مراهق يسترجع تفاصيل منذ عمر 3 أشهر.. ماذا يحدث في ذاكرته؟
في سن السادسة عشرة، بدأ مراهق يلاحظ شيئا غير مألوف في ذاكرته. فعندما يسترجع أحداثا من طفولته، لا تعود إليه ملامح عامة أو ذكريات مبهمة، وإنما تظهر تفاصيل شخصية محددة، وقد تأتيه بعض هذه الذكريات من تلقاء نفسها.
ومع إدراكه أن قدرته على تذكر أحداث حياته تختلف عن المعتاد، تواصل مع باحثين متخصصين في الذاكرة في فبراير/شباط 2025، فأخضعوه لسلسلة من الاختبارات المعيارية. وأظهرت النتائج أن أداءه في مقاييس الذاكرة الذاتية كان إحصائيا متوقعا أن يتجاوز أداء 99.9% من عامة السكان، كما خلص الباحثون إلى أنه يستوفي معايير ما يعرف بـ"الذاكرة الذاتية الفائقة" ( HSAM).
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سلّمت رضيعها لغريبة ثم غادرت.. فماذا عن قانون "الطفل موسى"؟
* list 2 of 2 ليس مشهدا من فيلم.. "باتمان" يتسلق جدارا ويطارد لصا في إنجلترا end of list
والمراهق، الذي أطلق عليه الباحثون الرمز "كيه سي إل" (KCL) لحماية هويته، يتمتع بقدرة نادرة على استرجاع أحداث وتجارب شخصية بتفاصيل دقيقة.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعات في بولندا وإيطاليا وبريطانيا، واختبروا المراهق عن بُعد تحت إشرافهم، ونشرت نتائجها في سبتمبر/أيلول الجاري في دورية "كورتكس" (Cortex). وركزت الدراسة بصورة خاصة على ما يعرف بـ"الذكريات الذاتية اللاإرادية"، وهي ذكريات شخصية تظهر في الذهن من دون محاولة واعية لاستدعائها.
ذكريات تظهر من تلقاء نفسها
قال "كيه سي إل" للباحثين إنه يستطيع استدعاء ذكريات تعود إلى فترة مبكرة جدا من طفولته، تصل -بحسب إفادته- إلى عمر 3 أشهر تقريبا، فيما أكد والداه بعض تفاصيل ذكريات تعود إلى عامي 2010 و2011.
لكن عمر 3 أشهر يظل إفادة شخصية من المراهق، ولا تثبته الدراسة بصورة مستقلة. أما ما استطاع الباحثون قياسه، فأظهر فروقا واضحة في طريقة استدعائه للأحداث الشخصية.
ففي اختبار استند إلى تواريخ عشوائية، استطاع "كيه سي إل" استدعاء أحداث شخصية مرتبطة بالتواريخ بدقة بلغت 83%، مقابل متوسط قدره 28.75% لدى مجموعة المقارنة. وفي مهمة أخرى لرصد الأفكار التي تطرأ على الذهن أثناء أداء مهمة على الحاسوب، كانت 13 من أصل 15 فكرة تلقائية سجلها المراهق، أي نحو 87%، ذكريات شخصية، مقابل نحو 39% في مجموعة المقارنة.
واللافت أن الاختلاف لم يكن في مقدار شرود الذهن بقدر ما كان في اتجاهه، إذ كان معدل الأفكار الخارجة عن المهمة قريبا من مجموعة المقارنة، لكن أفكار المراهق التلقائية كانت تميل بدرجة أكبر بكثير إلى أحداث من حياته الماضية.
ذاكرة ذاتية فائقة.. وليست "ذاكرة فوتوغرافية"
لا تعني "الذاكرة الذاتية الفائقة" امتلاك قدرة عامة على تذكر كل شيء، ولا تعادل ما يسمى أحيانا "الذاكرة الفوتوغرافية". فهي ترتبط تحديدا بقدرة استثنائية على استرجاع أحداث وتجارب شخصية، وليس بالضرورة بحفظ المعلومات المجردة أو التفوق في جميع أنواع الذاكرة.
وفي حالة "كيه سي إل"، لم تُظهر الاختبارات تفوقا عاما في مختلف الوظائف المعرفية، كما لم يجد الباحثون دليلا على أن قدرته تعتمد على استخدام أساليب خاصة لحفظ المعلومات.
وتنسجم هذه النتيجة مع أبحاث سابقة عن "الذاكرة الذاتية الفائقة"، تشير إلى أن أصحاب هذه القدرة يتميزون بصورة خاصة في استرجاع أحداث حياتهم الشخصية والتواريخ المرتبطة بها، بينما قد تكون نتائجهم في بعض اختبارات الذاكرة العامة أقرب إلى المعتاد.
لماذا تظهر الذكريات من تلقاء نفسها؟
تركز الدراسة الجديدة على "الذكريات الذاتية اللاإرادية"، ويطرح الباحثون تفسيرا محتملا لحالة "كيه سي إل" مفاده أن لديه حساسية أكبر للمحفزات المرتبطة بتجاربه السابقة، إلى جانب سهولة أكبر في استرجاع الذكريات الذاتية.
وبعبارة أبسط، قد تكون كلمة أو صورة أو إحساس أو حتى محفز داخلي كافيا لاستحضار ذكرى شخصية لديه، فتظهر تلقائيا في وعيه. لكن هذا التفسير يظل فرضية تستند إلى نتائج الدراسة، ولا يمثل تفسيرا نهائيا لهذه القدرة.
ما الذي يحدث في الدماغ؟
لا تتضمن دراسة "كيه سي إل" تصويرا لدماغه، ولذلك لا يمكن القول إن الباحثين اكتشفوا اختلافا معينا في دماغه يفسر قدرته على التذكر.
لكن أبحاثا مستقلة تناولت أصحاب "الذاكرة الذاتية الفائقة" من زاوية عصبية. ففي دراسة نشرت في مايو/أيار 2026، استخدم باحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء الراحة لفحص 12 شخصا من ذوي هذه القدرة ومقارنتهم بـ31 شخصا، فوجدوا اتصالا وظيفيا أقوى وأكثر استقرارا بين مناطق مرتبطة بالذاكرة والتفكير في الذات، من بينها الحُصين والقطب الصدغي والقشرة الجبهية الأمامية الإنسية البطنية، ضمن ما يعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي".
ولا تعني هذه النتائج وجود "مركز للذاكرة الخارقة" في الدماغ، وإنما تشير إلى اختلاف في طريقة ترابط بعض المناطق والشبكات المرتبطة بالذاكرة الذاتية لدى الأشخاص الذين يتمتعون بهذه القدرة. وهذه النتائج لا تصف دماغ "كيه سي إل" تحديدا، لأن دماغه لم يخضع للتصوير ضمن دراسة حالته.
قدرة نادرة ما زالت غامضة
تظل حالة "كيه سي إل" دراسة فردية، ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها على جميع الأشخاص الذين يتمتعون بـ"الذاكرة الذاتية الفائقة". كما أن نتيجة الـ99.9% مرتبطة بمقاييس محددة للذاكرة الذاتية استخدمت في التقييم، وليست حكما بأن المراهق يتفوق على هذه النسبة من السكان في جميع أنواع الذاكرة أو القدرات العقلية.
وتشير الدراسة إلى أن التفوق في تذكر الأحداث الشخصية قد لا يتعلق فقط بالقدرة على استرجاع الذكرى عند محاولة ذلك، وإنما أيضا بسهولة ظهور الذكريات في الذهن بصورة تلقائية، وهو جانب قد يساعد مزيد من البحث حوله على فهم هذه القدرة النادرة وآلياتها.