على مدى عقود، ظلّ فستان مارلين مونرو الأبيض، وهو يتطاير فوق فتحة تهوية المترو، إلى جانب شفتيها القرمزيتين وشعرها الأشقر البلاتيني، من الرموز الخالدة لهوليوود. ويُعدّ مشهد الفستان المتطاير من فيلم "حكة السبع سنوات" (1955)، من أكثر اللقطات رسوخاً في الذاكرة السينمائية . ونادراً ما بلغت نساء القرن العشرين المكانة الأيقونية التي حققتها مونرو، رغم تعرّض كثيرات منهن في الوقت ذاته لانتقادات قاسية بسبب مظهرهن وطريقة لبسهن.
واليوم، بعد مرور مئة عام على ميلادها وأكثر من ستة عقود على وفاتها، تتشكل صورة مختلفة لمارلين مونرو. فلم تعد تُختزل في كونها مجرد رمز للإغراء، بل بات يُنظر إليها أيضاً كواحدة من أوائل رموز الاستقلالية النسائية في صناعة سينما طالما هيمن عليها الرجال.
وُلدت نورما جين مورتنسون في الأول من حزيران/يونيو عام 1926 في لوس أنجلوس ، وعاشت طفولة اتسمت بعدم الاستقرار، تنقلت خلالها بين دور الرعاية والأيتام. وفي سن مبكرة، أدركت أن النساء في هوليوود يُقيّمن أولاً وأخيراً من خلال مظهرهن.
اليوم، يرى جزء وازن من الحركة النسوية في مارلين مونرو امرأة سبقت عصرها؛ إذ تحدّت آليات صناعة الترفيه قبل أن تُصبح موضع نقد واسع بسنوات. فقد أدركت كيف يُستخدم جسدها وإيماءاتها في تسويقها، لكنها في الوقت ذاته تعاملت مع ذلك بوعي، وحاولت توظيفه لصالح مسيرتها المهنية. لذلك، لم تكن ضحيةً لنظام تمييزي فحسب، بل سعت إلى المناورة داخله واستغلال قيوده.
ومع ذلك، بقيت مونرو أسيرة تناقضات عصرها. فقد احتفى الجمهور بأنوثتها وجاذبيتها، لكن هذه الصفات نفسها استُخدمت في وقت لاحق ضدها. ودأبت وسائل الإعلام على وصفها بأنها غير مستقرة أو صعبة المراس أو غير مهنية، وهي أوصاف لا تزال تُستخدم حتى اليوم لوصم النساء القويات والصريحات اللواتي يتحدّين التوقعات السائدة.
كما تحوّلت حياتها الخاصة إلى مادة دائمة للفضول العام؛ إذ خضعت زيجاتها، سواء من نجم البيسبول جو ديماجيو أو الكاتب المسرحي آرثر ميلر، لتفكيك وتحليل مكثفين في وسائل الإعلام، إلى جانب أزماتها النفسية واعتمادها على الأدوية.
بعدما توفيت مونرو عام 1962 عن عمر يناهز 36 عاماً، بدأت صناعة أسطورتها. ورغم أن السلطات أعلنت أن وفاتها قد تكون على الأرجح نتيجة تناول جرعة زائدة من المهدئات، إلا أن نظريات المؤامرة لا تزال قائمة حتى اليوم. ومن بين أكثرها رواجاً الادعاء بأنها أُسكتت بسبب صلاتها بعائلة كينيدي، مع أنه لا يوجد دليل يدعم هذا الادعاء.
بعد مرور مئة عام على ميلادها وأكثر من ستة عقود على وفاتها، تتشكل صورة مختلفة لمارلين مونرو. فلم تعد تُختزل في كونها مجرد رمز للإغراء، بل بات يُنظر إليها أيضاً كواحدة من أوائل رموز الاستقلالية النسائية في صناعة سينما طالما هيمن عليها الرجال.صورة من: AP Photo/picture allianceفي السنوات الأخيرة، تغيّرت نظرة الجمهور إلى مارلين مونرو مرة أخرى. فقد أسهمت حركة #أنا_أيضاً والنقاشات الأوسع حول إساءة استخدام السلطة في هوليوود في إعادة قراءة قصتها. وأصبح كثيرون اليوم أكثر إدراكاً لحجم المعاناة التي عايشتها داخل نظام كان يلمّع صورة النساء بقدر ما يفرض عليهن قيوداً صارمة.
تعلّمت مونرو منذ وقت مبكر ثمن الشهرة والأضواء. كانت مرغوبة، لكنها نادراً ما حظيت بالاحترام؛ مشهورة، لكن حمايتها كانت محدودة؛ وذكية ومثقفة، ومع ذلك حُصرت في صورة نمطية ثابتة كرمز للإغراء.
وربما يكمن إرثها النسوي الأهم في هذا التناقض ذاته: ففي خمسينيات القرن الماضي، كشفت مونرو مدى تعقيد سعي المرأة إلى تقرير مصيرها في عالم يُعجب بها بقدر ما يسعى للسيطرة عليها. أما استمرار حضور صورتها في أرجاء العالم بعد قرن على ميلادها، فيعكس عمق تأثيرها في تشكيل ملامح الثقافة الشعبية الحديثة.
المصدر:
DW