وأكثر خطورة".

مصدر الصورة الكاتب عيسى مخلوف خلال القاء محاضرة بمعهد العالم العربي بباريس (الجزيرة)

المستفيد الأول من التقدم التكنولوجي وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي هو السلطة السياسية التي لا يعنيها السلام والاستقرار، بقدر ما يعنيها الجشع ونوازع العنف

لهذا يرى عيسى مخلوف أن "التقدم التقني والتكنولوجي لم يصل في أوانه لأنه يسبق بدرجة كبيرة نمو النزعة الإنسانية التي تشهد تراجعا كبيرا مع سقوط القوانين الإنسانية التي سنت إثر الحربين العالميتين ومع تصاعد وتيرة العنف والتلويح بالحروب في كل مكان والاستئثار بالسلطة.

إعلان

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المستفيد الأول من التقدم التكنولوجي وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي هو السلطة السياسية التي لا يعنيها السلام والاستقرار، بقدر ما يعنيها الجشع ونوازع العنف ووضع اليد على الموارد الطبيعية أينما كانت.

من ثم، فإن التقدم العلمي لا يواكبه بالضرورة تقدم إنساني وهذا أمر خطير للغاية، لأن نتائجه لا تتحكم فقط بواقع الثقافة ومستقبلها بل بواقع جميع مرافق الحياة ولا خلاص فعليا إلا في حصول وعي جماعي وتوق إلى استعمال الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية والحياة على كوكبنا لا لجعل هذا الكوكب مكانا غير صالح للعيش".

الذكاء الاصطناعي في نظر صاحب "حبر الشاشات المطفأة" لا يعمل في فراغ "ولا يكتب من تلقاء ذاته، بل يرتبط ارتباطا عضويا بوعي مستخدمه

خطر الذكاء الاصطناعي

أما الكاتب والناقد السوري علي سفر، فيرى أن "أثر الذكاء الاصطناعي على الممارسة الثقافية ينطلق غالبا من افتراض مسبق، مفاده أن الأداة، بذاتها، تضعف ملكة التفكير والتخييل، وتبرد حرارة النص.

في رأيي، هذا الافتراض يحمل الذكاء الاصطناعي ما هو في الأصل نتاج علاقة معقدة بين الأداة والمستخدم"؛ لأن الذكاء الاصطناعي في نظر صاحب "حبر الشاشات المطفأة" لا يعمل في فراغ، "ولا يكتب من تلقاء ذاته، بل يرتبط ارتباطا عضويا بوعي مستخدمه، بأسئلته، وبدرجة توتره الفكري واللغوي. هو مرآة مشروطة تعكس مستوى الحساسية الثقافية، والقلق المعرفي، والقدرة على التخيل لدى من يستعمله".

وذلك لأن النص البارد "لا يصدر عن آلة باردة، بل عن ذهن اختار الاختصار، والكسل، وإعادة إنتاج المألوف. بالمقابل، يمكن للأداة نفسها أن تتحول إلى محفز على التفكير، وإلى وسيلة لمساءلة الفكرة الأولى، وتفكيك البداهات، إذا استخدمت ضمن مشروع كتابي واع، لا بوصفها بديلا عن الجهد الذهني".

ففي تاريخ الفعل الثقافي "لم تكن الأدوات يوما محايدة بالكامل، لكنها أيضا لم تكن قاتلة للخيال. الطباعة لم تنه البلاغة الشفوية والسينما لم تلغ الرواية، والإنترنت لم يقض على الكتاب. ما تغير اليوم هو سرعة التفاعل وكثافته، لا إلغاء الفعل الإبداعي ذاته. الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي، بل في التعامل معه بوصفه حلا جاهزا، لا شريكا نقديا في عملية التفكير".

مصدر الصورة الشاعر والإعلامي السوري علي سفر (الجزيرة)

النص البارد لا يصدر عن آلة باردة، بل عن ذهن اختار الاختصار، والكسل، وإعادة إنتاج المألوف

أما مسألة حرارة النص، فهي قبل كل شيء نتاج خبرة إنسانية، واحتكاك بالعالم، وذاكرة فردية، وجمعية. لا يمكن لأي نظام ذكي أن يختبر الخسارة أو الخوف أو الشغف، لكنه يستطيع أن يساعد الكاتب على صقل اللغة، أو اختبار بنية، أو فتح أفق احتمالي جديد.

هنا تحديدا تظهر مسؤولية الكاتب والمثقف: الحفاظ على مركزية التجربة الإنسانية، واستخدام الأداة دون التنازل عن الصوت الشخصي، أو عن القلق، أو عن حق الخطأ. من هذا المنظور، لا يعطل الذكاء الاصطناعي ملكة التفكير، بل يكشف هشاشتها إن كانت هشة، ويضاعف طاقتها إن كانت حية".

ثمة حنين عجيب للماضي، للأرض، ولكل ما يجمعنا بالطبيعة، رغم هذا التقدم الهائل

قتل البعد الجسدي

من جهته يؤكد الكاتب العراقي صفاء سالم إسكندر بأنه شاهد "قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، فيلم هير (Her) من بطولة خواكين فينيكس. تساءل حينها، هل سنصل إلى هذا الحد من التقدم؟ الأمر فظيع جدا، التقنية تكاد تتجاوز السيطرة البشرية. في المقابل، نعاني الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية، ومن اضطراب مشاعرنا واغتراب وجودنا.

مصدر الصورة الشاعر العراقي صفاء سالم اسكندر (الجزيرة)

"ثمة حنين عجيب للماضي، وللأرض، ولكل ما يجمعنا بالطبيعة، رغم هذا التقدم الهائل. بالطبع، الثقافة والكتابة ليستا بمنأى عن هذا الموضوع؛ فأن يستثمر البعض الذكاء الاصطناعي كأداة كاملة للكتابة والوصف قتل بطيء للإبداع، إذ بمقدور أي كان إنشاء مجاميع شعرية دون أي رابط حسي حقيقي بين اللغة والإنسان، أو بين اللغة والفراغ نفسه. سيخلق هذا الأمر تصدعا مخيفا، لكنه في النهاية سيفرض نفسه بشكل كامل".

ثم يرى أن "الكتب القديمة -أقصد الكتب التي كتبت قبل الذكاء الاصطناعي- أغلى ثمنا وأكثر طلبا، هكذا قدرت الأمر في ذهني، لأنها ظلت محافظة على صدقها؛ لذلك لا قيمة لشيء مكتوب بالذكاء الاصطناعي".

إعلان

أقول: "إنه يمكن لنا الاستفادة منه محررا، لكن كونه كاتبا بديلا فهذا الأمر صعب جدا، لقد ضيع متعة علق عليها ريلكه في رسالة إلى شاعر شاب، ما مضمونه أن الكتابة استجابة لحاجة في النفس".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار