في 25 مارس 1997، شهدت مياه المحيط الهادئ قبالة سواحل الإكوادور حدثا استثنائيا أعاد إلى الأضواء بقوة حكايات القراصنة والكنوز الأسطورية.
في ذلك اليوم، نجح فريق من صيادي الكنوز بقيادة الأرجنتيني هيرمان مورو في تحقيق ما ظل حلما يراود المنقبين لعقود ويتمثل في العثور على حطام السفينة الشراعية الإسبانية الشهيرة "لا كابيتانا"، التي ابتلعتها الأعماق منذ عام 1654 بعد أن اصطدمت بشعاب مرجانية، لتستقر في قاع البحر ثروة هائلة كانت في طريقها من أمريكا الجنوبية إلى إسبانيا.
لم تكن "لا كابيتانا" سفينة عادية، بل كانت تحمل في عنابرها شحنة من الذهب والفضة نُهبت من حضارة الإنكا العريقة، احتوت على صناديق ممتلئة بالعملات والمجوهرات والتماثيل والأواني التي تجاوزت قيمتها التقديرية كل تصور. وفيما ذكرت التقارير الرسمية القديمة أن قيمة الفضة تقدر بنحو عشرة ملايين بيزو موزعة على أكثر من مئتي صندوق، فإن الذهب ظل لغزا محاطا بالغموض، إذ اكتفت الوثائق بوصفه بأنه "كبير جدا"، ما جعل الخبراء المعاصرين يتخبطون في تقديرات متباينة لقيمة الكنز، تراوحت بين بضعة ملايين ومليارات الدولارات.
الطريق إلى هذا الاكتشاف لم يكن مفروشا بالورود، وسبقته محاولات فاشلة عديدة، إلى أن لعبت الصدف دورها الحاسم عندما علق طبق صغير من الخزف في شباك صياد محلي، ما أعاد الحماس لنشاطات البحث مجددا.
هنا برز دور الغواص المخضرم روبرت ماكلونغ، الذي قاد الفريق نحو الموقع الدقيق للحطام. بعد ذلك بعامين، وبالتعاون بين شركة "ساب أمريكا ديسكفريز" وشركة الإنقاذ الإكوادورية "أندرووتر سالفاج"، بدأت عمليات الغوص المكثفة التي أسفرت عن انتشال سبائك وما يقرب من عشرين ألف قطعة نقدية فضية من الأعماق.
غير أن هذه القطع، رغم قيمتها الأثرية والتاريخية الهائلة، أثارت إشكالية كبرى يتمثل في سؤال يقول: كيف يمكن لسفينة ذكرت الوثائق أنها تحمل شحنة ضخمة غير مسبوقة من الذهب والفضة، ولا يعثر بين حطامها إلا على هذا العدد من العملات الفضية؟
هذا التناقض أطلق العنان لسلسلة من الفرضيات المثيرة. بعض الباحثين ذهب إلى أن السفينة التي عُثر عليها لم تكن "لا كابيتانا" أصلا، بل كانت سفينة أخرى غرقت وعلى متنها جزء من حمولة نلك السفينة الشراعية الشهيرة بعد أن أعيد تحميلها. فيما اقتنع فريق آخر، بعد تنقيب دؤوب في الأرشيفات والمكتبات، بأنهم لا يزالون أمام جزء بسيط من اللغز، وأن الكنز الحقيقي ربما لا يزال مطمورا في مكان آخر من قاع المحيط.
تم نقل القطع الفضية التي انتشلت إلى مختبر ترميم أقيم في القاعدة البحرية الإكوادورية بمدينة ساليناس الساحلية، حيث خضعت للتنظيف قبل أن تُسلم عام 1999 إلى البنك المركزي في غواياكيل، لتُقسم بعدها بين الشركة المنقبة وحكومة الإكوادور.
لكن قصة "لا كابيتانا" لم تنتهِ عند هذا الحد. يرى البعض أن ما انتشل لا يرقى إلى مستوى الأساطير التي حيكت حول السفينة، فيما يظن آخرون أن الحطام الحقيقي لا يزال يرقد في قاع المحيط، محاطا بكنوز لم تمس، ينتظر من يكشف النقاب عنه في يوم من الأيام.
بين هذه الآراء المتضاربة، تبقى "لا كابيتانا" واحدة من أكثر حكايات الكنوز إثارة في تاريخ الملاحة البحرية، حيث يمزج واقعها بين دقة الوثائق التاريخية وغموض الأعماق، لتبقى أحلام المغامرين والباحثين عنها يقظة على أمل أن يحمل الغوص التالي إجابة حاسمة عن لغز لكبير.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة