آخر الأخبار

رواية "رجل تتعقّبه الغربان" ليوسف المحيميد.. جدلية الفرد والجماعة في مواجهة الأوبئة

شارك

كثر تلك الروايات التي تحدّثت عن الأوبئة والأمراض التي عصفت بالبشر منذ عصور، وما يزال الإنسان حتّى يومنا هذا يكافحها، كلّ على طريقته.

لكن ربما أول ما يلفت القارئ في رواية "رجل تتعقّبه الغربان" للروائي والصحفي السعودي يوسف المحيميد، والصادرة عن دار العين المصرية 2023، هو الانكسار الزماني والمكاني في الحديث عن الوباء، إذ تتأرجح الرواية بين حقبات وأمكنة عدّة.

تبدأ الرواية في المستقبل، عام 2048 في مكان مجهول نوعا ما. نعلم أنه في بلد غربي من بعض الملامح، كالبرد والثلج والتظاهرات للاحتفال بمئويّة إنشاء الكيان الإسرائيلي، لكن اسم المكان يبقى مبهما؛ إذ أراد الكاتب إسقاطه على الغربة، أينما كانت.

لننتقل مباشرة إلى الماضي القريب -المعاصر عام 2020 في الرياض ، فالرياض 1936، ثمّ العام 1918، وبذلك تغطّي الرواية 5 أجيال متعاقبة لـ5 أزمنة: أحفاد الراوي، ابنته، الراوي نفسه، والده ووالدته، والجد والجدة. وهنا تكون بنية الرواية الزمكانية معقدة بعض الشيء وتتطلب من القارئ الصبر والملاحظة وتتبّع الحدث والشخصية لربط مفاتيح الرواية ببعضها.

فالكاتب يغيّر أسلوبه السردي ما بين الاسترجاع، وهي التقنية التي تغلب على الرواية إذ سلّمنا أنه يكتبها عام 2048. "لم يتوقّع أنّ العالم سيعود إلى الوراء كلما تقدم أكثر، وأن الحروب والأوبئة لا تتوقف أبدا، وهذا المخلوق العجيب، المدعو "إنسان"، لا يكف أبدا عن إثارة الفوضى والقتل والخراب ويخلف الدمار".

كما تظهر تقنية الاستباق من خلال مونولوجات بطل الرواية عن المستقبل، وأيضا التواتر الدائري؛ إذ تبدأ الرواية وتنتهي بنفس الجملة والمخاوف في أن يبقى البطل عالقا في دوامة ذاته المغلقة، تلك الدوامة التي تقيد يديه وقدميه كسجين في حبس أبدي بلا سجّان يمنحه الأمل بالنجاة.

الوباء بمفهومين مختلفين

تناقش الرواية الوباء كموضوع أساس. والوباء من مفهوم المحيميد ليس فقط الوباء الجسدي الذي يُقعد البدن، ولكن الوباء الفكري والنفسي الذي قد يكون أحيان أكثر خطورة ووحشية من المرض الفيزيولوجي.

إعلان

ويطرح العمل معاناة البشر مع أوبئة مختلفة، من الحمّى الإسبانية عام 1919، والجدري عام 1936، والكوليرا عام 1945، وكورونا عام 2020.

وهنا تتشكل جدلية الزمن مع عنصر المكان حيث يتوحدان مشكلين أزمة إنسانية تخطّت كل العصور والجغرافيات لتذكر الإنسان بضعفه قبالة المرض مهما تطورت الحياة ومهما اخترع البشر من تكنولوجيا، فالذين ماتوا فوق أسرة ملقاة عبثا في المستشفيات في زمن كورنا لم يختلفوا كثيرا عن أولئك الذي ماتوا في الصحراء من الجدري والكوليرا… الحقيقة واحدة والموت سيدها.

الاغتراب والنبذ

قد تكون ثيمة العمل الأبرز هي ثنائية الاغتراب والنبذ، نبذ الذات قبل أن ينبذك الآخرون. فيتابع القارئ معاناة بطل العمل وكيف يتحول جسده وأعضاؤه إلى أعداء لدودين يتربّصون به لإيقاعه بفخّ فيروس كورونا.

لتصبح يده عدوا، وعيناه مصدر فزع قد تُدخل الفيروس إليه، وكيف يصبح الآخر مدعاة قلق وخوف ورعب يترصّدك لنقل عدوى المرض إليك، "كيف أتحاشى عدوي؟ كيف أهرب منه وهو معي؟ هو ليس لصّا، أو قاتلا مأجورا، أو محتلا يغزو شوارع مدينتي الحبيبة، إنها يدي فقط، يدي التي تتربّص بي!".

ولكن ماذا يحدث إن كانت العدوى في منزلك، في والدك المسن، في مدبرة المنزل التي تطعمك؟ في زميل عملك؟ في بائع القهوة؟ كلها تساؤلات تنخر الرأس وتنحر العنق وتثقل الذات فيصير فيروس الفكر مناصفا لفيروس الجسد، "أحسست أنني أدخل حروبا صغيرة لا طائل منها، حربا مع العمل، مع رئيسي، مع الوباء، مع يدي، مع كلّ شيء حولي".

في المقابل جسّدت الرواية أبهى صور الصداقة والوفاء في شخصيّتين قد تكونان ثانويتين في مقدار ظهورهما في العمل، لكنّهما ثقيلتين من ناحية المعاني التي تجسّدانها. فاضل ومحسن في فصل "وحيدان تحت شجرة طلح" رسما حدثا مركزيا في الرواية؛ إذ يصاب فاضل بالكوليرا في أثناء عودته في قافلة حجّ، ما يدعو رئيس القافلة للتخلّص منه على قارعة الطريق خوفا من انتقال العدوى لآخرين، فيقرّر محسن البقاء معه. فاضل لا ينجو، تحاول الغربان أكل جثته وهو ملقى في صحراء شرسة تحت شمس ظالمة ومحسن يطرد الغربان رغم أنه يعلم أن صديقه قد رحل.

لتأتي هذه الحادثة وتعادل كفّتي ميزان النبذ، بين عام 2020 حيث الكل يهرب من الآخر خوفا من عدوى كورونا، وبين 1945 حيث محسن يلتصق بصديقه الموبوء بالكوليرا. لتضعنا الرواية أمام سؤال مباشر وقاسٍ: كيف تغيّرنا إلى هذا الحد؟

لغة مدرارة وشاعرية

يكتب المحيميد بلغة شاعرية صادقة ودقيقة في وصفها ونقلها للصور المبتغاة بمشاهد خاطفة وقصيرة، ويعتمد عموما على ما نسمّيه في النقد بالاقتصاد النثري، أي أنه يطوّع الصورة، يصفها بوعي، ينحتها بإزميل القلم ناقلا المعنى والإحساس بأقل الكلمات، وهذا عموما من أصعب أنواع النثر في الرواية الذي يفتقده الكثير من كتّابنا الأعزاء إذ إن الرواية مساحة مغرية للإطناب والإسهاب.

أتت الفصول قصيرة ومباشرة، وبعناوين تخطفك حتّى قبل الشروع بالقراءة. عناوين مدروسة ومدوزنة وشادة، كفصول "إنها يدي، تتربّص بي"، "لماذا فرّت العصافير من اللوحة؟"، "أخذ فراشه معه وطار"، "انتبهوا للزفرة الأخيرة"، وغيرها الكثير من العناوين الذكية واللمّاحة التي تأخذك من يديك وتحط بك في قلب السرد وحدثه.

إعلان

لغة المحيميد مرئيّة، تراها متجسّدة بكل وجعها. تعتصرك ألما على طفل لم يمنحه الجدري فرصة الحياة فيدفنه والده وشقيقه يسأل: كيف سيتنفس شقيقي من تحت التراب؟ كم هو قاس هذا السؤال في عينين طفل كشّرت له الحياة عن أنيابها منذ صغره وانتشلت منه ومن عائلته شقيقه الرضيع؟ تجوب مع المحيميد في الشوارع والأروقة، في القرى الصغيرة والمدن الكبرى، تسمع حوافر الحيوانات، تشم رمال الصحراء، تلسعك شمسها. تبكي مع الموبوئين، تحمل همومهم على كتفيك، تترقب رحلاتهم، هل سينجون أم ستبتلعهم حفرة المرض؟

اللغة أداة الرواية، فهي الصلة بين القارئ والكاتب، بين المكتوب والمحسوس، ومتى ما استخدم الكاتب أداته بحرفية، كانت النتيجة أن تقرأ عملا مميزا كرجل تتعقبه الغربان، قوي وصادم وحقيقي، يطرح قضايا قد تكون عادية بجوهرها، لكنها عميقة في ما تريد إيصاله.

يوسف المحيميد هو روائي لا يشبه أحدا، اختار زاوية قص خاصة به، بعيدة عن كل ما يُكتب ويُقرأ.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار